مقابلة مع البروفيسور افرام عيسى يوسف


المحرر موضوع: مقابلة مع البروفيسور افرام عيسى يوسف  (زيارة 3302 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1792
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مقابلة مع البروفيسور افرام عيسى يوسف

التاريخ  18 اذار 2011
اجرى المقابلة  يوحنا بيداويد



 
البروفيسور افرام عيسى في اربيل عاصمة اقليم كردستان

سؤال:
هل لنا ان نعرف شيئا عن السيرة  الذاتية لبروفيسور افرام عيسى؟
أنا من قرية سناط ، ولدتُ في هذه القرية الجميلة سنة 1944،  تقع قرية سناط  في  قضاء زاخو التابعة جغرافيا الان الى محافظة دهوك . لهذه القرية مكانة  في تاريخ المحلي ،  لقد كانت تابعة للدولة العثمانية، وفي سنة 1924م،  اضطر اهالي هذه القرية مع القرى المجاورة الاخرى مثل بلون وامرا دمارسورريشو وامرا دشيش ويردا وغيرها  إلى النزوح إلى مدينة زاخو بسبب مشكلة رسم الحدود بين العراق وتركيا الجديدة. بقوا هناك ينتظرون اكثر من سنة  لحين  عام 1926 ، في تلك السنة، تمّ إلحاق ولاية الموصل بالدولة العراقية وتمّ رسم الحدود. وهكذا وقعت سناط داخل حدود العراقية اما القرى الاخرى مثل  بلون وامرا مار دسوريشو وبيجون ومركا وقعت في الأراضي التركية . فلم  يرغب سكان تلك القرى العودة إلى تركيا.
      بعد أن أصبحتْ سناط تحت إدارة الدولة العراقية، تم تعيين  بعض الشرطة العراقية في المخفر الحدودي هناك.
     فتحت أول مدرسة فيها سنة 1931، فكانت المدرسة الرابعة في قضاء زاخو. وبدا اهالي القرية يرسلون أولادهم إليها ليتعلموا القراء والكتابة. أنا احد أبناء القرية الذي دخل المدرسة سنة 1951،وكان احد أساتذتي سعيد شامايا الموجود حاليا في أربيل. درستُ في  مدرسة سناط الابتدائية وبعدها توجهت لتكميل الدراسات العليا الى الموصل عند اباء الدومنيكان. تركت البلد 1974 وتوجهت الى فرنسا، فدخلت جامعة نيس سنة 1974، ودرست فيها إلى 1980، لحين إكمال دراساتي العليا وحصولي على شهادة دكتوراه سنة 1980 في الحضارات القديمة، وشهادة دكتوراه أيضا في الفلسفة من جامعة تولوز . فهذا موجز عن فترة دراستي في فرنسا قبل رجوعي إلى
الوطن.


 
 

البروفيسور افرام عيسى في الموصل عند اباء
الدومنيكان عندما كان في الثالثة عشر من العمر

سؤال:
متى رجعت الى العراق ومن ثم عدت الى فرنسا ثانية؟

بعد  تخرجي  1980 رجعت الى العراق ، بعد وصولي بفترة زمنية قصيرة بدأت الحرب العراقية الإيرانية،  وجدتُ ان حكومة البلد في حينها لا تساعد على ممارسة اختصاصي  ووجدتها عنيفة في ممارساتها. عدت الى فرنسا مرة اخرى1981 وذهبت مباشرة الى تولوز، وانخرطت في سلك التعليم في جامعة تولوز، للتدريس  تاريخ الحضارات وأيضا  القيام بإلقاء بعض الدروس في تاريخ فلاسفة القرون الوسطى.


سؤال:
ماهي اهم مراكز الثقافية عملت معها ؟ بعد تخرجك من جامعة نيس وتعينت في جامعة تولوز.

 بعد ان عدت الى فرنسا ،  وبسبب علاقاتي الجيدة مع  بعض أساتذة جامعة تولوز التي تقع في جنوب فرنسا ،  طلبوا مني ان أقوم بتدريس تاريخ الفلسفة بالأخص عن فلسفة القرون الوسطى التي كانت قريبة من اختصاصي، لان اطروحتي  كانت عن " فكرة الانسان عند ابي حامد الغزالي"  فقمت بتدريس منهج وفكر  فلاسفة العرب  مثل الكندي و ابن سيناء والفارابي وابن طفيل وابن باجة وغيرهم .  بقيت ان ادرس في جامعة تولوز الى سنة 1991.

