بيوت الطين والاشجار التي تموت واقفة .... ، تموت ولاتسقط كي لايفرح الاعداء


المحرر موضوع: بيوت الطين والاشجار التي تموت واقفة .... ، تموت ولاتسقط كي لايفرح الاعداء  (زيارة 2721 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حميـد الحريزي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 282
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
((بيوت الطين  والاشجار  التي تموت واقفة .... ، تموت  ولاتسقط  كي  لايفرح  الاعداء ))

     
الحصاد  - في الارض المزروعة الغاما
 للروائي – طه الزرباطي     الناشر  مصر مرتضى  للكتاب العراقي  ط1 2012-12-22


حميد الحريــــــــــــــزي
قال الكاتب طه الزرباطي  في  الاهداء (( الى المدينة  ، الام ، والمنفى  ، الى النخلة  التي احترقت  بنيان الاهل  ... ولم تركع ... الى اطرافها السوداء .... الى الانهار  التي  روضت لتجري في اوطان الاخرين .. فاعلنت عصيانها .....
كما قال  الكاتب ((الاسماء  والاحداث الواردة  في الرواية  هي محض خيال  .... ولا  تتحدث  عن اشخاص  من  الواقع )).
وهنا نقول    للكاتب  ولكل من يقرأ   هذه الرواية  ومثيلاتها  ـ ان لم تكن الاسماء    من الواقع فهي موجودة فيه ، وان لم تكن  الاحداث    ملتقطة بكاميرا  فوتوغرافية فهي حادثة  فعلا ..... وربما اغفلت   عين الكاتب وعجز  خيال الكاتب الروائيو المؤرخ ان  يتصورها   او يوثقها او انه لم  يشهدها او لم يسمع    عنها ......فالعراق   ارضا  وشعبا  ، مر خلال   تاريخه  الطويل  ، بأحداث   كبرى    ، انتصارات  ، خيبات  ،ازدهار  ، تردي   وخواء .....
هذا التاريخ  على امتداده  لآلاف  من السنين  لم يشهد الانسان العراقي البسيط ، الانسان  خارج حاشية  السلطان  ورهطه ، كذب من قال هناك عصرا ذهبيا  مر  به  المواطن العراقي ، نعم عاش السلاطين والحكام    حياة  البذخ  والهيبة  والفخامة والبذخ  ، ظل  الانسان   العراقي  مقهورا  مضطهدا  ،  يعاني قهر الطبيعة   وقهر السلطان  ، قهر اخيه الانسان  ابن جلدته  وابن  وطنه .... قهر الخارجي المحتل  وقهر  ابن الوطن المستبد .... ورواية   الروائي المبدع طه الزرباطي   توثق لمرحلة  من مراحل   هذا القهر   والظلم  والمعاناة للإنسان   العراقي    الذي رفض ترويض السلطة  ، رفض ان يكون ضمن  قطعانها   وعبيدها ، رفض ان يكون سيافا  ، رفض ان يكون جاسوسا  ، رفض ان يكون جلادا  ، رفض ان يكون  طبالا ، رفض ان تصادر احلامه  .......
يوثق  الروائي لمرحلة حكم   (ألبعث )) للعراق  وما  جرى خلال هذا الحكم الشمولي   من   مصادرة حاريت الانسان    بسيف  الشرعية الثورية  ،    ومن خلال   ضجيج طبل معاداة الامبريالية  والرجعية والجاسوسية  ....  وشعارات كل شيء من اجل المعركة   ... والوحدة والحرية والاشتراكية   !!!!؟؟؟؟؟؟؟
 اننا    بحاجة فعلية لتوثيق  تاريخ العراق   وحراك  الشعب العراقي وتحولاته   الطبقية والاجتماعية والاقتصادية  خلال  فترة   تطوره  المختلفة  ... بقلم الروائي الذي  يحلل  التاريخ    ويتأمل رواياته   ولا ينسخها  ... انه  يصور ويحلل  ويركب  ويستنتج   هذه الاحداث والظواهر   والتحولات  ليرويها عبر  شخصيات وجماعات  وطبقات  ورموز  ... ليكون بذلك  ضمير  التاريخ الحي  وروح الانسان   العراقي   ولسانه    الذي   لجمه وقطعه الطغاة خلال     عقود من السنين  ان لم  نقل قرون   من تاريخ  الظلم والظلام .... وان   تحدثنا عن  فترة  نعدها ذهبية   فليس  لأننا عشنا في واحة  من الحرية والرفاه  وإنما     المقارنة نسبية  بعصور  وحقب اشد عسفا  وظلاما  وقهرا .........
