☚ من تاريخ العراق : السّــجل النّصراني للفــرات الأوسـط !!! ☚

المحرر موضوع: ☚ من تاريخ العراق : السّــجل النّصراني للفــرات الأوسـط !!! ☚  (زيارة 844 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نادر البغـــدادي

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 12178
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


  السّـــجل النّـصراني للفرات الأوسط :
  الراهب عبد المسيح بن بقيلة يظهر من جديد !
  جريدة المستقبل العراقي :
  كاظم فنجان الحمامي :
  تشعب العرب في دياناتهم قبل الإسلام , فاختاروا الديانات
  المسيحية واليهودية والصابئية والوثنية , ومنهم من ظل متمسكاً
  بمذهب التوحيد حنيفاً مؤمنا بالله الواحد الأحد  الفرد الصمد على ملة
  سيدنا إبراهيم عليه السلام .
  وتميزت أرض الرافدين في القرون الميلادية الأولى باحتضانها
  الكنائس والأديرة المسيحية  من نينوى إلى البصرة , فتركت
  بصماتها الأثرية شامخة فوق الأرض كشواهد حية لحضارة
  { الميزوبوتاميا } , بيد أن أغلب الناس لا يعلمون أنّ مثلث الفرات الأوسط
  المحصور بين الكوفة والنجف والحيرة , ضم في العصور القديمة حوالي ( 33 )
  موقعا أثريا للكنائس والأديرة, التي كانت تدين بالديانة النصرانية النسطورية
  على مذهب القديس ( نسطوريوس Nestorius ) المتوفى سنة ( 450) ميلادية ,
  ولا يعلمون ان الراهب العربي عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن بقيلة ولد
  في الحيرة وعاش فيها ودفن في الكوفة وكان عمره عند وفاته ( 350 ) عاماً ,
  وهو من أحكم حكماء العراق في زمانه , وله مواقف وحكايات طريفة ظلت تتناقلها
  المجالس الأدبية والفلسفية حتى يومنا هذا , لذا ستقتصر جولتنا هذه على زيارة
  المواقع القديمة للكنائس والأديرة النصرانية في النجف والحيرة والكوفة ,
  وسنتعرف من خلالها على بعض المواقف الفكرية والسياسية
  للراهب الكبير عبد المسيح بن بقيلة .
  كنائس الكوفة وأديرة الحيرة :
  كان المسيحيون يتخذون من ظاهر الحيرة ملاذا لهم, يختلون فيه للتعبد ,
  فبنوا كنائسهم ومعابدهم في بحر النجف , وثبتوا أركانها وأسوارها وجدرانها
  بالآجر والمرمر والجص والقرميد والحجر , وطوقوها بالأسوار الحصينة الشاهقة ,
  حتى زاد عددها على ( 33 ) كنيسة . نذكر منها كنيسة ( عاقولا ) ,
  وكنيسة ( هند الصغرى ) على خندق الكوفة بمحاذاة نهر
  ( كري سعدة ) ودير ( هند الكبرى ) قرب أطلال قصر الخورنق , ودير
  ( الأساقف ) ودير ( أبن مزعوق ) ودير ( الأعور ) ودير ( بيعة المزعوق )
  ودير ( ابن براق ) ودير ( الأبلج ) ودير (ابن وضاح) المعروف
  بدير ( مار عبدا معري ) ودير ( أذرمانج ) ودير ( أبي موسى )
  ودير ( بني صرينار ) ودير ( بني مرينا )
  ودير ( بونا ) ودير ( الحريق ) ودير ( حنا ) ودير ( الأكيراح )
  ودير ( الحرقة ) ودير ( الجرعة ) المعروف بدير ( عبد المسيح بن بقيلة )
  ودير ( الجماجم ) ودير ( عبد يشوع ) ودير ( العذارى ) ودير ( اللّجـــة)
  ودير ( مار فانثون ) ودير ( الزرنوق ) ودير ( أم عمرو )
  ودير ( سلسة ) ودير ( سرجس ) ودير ( الأسكون )
  ودير ( مارة مريم ) التي يصفها أبو الفرج الأصفهاني بهذه الأبيات :
  بمارة مريم الكبرى وظل فنائها فقف
  بقصر أبي الخصيب المشرف الموفي على النجف
  فأكناف الخورنق والسدير ملاعب السلف
  إلى النخل المكمم والحمائم فوقه الهتف
  وانتشرت الأديرة في بحر النجف , وفي منطقة ( الرهيمة )
  وبين ( الحيرة ) و ( المناذرة )