 
 
البروفيسور افرام عيسى طالبا  في باريس سنة 1974


خلال هذه الفترة ساهمت في تأسيس "معهد للدراسات الإفريقية" في مدينة تولوز ، لأنه كانت هناك جالية عربية كبيرة في جنوب فرنسا من المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا. كان قد   طلب مني المعهد الكاثوليكي بان افتح لهم مركزا خاصا لتدريس اللغة العربية،   ففتحت لهم مركزا لتعليم اللغة العربية لأربعة مراحل،. كان الهدف الرئيسي هو أن يتعلم الجيل الثاني والثالث من العرب  لغتهم ،  لكن في الواقع كانت غالبية الطلاب  الذين يحضرون  في هذا المركز هم من الفرنسيين الذين يعملون في الدول العربية والشرق الأوسط.
      كان نشاطي في تلك الفترة مركزا على التدريس  في الجامعة او في المركز الثقافي الإفريقي.
عام 1991  تحولت الى باريس لاقوم بتدريس مواضيع فلسفية وحضارية متعددة.

سؤال:
دكتور انت الان في باريس ماهو المشروع الذي انت مشرف عليه هناك؟ ما هو اسم المؤسسة  التي تديرها هناك او المؤسسة التي تعمل فيها؟

حينما قدمتُ  مخطوطة كتابي ( عطور الصبا في سناط )  عام 1992  إلى دار النشر لارماتان L’Harmattan في باريس، وجدت بأن المسؤولين  أحبوا نشر هذا الكتاب ، لأنه كان  يتكلم عن الحياة اليومية في  قرية مسيحية من بلاد الرافدين ، فوجدتُ هناك اهتمام بهذا الموضوع من التأليف أي معرفة تراثنا وتاريخنا. لهذا وجدت من الأفضل الانتقال الى باريس والاستقرار فيها، لان البقاء فقط في حقل التعليم في الجامعات الفرنسية ، يجعلك في مستوى واحد دون تغير. فشعرت بالحاجة لبدء بانطلاقة جديدة في حقل التأليف و النشر، لهذا سكنت في باريس. وبدأت  في الفترة الأولى بإلقاء  بعض الدروس في جامعة "نانتير" الفرنسية التابعة لجامعة "سوربون" وفي بعض الجامعات الأخرى.
  بعد فترة  زمنية بدأتُ انشر كتاب الثاني ( بلاد الرافدين جنة الأيام الخوالي)، طلبت مني دار النشر لارماتان (إنه ألان ثاني كبريات دار نشر في فرنسا )،  أن أكون احد  مدراء أقسامها الشرقية وتم ذلك قبل 16 سنة.  لا ينشر هذه الدار قصصا أو روايات وإنما كل ما يخص العلوم،  سواء كانت علوم  تاريخية  أو حضارية أو علوم إنسانية أو تطبيقية.  يهتم  هذا الدار بنشر كتب تتطرق الى مادة الدراسات الشرقية أو العلوم العربية او الفن الإسلامي.
   لما بدأتُ بالعمل هناك قبل 16 سنة كان الدار ينشر حوالي 400 كتاب في مختلف الحقول، اما ألان فإننا  ننشر سنويا حوالي 1200 كتاب و 70 مجلة. لهذا يمكن اعتباره ، دار النشر الأول في باريس  فهو دار ضخم  وكبير فعلا .  مسؤوليتي  في هذه الدار هي بعد أن يمر الكتاب بالقراءة الأولى والثانية يصل عند المدير القسم لكي يقّر بقبول نشره أو رفضه، فهذه مسؤوليتي هي ان اوافق او ارفض ان ينشر هذا الكتاب بعد دراسته جيدا. 

 
البروفيسور افرام عيسى في قرية دشتتخ العائدة للسناطيين مؤخرا

سؤال:
دكتور افرام هل 1200 كتاب، هل كلها عن الحضارات الشرقية والعربية ام عن جميع الحضارات؟   

1200 كتاب يشمل كل ما يدور في فلك النشر وفي كل حقول المعرفة. اما عن الكتب التي تنشر عن الشرق والعالم العربي او دول الاسلامية في هذا الدار، إنها تتراوح بين 100-200 كتاب سنويا. عندما أقول بان الدار ينشر 1200 كتاب في السنة، هذا لا يعني  بان كل ما يقدم لنا يُنشر، علما بأنه سنويا  21000 الف مخطوطة تُقدم للدار لنشرها، لكن 1200 كتاب فقط يتم الموافقة على نشرها او تكون صالحة للنشر.

