روح الراحل جورج هومه تعود الينا في " شلاما دقلت"
منذ صدور البوم دشتا دنينوي للفنان آشور بيث سركيس عام 2008، لم احظ بسماع البوم غنائي-- مكتوبة أغانيه-- يدغدغ أحاسيسي ويحرك قلمي كي اكتب عنه. بحثت طويلاً عن الالبوم الصادر للفنان المرحوم جورج هومه في خريف 2012، الذكرى الثانية لرحيله من عالم العمل الدؤوب وا لعطاء الى عالم الراحة والثناء. في رحلة البحث هذه أثقلت مصرف جيبي بشراء عدداً من الالبومات لفنانينا الجدد والقدماء لكن اقتنائي منها لم يتعدى عدد قليل من الآغاني التي تستحق السماع وتستحق المكوث داخل سيارتي وتكون وقود ذهني المتعب من هموم العيش في مدينة كبيرة مثل شيكاغو.
في حياته الأرضية اعطى هذا الفنان جورج هومه كل ما في امكانيته لا بل انه كان سخياً في عطائه لدرجة ان بذل ذاته من اجل فنه ولمنفعة ابناء امته الآشورية اينما كانوا حتى يستمعوا الى درر فنية تبقى ازلية، وفاءاً منه لأبناء امته وارتقاءاً بالفن الغنائي لامة تستحق بذل الذات لأجل الرقي بها من حيث انهاا أقدم امة عرفت الموسيقى. بعد شهرين من العناء والبحث حصلت على الالبوم الغريب في صدوره. نعم البوم لأغاني جديدة يصدر لفنان بعد رحيله بسنتين لهو امر غريب وعجيب. اما كيف حصلت على الألبوم فلم يكن عن طريق دار التسجيلات او مخازن ابناء شعبنا، لأنه غير متوفر عندهم، بل جاءني هدية من النجم المتلألئ في سماء الأغنية السريانية ( السورث - الاشورية الحديثة) ، الفنان سركون يوخنا الصديق الوفي للراحل جورج هومه والمروج الكبير لفن صديقه.
يحوي الألبوم العجيب هذا على ثمان أغاني موسيقية ولكني أحسبها تسع فالأغنية التاسعة وهي افضلها هي تلك الكلمات التي سطرها على الغلاف الذي جاء مع الألبوم. الكلمات تقول:
" دائماً كنت اؤمن ان المشاعر المنبعثة مباشرة من القلب بأخلاص نقي، انها تحط مؤثرة في قلوب الجمهور." مثل هذه الكلمات المكتوبة بالانكليزيه ضمن رسالته الوداعية لأبناء امته الآشورية هي أغنية عَزفها على اوتار قلبه الطيب وغناءها من حنجرة بصوت مكتوم . هذا الغناء الفريد من نوعه لم يصلنا عبر سماع الأذن بل انه قفز ذلك الحاجز لتصل قلوبنا نحن الجمهور الذي صُعق بفقدان هذا الفنان العظيم.
من كلماته الوداعية ايضاً :
" لا اعرف ايهما ايقنتُ اولاً معرفة اسمي ام شغفي بالموسيقي والغناء" اي انه شغف بالموسيقى منذ نعومة أظفاره. ولذا كانت الموسيقي والغناء كل شيء في حياته فتعلم العزف على مختلف الآلات وبدأ الغناء في مقتبل عمره. ولكن جورج ذو القلب الرقيق والقومي ( اومتنايا) المخلص وجد في هاتيت الصفتين عنواناً لأغانيه فأستثمر جُلّ جهده الغنائي في هذين الحقلين وأبدع وايّ ابداع!! وفي هذا الصدد يقول الفنان سركَون يوخنا عن صديقه وقدوته جورج هومه حين زار الأخير سوريا في عام 2004:
التقيت به وتعرفت عليه عن كثب ، لقد كان ذي مشاعر جياشة حقيقية يبكي كالأطفال لأن الزمن يمر سريعاً في حين انه هو واقرانه من المغنين لم يؤدوا رسالتهم كاملاً لخدمة الأغنية الآشورية ورفع سمعتها. جورج هومه أيقن موهبته الموسيقيةً ولذا استغلها لخدمة امته فكرس معظم حياته للموسيقى ولأجل ذلك أنمى موهبته هذه ودرس الموسيقى في المعهد الموسيقي الأسترالي حيث كان يقيم مهاجراً في القارة البعيدة عن بيت نهرين، عشقه الاول والاخير. تعلم العزف على معظم الالآت الموسيقية ومنها الفايولين وهي الأعز الى قلبه، العود، الكَيتار، البيانو .. وقد استخدمها جميعاً مقرونة مع صوته الملائكي المشحون بالعواطف الجياشة.
