الرائد بطرس اوراها ( ابو كميل ) في ذمة الخلود
عن عمر يناهز الحادي والتسعين عاماَ وبعد معاناة طويلة وصراع مرير مع المرض ارتحل الى الأخدار السماوية راقداَ على رجاء القيامة يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من كانون الأول 2012 احد رجالات العراق الرائد بطرس اوراها ( ابو كميل ) , بعد حياة طويلة حافلة بالنضال والمواقف السياسية والوطنية المشرفة التي عاشها في زمن امتد لسنوات من الحكم الملكي ومن ثم فترة الجمهورية العراقية , فكان احد عناصر فصائل الضباط الأحرار التي فجرت ثورة الرابع عشر من تموز بقيادة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم عام 1958 , وكاد ان يدفع حياته ثمناَ لمواقفه المشرفة بعد الانقلاب الفاشي البعثي عام 1963 عندما القي القبض عليه مع المئات من الضباط الاحرار وحكم عليهم بالموت في خطة إجرامية بعد ان قرر الطغاة تصفيتهم بطريقة لم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى في معاقل النازية المعروفه .. فلم يقرروا اعدامهم بالطريقة الاعتياديه رميا بالرصاص كعسكريين , وانما قرروا قتلهم على الطريقة العربية ، حيث طغت معالم التطبع بطباع رعاة الهمجية عبر التاريخ العربي المملوء بشتى صور التشفي بالخصوم , وحشروا في ما سمي بقطار الموت , بعد ان قررت قيادة الحكم الجائر حينذاك ، ان يتم جمع اولئك الضباط ، في محطة السكك الحديد الرئيسية في بغداد ليلا ، وإعداد احدى القطارات المخصصة لنقل البضائع ، وهي عبارة عن عربات مقفلة ، لا يدخلها الهواء الا عبر فتحات بسيطة تفصل الابواب عن جسد العربه الحديدية , وتم توجيه الاوامر للسائق بان يسير بابطأ سرعة ممكنه لنقل بضاعة لم يكن يعلم عن ماهيتها بشيء , في حين قامت مجموعة من الحراس بمصاحبته لغرض مراقبة التزامه بالتوجيهات , الوقت كان في تموز اكثرالاشهر حرارة في العراق ، وارضية تلك العربات من الداخل كانت مطلية بمادة القار، مما زاد في حرارة الجو المحيط بالضحايا , وسارت العربات على مهلها متوجهة صوب مدينة السماوة حيث معتقل ( نكَرة السلمان ) السيء الصيت , فأخذت شكوك سائق القطار تزحف على عقله وهو يتطلع الى مرافقيه وحرصهم على التباطؤ في السير , وفي جدود مدينة الديوانية أحس بحمولته الغريبة من خلال ضجيج السجناء فعلم انه يحمل اجسادا آدمية حية فضاعف من السرعة ، دون ان يلتفت لوقت مرور اي قطار في الاتجاه المقابل ، لقد راهن على استباق الزمن ، وجاهد في سبيل الوصول الى المحطة القادمه خلال اقصر وقت ممكن , فوصل محطة السماوة ونزل يصرخ بجموع الموجودين في المحطه معلنا عن وجود رجال داخل عربات القطار محكوم عليهم بالموت , هبت النساء والرجال والاطفال من الذين كانوا ينتظرون قاطرات السفر ، واولئك الفقراء باعة البضائع المتجولين , هبوا ناحية العربات المقفله , وسرعان ما قامت الجماهير بفتح الاقفال الموصدة باحكام , فخرت الاجساد خارج العربات بين مغمى عليه ومن هو قريب من الموت , وبحس الفقراء المجرد من أي تبعات سياسية معقده راهنت الجماهير على ما لديها من قدرات ، واحتوت اكبر عدد ممكن من الرجال المقيدين لبعضهم البعض لتنقلهم الى بر الامان .. فكان ابو كميل احد هؤلاء الابطال .
ولد الفقيد الراحل في قرية عين نوني عام 1921 وعاش بدايات حياته فيها ومن ثم من بعدها ارتحل الى مدن العراق المختلفة ليخدم كضابطاَ قديرا ملتزماَ بواجباته في العديد من الوحدات التابعة للجيش العراقي وتدرج في الرتب العسكرية الى ان تسرح منها برتبة رائد , حيث عاش بعدها في العاصمة بغداد لحين تركه الوطن وهجرته الى الولايات المتحدة الأميركية بداية التسعينيات من القرن الماضي ليستقر في مدينة شيكاغو حتى رحيله الابدي .
عام 2008 التقيت الفقيد في دار كريمته في مدينة شيكاغو الأميركية في زيارة تفقدية له انا وزوجتي حيث كان يعاني من العديد من الأمراض المزمنة , وكعادته وبهدوئه المعتاد رحب بنا بالرغم من فقدانه الجزئي وقتها لذاكرته التي كانت دائماَ وقادة في زمنه الجميل , وتبادلنا بعض الاحاديث الودية متذكراَ بعض الاحداث الاجتماعية التي حصلت في قريتنا الحبيبة عين نوني وبعضاَ من شخوصها واعلامها وناسها الطيبين .
بهذا المصاب الجلل والحدث الأليم لا يسعني الا ان اتقدم باحر التعازي واصدق المواساة باسمي وعائلتي جميعاَ الى اولاده وبناته والى العم شابي والاستاذ فيليب والأخت جينا وعوائلهم واولادهم وبناتهم , والى اقربائه واصدقائه وجميع ابناء القرية المقيمين في الوطن ودول المهاجر , داعيا الرب ان يمنح له مكاناَ في فردوسه الأزلي , ولأهله جميعاَ جميل الصبر والسلوان ... آمين .
( مصدر حادثة قطار الموت من الأنترنت )
اديسون هيدو والعائلة
كَوتنبيرغ / السويد