سؤال:
من المعلوم انت تكتب وتتقن عدة لغات ولكن اكثر ما كتبته هو باللغة الفرنسية و ليس العربية؟ لماذا اخترت الكتابة للمتحدثين بالفرنسية بالذات؟ وماهو الموضوع الاهم الذي نقلته لهم؟

اخترت الكتابة باللغة الفرنسية لعدة أسباب، أولا لاني أتقن اللغة الفرنسية، أتقن مفرداتها وتعابيرها. لقد درست عند الآباء والدومنيكان في الموصل وكانت باللغة الفرنسية، لكن هذا لا يعني اني لا اكتب بعض الاشياء  باللغة العربية وباللغات الأخرى.
  السبب الثاني هو كثرة المصادر المتوفرة في اللغة الفرنسية، لان غالبية المصادر الموجودة عن حضارتنا وتراثنا والتي لها علاقة بالمواضيع التي اكتب عنها، هي باللغة الفرنسية وهذه فائدة كبرى للتأليف .
  السبب الثالث ايضا  حينما ألفّ كتابا باللغة الفرنسية، انا متأكد بان كتابي سوف ينشر ويُوزع و يُقرأ، هذا  يعني بان الكتاب يُباع. مثلا لو نشرتَ كتابا عند إحدى دور النشر الفرنسية ولم يتمّ بيع إلا نسخا قليلة، فأنت تشعر بالفشل، ولن تتجاسر الى التأليف ونشر كتاب اخر. بالنسبة لي منذ كتاب الأول "عطور الصبا في سناط " لقي إقبالا حسنا  ، وأصبحت لي ثقة بنفسي وقناعة بان كل كتاب انشره باللغة الفرنسة لدي قراء سوف يقرؤونه ويشترونه.
  هناك أسباب أخرى، الكتب المنشورة باللغة العربية لا يباع منها إلا بأعداد قليلة،  ونحن نعرف كمية المبيعات باللغة العربية عند دور النشر سواء كانت لبنانية أو مصرية أو عراقية قليلة.  القارئ العربي لا يقرا ولا يشتري الكتاب إلا بأعداد قليلة. هذه احدى مأساة المجتمع الشرقي ، وهذه الأمور تخلق إحباطا في  المجتمعات الشرقية والعربية،  لهذا انا افضل الكتابة باللغة الفرنسية لان لدي قُراء في اللغة الفرنسية .

 

سؤال:
يعني تحاول نقل شيئا ما عدنا من الحضارة ومن التراث، اي عن تاريخ  وتراث حضارتنا حتى يطلعون عليه ويكتشفونه؟

طبعا اكتشفتُ، منذ ما بدأت ادرّس او اكتب باللغة الفرنسية، أن الفرنكوفونيين يعني الشعوب التي تقرأ  وتتكلم اللغة الفرنسية ما عدا الفرنسيين، لم يقرأوا إلا شيئا  قليلا عنا ومن مؤلفات كتب  الغربيين، ، فليس  لهم عاطفة أو إحساس  مثل ما لنا بخصوص تراثنا.  فأردتُ أن أتكلم واكتب  عن حضارتنا  وعن تراثنا وعن تاريخنا، باسلوبهم الأكاديمي والفكري، لكن بإحساسنا وعواطفنا وشعورنا   ومحبتنا.  صراحة لاحظت هناك اقبال على كتبي،  لاني  ارى ان القاريء الفرنسي أو الغربي يكتشف شيئا آخر ، وهناك إحساس آخر،  ونكهة جديدة تنبع من المادة المقدمة بصورة جديدة و بطبق من غذاء لذيذ . ولهذا اكتب باللغة الفرنسية لكي يطلّعوا على تراثنا و حضارتنا بمنظورنا الشرقي.
واكتشفت أيضا بان  حضارتنا لها مراحل  وطبقات عديدة ، ليس هناك فقط حضارات بلاد الرافدين القديمة وإنما هناك أيضا حضارتنا السريانية، لقد كانت معروفة بصورة جزئية في الغرب. لهذا  شعرت بأنه من واجبي كأحد  أبناء بلاد الرافدين وسليل الثقافة السريانية أن أحاول بقدر استطاعتي أن انشر و اكتب عن هذا التراث للمجتمع الغربي ، وبلغته الغربية .