  وربما ستكشف لنا التنقيبات المستقبلية المزيد من المواقع
  الأثرية للكنائس , ومن بين الاكتشافات الحديثة مقبرة مسيحية
  في ضاحية ( أم خشم ) تبلغ مساحتها (1416) دونم ,
  تضم رفات العراقيين الذين افنوا أعمارهم  على أديم هذه
  الأرض المباركة الطيبة .
  أشهر الرهبان والقساوسة :
  ربما كان الراهب عبد المسيح أكثرهم شهرة وأطولهم عمراً ,
  ثم يأتي من بعده القديس  ( حنا بن يشوع ) , وهو من القبيلة التي
  ينتمي إليها النعمان بن المنذر ملك الحيرة ,
  ثم القديس ( مار يوحنا هوشاغ ) , الذي اشترك عام 410 ميلادية
  في الاجتماع الكنسي بحضور الجاثليق إسحاق , يليه شمعون بن جابر ,
  الذي لعب دوراً كبيراً في بناء الكنائس  عام 594 من الميلاد ,
  ويتضح مما تقدم إن المناذرة كانوا على المذهب النسطوري النصراني .
  وان ملك الحيرة النعمان بن المنذر بن ماء السماء كان نصرانياً
  داعماً للكنيسة النسطورية في الفرات الأوسط .
  كان المسيحيون المناذرة من خيرة علماء الحساب والطب والمنطق
  وعلوم الفلك والملاحة , وبرعوا كثيرا في هندسة البناء, ومنهم
  المعماري الكبير ( سنمار ) , الذي شيد قصر الخورنق .
  آخر الأديرة المكتشفة حديثاً :
  عثرت دائرة الآثار والتراث في محافظة النجف الأشرف على دير
  مسيحي يعود للراهب عبد المسيح بن بقيلة على بعد بضعة
  كيلومترات من الكوفة في موضع يقال له ( الجرعة) ,
  وظهر من الفحص الموقعي ان العمر التخميني للدير هو ( 1700 ) سنة ,
  وهناك من يقدر عمره الافتراضي بنحو 1450 سنة , لكن الثابت لدينا
  إن نصارى الحيرة هم الذين شيدوه قبل الإسلام , ووجد المنقبون
  قبر الراهب الحكيم عبد المسيح في مكان ما من الدير ,
  وقد كتب على شاهد قبره عبارة تقول :
  (( رحم الله عبد المسيح )) باللغة العربية وبالخط الكوفي .
  كانت الكنيسة محصنة بسور رصين عرضه متر ونصف المتر ,
  أقيمت حوله أبراج عالية على قطعة مربعة لا تزيد مساحتها على
  ( 3600 ) متر مربع , على آعتبار أنّ طول الضلع الواحد ( 60 ) متراً ,
  وفيها أربع قاعات كبيرة , وردهة لإيواء الرهبان ,
  وملاحق خدمية , وباحة كبيرة .
  من مواقف الحكيم الراهب :
  يعد الراهب عبد المسيح بن بقيلة من اكبر المعمرين سناً في
  عصره بإجماع معظم المؤرخين العرب والأجانب , وقالوا انه بلغ من
  العمر ( 360 ) سنة , وهو ابن أخت سَطِيح كاهن العرب , واسم
  بقيلة الحقيقي ( الحارث ) أو ( ثعلبة ) , وإنما سمي بقيلة لأنه
  خرج على قومه في بردين أخضرين , فقالوا له :
  ما أنت إلا بقيلة ( تصغير كلمة بقلة من البقوليات الخضراء )
  فسمي هكذا , وذكر الكلبي وأبو مخنف وغيرهما انه عاش
  ثلاثمائة وخمسين سنة .
  يحكى أن كسرى رأى في عالم الرؤيا إن إيوانه ارتجس ,
  فسقطت منه أربع عشرة شرفة , فخمدت نارُ فارس , ولم تخمد
  قبل ذلك بألف سنةِ , ورأى إبلاً صِعاباً تَقودُ خيلا عِراباً , حتى
  عَبرَتْ دِجلةَ , وانتشرت في بلاد فارس , فجلس كسرى على سرير ملكه ,
  ولبس تاجه , وأرسل إلى النعمان أن ابعث إلي رجلا من العرب
  يخبرني بما أسأله عنه , فبعث إليه الراهب عبد المسيح ,
  فقال له كسرى :  هل عندك علمٌ مما أريدُ أن أسألك عنهُ ؟
  قال : يسألني الملك , فأخبره كسرى برؤياه , فقال عبد المسيح :
  علمه عند خال لي يسكن مشارف الشام , يقال له سَطِيحٌ , قال :
  فـآذهب إليه , وسَـــــلهُ , فاخبرني بما يخبرك به ,
  فخرج عبد المسيح حتى قدم على سَطِيح , وهو مشرفٌ على الموت,
  فسلم عليه, فلم يجبه سَطِيحٌ , فأنشد عبد المسيح :