موسيقى هذا الألبوم تعتبر سمفونيات عشق ومحبة وحقاً ان جردنا الغناء من الموسيقى التؤليفية فالنتيجة هي سمفونيات للسمع والمتعة، وقد سهر الليالي في تأليفها. عشر سنين استغرقت جورج كي ينتج البومه هذا . الموسيقى كانت كامله ومعها الردات اللازمة، فقط كان عليه ان يغني البقية من أغنيتن ثم يتم تركيب الغناء على الموسيقى المجهزة وينتهي كل شي ، لكن يد المنون كانت تنتظره وداهمته وهو في خضم شغله وهكذا سقط شهيدا للفن الذي أحبه منذ الصغر.
جورج هومه لم يكن مغنياً يجمع الأغاني ويكثرها كمًاً بل كان ينتقيها كي تكون نوعية بحيث تمتزج الكلمات بالموسيقى امتزاج الماء بالطحين وفي هذه الحالة لا ينسى ان ينفح جزءاً من روحه السامية خميرة حتى تنتفخ عجينته وتنتج خبز الحياة. وبكلمات الفنان المرحوم جورج هومه وهو يخاطب جمهوره كما جاء في مقدمة الألبوم الذي نحن بصدده: "
مثل الخمر الجيد لا بد ان يُعتق حتى يختمر جيداً، فلقد استغرقتُ سنيناً كي انتج هذا الألبوم، ووضعت فيه قلبي وروحي كي تستمتعون به." آخر اصدار غنائي له كان عام 2000 ، وهكذا فانه البومه الأخير والذي جاء بعنوان
" شلاما لدقلت " استغرق عشر سنين لحين ان وافاه الأجل ولم يكن مكتملاً بعد لكن اخويه جان وجاك مع أصدقاء المرحوم وهم ريني دانييل وآشور اوراهم حاولوا كل امكانيتهم ان يملئوا الفراغ الذي تركه جورج لأكمال ما تبقى من الألبوم الذي بين ايدينا واستغرق ذلك قرابة السنتين واستطيع ان اقول ان ذلك كان جيداً اذا أخذنا بنظر الأعتبار صعوبة ملء الفراغ الذي تركه المرحوم والموهبة الفنية التي كان يملكها.
كما اسلفت فان الأغنية التاسعة حسب تصنيفي كانت مقروءه وقد حاولت تقديمها أعلاه اما بقية الأغاني فهي ثمان اَتم منها المرحوم ست أغاني . الأغنية السابعة وهي تحت عنوان
" راوي " فقد أكملها شقيقه جاك بعد ان كان المرحوم قد وضع موسيقاها مع التؤليف الموسيقي لكامل الأغنية وغني ردّتها، وقد اجاد جاك في تكملة الأغنية ويبقى على المستمع ان يلاحظ الفرق. في تصوري ان جاك اجاد لأن الأغنية هي تراثية وموسيقاها شعبية مما يسهل تقليدها. اما الأغنية الثامنة والأخيرة وهي بعنوان " ريما دطوراني " اي ريم الجبل فهي سمفونية حبه لكل من شريكة حياته وأمته الآشورية. فيها كلمات صعب عليّ تفسيرها بعض الشئ وكلماتها هي ثمرة تعاون بين المرحوم جورج هومه وعمه الشاعر المعروف آدم هومه الذي يقول جورج عنه بانه يشبهه في تتطلعاته كثيراً وهو شاعر لامع وانه هو – اي جورج —مدين لعمه في الكثير من نجاحاته . هذه الأغنية تمثل جزء من تراجديا وفاة جورج حيث انه غنّى الردة فقط اما بقية الاغنية فكلماتها وردت كاملة على الغلاف لكنها غير مغناة في الالبوم. لم أسال عن السبب، لكن حدسي ان جورج توفي ولم يكمل غناء بقيتها، وقد اراد منتج الألبوم بعدم تكملتها ان يقول لنا:
لقد سقط جورج شهيدا لفنه وتوقفت حنجرته الذهبية عن الغناء. واذا رجعنا الى حكاية الوفاة المعروفة، فان جورج كان يعمل على انجاز البومه وهو في الأستوديو الموجود في بيته وحين شعر بالأرهاق القاتل خرج حيث الى فناء الدار وحقيقة الأمر انه كان يعاني من سكتة قلبية اودت بحياته وهذا ما حدث حسب رواية ألشخص الي كان معه في البيت ,اظنه ابنه أو أخاه الصغير جاك. بهذا الصدد كتب جورج :