كذلك    تميز  الروائي    بتوثيق  و ايضاح حياة الانسان العراقي  في المنافي  ودول المهجر والهجرة القسرية   ... حيث  يصف حالة  المهاجر  المنفي    المطرود من وطنه قسرا    فيقول  :-
(( انها نوبات ((الهوم سك)) التي تجتاح  كمال ، فيروي  ، ويكتب ،  ويبكي  ، ويرسم  وطنا  في الذاكرة  ، يتبع   كل ايماءة  وكل  خطوة حتى  يقع  المصروع ، فيبتعد اياما  في عالمه الصامت  وكأنه في مرجل  ، حتى يعود بفعل المهدئات  والعقاقير المخدرة  والملوثة  بالحضارة  كما يقول  ، انها نوبات  الشعر  الذي يحتويه  كالعواصف  ، والذي   يضيع معظمه   في التيه  والمخاوف  ......)) ص 189 .
تميزت  رواية  الزرباطي    بقوة الحبكة والسيطرة على مسارب  الروي   وتداخل الاحداث   ، الغوص  في عمق الشخصية العراقية وتحولاتها  قوتها وضعفها  ،  نقائها  وتلوثها   ، جرأتها  وجبنها  وخوفها  ...... وثق للكثير من  السلوكيات  والممارسات  الشعبية العراقية   وحميمية العلاقات  .... كما  استطاع  ان   يلتقط    صورا   ممكنة الوصف  لبشاعة  السلطات الفاشية   وتهورها  وعسفها   وإغراقها في السادية  والهمجية .... اقترب  من   نفسية  المثقف العراقي   وتحولاته   واضطراباته    وبواعث قراراته  ......  .... اشاد  ببطولة مقاومة   قوات  الانصار  الشيوعيين   في  الجبال والاهوار    وتضحياتهم  من اجل الحرية  والرفاه  للشعب  والسيادة للوطن  .......
عبر الكاتب عن كل ذلك   وغيره مما لا تسعه  هذه المقالة الانطباعية عن  النص الروائي بلغة سلسلة  تهيمن عليها    اللغة الشعرية   الجميلة والمعبرة ......
نتمنى  على كتاب الرواية   من العراقيين الى الاهتمام بكتابة تاريخ  العراق وطننا وشعبا     روائيا  ، لكشف  ما خفي من التاريخ  و ما لم   يوثقه  ويكشف عن المؤرخ  ، خصوصا  وان تاريخنا كتبه  الاقوياء   ـ كتبه كتاب السلاطين   و وحواشيهم  ، لاشك ان هناك  محاولات  ونصوص  روائية عراق   تؤشر  بدايات    طموحة ومبشرة   بما هو اشمل    وأكمل في هذا المجال .... فليس   من  المعقول ان  يكتب  الروائي العربي    عبد الرحمن منيف   تاريخ  ((ارض االسواد ))،ويعجز عن ذلك  اهل الدار  ومن   عاش اباءهم وأجدادهم  وأجداد   اجداهم على  هذه الارض    وعايش  مختلف العصور والعهود  والحقب الزمنية .... خصوصا   الان  وقد   لجم قلم الرقيب   وكسر  سيف   السياف ... ونحن نعيش حرية  ولو نسبية في قول الحقيقة  او ما يمثلها  الى حد  مقبول في   اسوء الاحوال .......وهنا  لابد  لنا ان ننوه  الى ضرورة التنظير في  مجال  مفهوم   ومعنى ومبنى وأسلوب الرواية التاريخية  ... لأننا نشهد احيانا عملية قص  ولصق  لاحداث تاريخية    يرويها حكواتي   لا يمتلك رؤية تحليلية  وتحقيقة وبنائية وتركيببية  للأحداث   والظواهر التاريخية  ويسميها رواية تاريخية ....
في الختام لا يسعنا إلا  ان نعبر عن  كبير تقديرنا للروائي   الرائع    طه الزرباطي  متمنين   له المزيد  من الابداع  والتألق  في هذا  المجال  والجنس الادبي او غيره  مع شكرنا  الكبير له لإهدائنا نسخة من الرواية  الرائعة التي    ابكتنا  وأمتعتنا   حقا ..........