  أصمٌ أم يسمعُ غِطَريفُ اليمن
  أم فاز فَازلَمَّ به شأوٌ العَنَنْ
  يا فاصل الخطةِ أعيتْ منْ ومنْ
  إلى آخر القصيدة .

  فرفع سَطِيحٌ رأسه إليه , وقال: بعثك ملك بني ساسان, لارتجاس الإيوان ,
  وخمود النيران , رأى إبلا صِعابا , تقودُ خيلا عِرابا , قد قطعت دِجلةَ ,
  وانتشرت في بلاد فارس .
  ثم سكت برهة وقال : يا عبد المسيح , إذا ظهرت التلاوة
  ( إذا نزل القرآن ) , وغارت بحيرة ساوة , وفاض وادي السماوة ,
  وخرج صاحب الهراوة , فليس الشامُ بالشام , يملك منهم ملوك وملكات ,
  على عدد الشرفات, وكل ما هو آتٍ آت . ثم مات سَطِيح ,
  فقام عبد المسيح من موضعه , وهو يردد هذه الأبيات :

  شَمِّرْ فإنك ماضِي الدهرِ شِمِّيرُ
  لا يُفزعنكَ تشريدٌ وتغريرُ
  فرُبما كان قد أضحوا بمنزِلَةٍ
  يَهابُ صولَهُمُ الأسدُ المَهَاصيرُ
  إلى آخر القصيدة الطويلة ..

  التحاور مع راهب العرب المستنبطة :
  ويحكى أن خالد بن الوليد لما نزل بظاهر الحيرة ,
  وتحصن منه أهلها , أرسل إليهم :
  ابعثوا إلي رجلا من عقلائكم , فبعثوا إليه بعبد المسيح ,
  فأقبل يمشي حتى دنا من خالد .
  فقال عبد المسيح : أنعم صباحاً أيها الملك .
  قال خالد بن الوليد: قد أغنانا الله عن تحيّـتك ,
  فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ ؟
  قال عبد المسيح : من ظهر أبي .
  قال خالد : فمن أين خرجـتَ ؟ .
  عبد المسيح : من بطن أمي .
  خالد : فعلام أنـتَ ؟ .
  عبد المسيح : على الأرض .
  خالد : ففيم أنــتَ ؟ .
  عبد المسيح : في ثيابي .
  خالد : أتعقل أنـتَ ؟ .
  عبد المسيح : أي والله وأقيد .
  خالد : ابن كم أنـتَ ؟ .
  عبد المسيح : ابن رجل واحد .
  خالد : ما رأيـتُ كاليوم قـطّ !! , أسألك في شيء وتنحو في غيره ؟
  عبد المسيح : ما أجبتـكَ إلاّ عمّـــــا سألتَ , فاسأل عمّــــا بدا لـكَ .
  خالد : أعرب أنتُــمْ أم نبط ؟
  عبد المسيح : عرب إستنبطنا , ونبط إستعربنا .
  خالد : فحرب أنتُــمْ أم ســـلمْ ؟
  عبد المسيح : بل ســلمْ .
  خالد : فما هذي الحصون ؟
  عبد المسيح : بنيناها للسّــفيه ! نحذر منه حتّى يجيء الحليم فينهاهُ .
  خالد : كم أتى لـكَ ؟
  عبد المسيح : خمس وثلاثمائة سنة .
  خالد : فما أدركـتَ ؟
  عبد المسيح : أدركـتُ سفن الهند والصين تمخر في هذا البحر
  ( وأشار إلى بحر النّـجف ) , ورأيت المرأة تخرج من الحيرة وتضع
  مكتلها على رأسها لا تزود إلا رغيفاً حتى تأتي الشام ,
  ثم قد أصبحت خراباً يباباً, وذلك دأب الله في العباد والبلاد .
  ومكث عبد المسيح في ذلك الدير بعدما تصالح مع المسلمين
  حتى مات , فتعرض الدير للخراب بفعل تقادم الظروف والأيام ,
  فظهر فيه أزج معقود من حجارة , فظنوه كنزاً , فإذا فيه سرير رخام
  عليه رجل ميّــت , وعند رأسه لوح مكتوب فيه :  
  (( أنا عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة )) :
  حلبت الدهر أشطره حياتي
  ونلت من المنى فوق المزيد
  فكافحت الأمور وكافحتني
  فلم اخضع لمعضلة كؤود
  وكدت أنال في الشرف الثريا .
  ولكن لا سبيل إلى الخلود لقد كان بن بقيلة شريفا في الجاهلية ,
  ومن أعيان المناذرة , كثير التفاخر والتباهي بعلومه وحكمته , قال :
  لقد بنيت للحدثان بيتاً
  لو أن المرء تنفعه الحصون
  رفيع الرأس أحوى مشمخراً
  لأنواع الرياح به حنين ختاما يحق لنا أن نعتز ونفتخر بتاريخنا
  الزاخر بهذه الدرر والإنجازات الحضارية الباهرة ! , التي سطرها
  أجدادنا العظام في القرون القديمة , ولا بد أن نقف وقفة إجلال واحترام
  أمام تفوقهم على الأقوام والشعوب الأخرى في العلوم
  والفنون والآداب , بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية .
  ينبغي أن لا نبخس حقوق أشقائنا المسيحيين ودورهم التاريخي
  المشرف في صناعة هذا المجد الشامخ فوق أرض الميزوبوتاميا المقدسة ,
  وينبغي أن لا يذهب هذا الإرث النفيس في مهب الريح , وأن لا نسمح لذوي
  النفوس الضعيفة بطمس هذه المواقع الأثرية التي تمثل
  إحدى الصور المشرقة لمهد الحضارات .
  عربٌ استنبطنا :
  عربٌ يتكلمون اللغة الآرامية .
  نبط استعربنا :
  آراميون وسريانيون يتكلّمون العربيّـــة .
  * مـن طرف الأخ شماشا ( فريد يوسف ) *