"سهرتُ الليالي مع القلم والفايولين وحب امتي الاشورية وانا أكتب واغني.. أعيد الكتابة اوالغناء مرّة تلو المرة ولا أقبل بالنوم ..حتى تكون النتيجة موفقة وأغفو على دموع الفرح او الحزن." أعود الى الأغنية الثامنه التي حيرتني كثيراً في تفسيرها والتي غنى جورج ردّتها مع موسيقى ابداعية حيث تستفسر الكلمات من هي هذه الجميلة التي مشيتها غنج في غنج. في البيتين التاليين تجاوب هذه الجميلة، وفي متن جوابها مرة تصف نفسها ريم يجول في الوطن الآشوري ومرة أخرى - البيت الأخير-- تبدو ان هذه الجميلة هي أميرة أحلامه التي أصبحت زوجته وأم أطفاله. لكن الكلمات أتت مؤلمة حقاً في جواب أميرة أحلامه التي شبهها بريم جبال آشور:
من غيرسابق انذار رحلتَ عني وسقطتَ –ميتاً-- كما يسقط ورق الشجر في الخريف.
لآ أدري ان كان هذا السطر قد كُتب قبل او بعد حادثة الوفاة، لكن بلا شك انه يسطر تراجيديا الرحيل الفجائي لفنان عظيم، وأملي ان تغنى هذه الكلمات على الموسيقى التي وضعها الفنان جورج وشارك الشاعر الكبير آدم هومه في تاليف كلماتها وأقتراحي ان يغنيها من جديد الفنان سركَون يوخنا. والسيناريو الآخر لنشر هذه الأغنية ان تبقى الردة كما غناها جورج وتشارك الفنانة القديرة جوليانا جندو في تكملة البيتين الاخرين حتى تكون نهاية تعبيرية لفلم
" وردي ديشي " الذي كان بداية تعريف جورج هومه على جمهوره قبل اكثر من عشرين عاماً.
كما ان كلمة "تيي تيي ةئِا ةئِا، فقد ترجمتها غنج في غنج وقد اكون مخطئاً لكني اعتمدت هنا على سياق الكلام ومن ثم اني أتذكر طيراً في قريتي منكَيش كنا نسميه " تي تيا " حين كان يمشي على الأرض وكان حركته بغنج ملحوظ.
ثم هناك الأغنية التي حملت عنوان هذا الألبوم وهي
" شلاما ل دقلت - سلام على دجلة " وانا شخصياً احسبها أعز الأغاني على قلبي لأني أعرف دجلة جيدا وقد مشيت عليه كثيراً من فوق الجسر الحديدي في مدينة الموصل وهذه الأغنية تؤجج في داخلي تلك الذكريات الجميلة والحزينة عن النهر الذي اسميت ابني "دقلت" بأسمه. جورج هومه قبل رحيله بعام ونيف كان قد زار العراق وذلك في نيسان من عام 2009 ليغني في الأحتفال المقام سنوياً لمناسبة بداية السنة البابلية الآشورية ( اكيتو ) ولابد انه وقف على النهر العظيم الذي يروي أرض آشور وتأمل في ميائه طويلاً ومن ثم الّف موسيقى هذه الأغنية وبعد ذلك كتب الكلمات الحزينة لموسيقاه لتصبح هذه الإغنية القومية شكواه الى القدر الذي جعله غريباً في موطنه. ايقاع موسيقى هذه الأغنية قوي جداً وصوت الطبلة يرمز الى الندب لدرجة ان المستمع يستطيع تميز دقتين قويتين للطبلة حين يلفظ جورج اسم النهر" دَق..لَتْ " كما ان المستمع يستطيع ان يميز بسهولة الأصوات المختلفة في غناء هذه الأغنية وأحداها يبدو انه صوت آت من بعيد .. ربما من سدني، استراليا، وذلك حين يغني المقطع:
غريباي بشلن بدوني وهر بد بيشوخ غريباي .اي اننا أصبحنا غرباء في الدنيا وسنظل غرباء.
أغنية أخرى هي على ايقاع شرقي راقص وتغني المجموعة ردّتها، وهي بعنوان
"بسا من كَشقياثخ- كفى من نظراتك". في هذه الأغنية يصف مع الموسيقى الملائمة العيون الساحرة والشعر المعطر والقوام الممشوق لفتاته التي دعته للرقص معها في الخكَا. انتهى الخكا لكن يديهما المتشابكتان ظلتا على حالهما.
الأغاني الاربعة الباقية هي التي سهر عليها الليالي كم سبق وان اخبرنا بذلك وهي كامة مكملة وفيها الموسيقى الكلاسيكية التي الفها على حسه واحساسه وفيها عزف الاته المختلفة وأحبها الى نفسه الفايلين. يمكن ايجاز المقصود في هذه الأغاني التي يحاور فيها نصفه الآخر بأربع محاورهي اعمدة عش هذا السنونو الذي سيحل بينا في كل ربيع.. وهذه المحاور هي: الاشتياق، المديح، العتاب، واخيراً المغفرة . وقد انتقيت الأشتياق وهي الأغنية الرابعة في هذا الألبوم وجاءت تحت عنوان
" تا خبوقلي- تعالي احضنيني". فيها يعرب عن اشتياقه الى شمس حياته وضياء عينيه فيطلب ان تأتي اليه فهو فقد اشتاق اليها، وكم هي فرحته ااذ اتته في الربيع
" بينيساني " وملات حياته اخضراراً وفرحاً.
جورج هومه رحل عنا ولم يرحل معه نتاجه الموسيقي والغنائي الذي سيظل يذكرنا بفنان عظيم احب امته وبذل ذاته لرفع سمعتها.
حين قرأت نبأ وفاة المرحوم جورج هومه، كتبت مايلي على صفحات عنكاوا.كوم:
هزّت جوانحي عنوان النبأ المفاجئ واثقل قلبي الحزن وانا أقرأ تفاصيل الخبر المؤلم. حقاً صعقني خبر رحيل الفنان الغالي على قلب كل آشوري، خاصة ونحن نعيش هذه الأيام مع فاجعة كنيسة سيدة النجاة.
سنبقى وستبقى الأجيال من بعدنا تتذكر بكل تقدير فنان الأمة الآشورية جورج هومه. سوف نستمع الى أغانيه ونستلذ بها فرحاً وحزناً وتلتهب مشاعرنا وملئها هواجس الأمة المُغرّبة عن وطنها. واحدة من تلك الأغاني العظيمة التي خطها قلمه وغناها هي
" مركَي قيني" التي فيها حبي، قريتي، وطني..وكل أمالي لتُخلد ذكراه في مخيلتي دوماً.
لقد سطر فقيدنا الغالي اسمه ومن خلال فنه الرفيع في سجل الخالدين الذين قدموا خدمات جليلة لأمتهم.
لأعزائنا القراء وكل محبي الفنان العظيم جورج هومه اقدم الرابطين لأغنيتين من هذا الألبوم هدية ليست مني بل من روحه التي زارتنا عبر هذه التحقيق، لأني اعرف جيداً ان الذين يتوقون الى سماع ألبومه عليهم الأنتظار طويلاً. وهنا اود ان أحث المنتجين لهذا الألبوم العجيب ان يسوّقوه الى ابناء شعبنا قريباً ويهدون بعض النسخ الى الأذاعات ووسائل الأعلام كي تبقى ذكراه عطرة بيننا على الدوام.
http://ankawa.com/sabah/04_Ta_Khpoqly.mp3http://ankawa.com/sabah/06_Shlama_Deqlat.mp3 حنا شمعون / شيكاغو