سؤال:نبية
سناط ، وادي الرافدين ، العراق ، كردستان ، والفلاسفة والمترجمون السريان، أسماء كبيرة حاضرة دائما في عناوين كتبك. هل الشعور بالغربة والحنين الى الوطن، ام الظلم والحيف الذي عاناه  هذا الشعب المسكين على مر العصور جعلك ان تهتم بها؟  يعني  هل انك كتبت بسبب ما عانوه، ام لأنك  كاتب وباحث ووجدت ان المجتمع الفرنسي يعجبه الاطلاع على هذه الحضارة فكتبت عنها؟ او ما هو الدافع لك للكتابة عن  موضوع حضارة وادي الرافدين ؟

الحقيقة، عندما تريد ان تكتب، يجب ان يكون لك شيء تحبه  لكي تستطيع أن تكتب عنه. حينما بدات اكتب عن حضارة بلاد الرافدين، كان السبب الرئيسي محبة هذا الموضوع ، لهذا كتبت في هذا الحقل. ولماذا كتبتُ كتابي الأول عن قريتي سناط ؟.  حينما بلغني خبر  سنة 1976 بانه تم هدم 182 قرية آشورية كلدانية سريانية في شمال العراق، قررت الكتابة عن  قرية سناط كنموذج لكل للقرى التي هدمتْ وحطمتْ، لكي  تبقى خالدة مع مثيلاتها، على الأقل في الكتب وفي   الأدب .
 وأيضا كتبت عن حضارة وادي الرافدين،  لأنها حضارة مهملة من قبل الآخرين، ففكرت بانه من الضروري ان اكتب عنها وأبين بأنها ليست فقط حضارة أهالي بلاد الرافدين وإنما هي حضارة الإنسانية وعلى كل العالم  أن يهتم بها ويحافظ عليها  .

وحينما كتبت عن  والفلاسفة السريان والتواريخ السريانية  وجدت ان شعبنا غير معروف ومتروك ومهمل ،وربما هو في مرحلة الانقراض  والى طوي صفحة وجوده وتاريخه.  فأردت ان اكتب بأننا موجودون، ونحن باقون رغم كل المصائب ،لقد  حمل آباؤنا شعلة الحرية والعلوم والتاريخ . أهمية الشعوب ليس في عددها أو بالملايين التي تكونها.  بل في نوعية الخدمة التي قدمتها للبشرية. على الرغم من قلة عدد شعبنا أي ما يقارب بمليونين ، لكن تاريخنا حافل بالإنتاج الفكري والثقافي.
لدينا الكثير من المفكرين والفلاسفة والمؤرخين والشعراء والمترجمين،  فنحن فخورين بانتاج أجدادنا  في جميع حقول المعرفة.  لذا لا نخف من قلة عددنا. أبدعنا في للأجيال السابقة، ويجب أن نبدع للأجيال اللاحقة.  قليلة هي الشعوب التي خلّفتْ ما خلفه ابائنا . الان لدينا  15 الف مخطوطة خلفها آبائنا وأجدادنا، أنها موجودة الآن في المتاحف الغربية والشرقية ، قليل من الشعوب خلفت 15 ألف مخطوطة في كافة العلوم . هذا الكم الكبير من التراث و الارث هو لا فقط لنا بل للبشرية جمعاء.

سؤال:
شعبنا اليوم مبتلي باربع هويات  متداخلة ولا يستطيع اي واحد ان ينكر اية واحدة  منها ( الكلدان والاشوريين والسريان و احيانا الاراميون).  كيف يستطيع هذا الشعب ان ينسلخ من ماضيه ويحقق  ما يشبه بطفرة وراثية ، ويقرر ان يكون له هوية جديدة ويستمر في وجوده حاضرا وقويا كما كان في الماضي ؟.  بكلمة اخرى كيف يمكن  ان نُكَوِن لنا هوية جديدة مع الحفاظ على جوهر الهويات القديمة؟

  كل شعوب  العالم لها مشاكلها، المشكلة بالنسبة لنا هي التسميات، هذه التسميات هي وليدة التاريخ والماضي الغابر، لكن يجب أن لا تكون عائقا من وحدة شعبنا، وعلينا بان نشعر بأننا شجرة واحدة ، ولهذه الشجرة أغضان متعددة،  ولكنها هي  شجرة واحدة ، لأننا قوم واحد. هذه الأسماء أتت على مراحل من تاريخنا و هي أيضا أسماء لكنائس متعددة  وطوائف، لنعتبرها غنى وليست موانع أو عقبات أمام وحدة هذا الشعب.
اجل، إننا شعب واحد،  لأن تاريخنا واحد، ولغتنا واحدة، وتراثنا واحد ،وجغرافية الأرض التي نعيش فيها هي واحدة، وهناك عنصر اخر مهم هو الديانة ، حتى ديانتا واحدة هي المسيحية. فهذه العناصر  الخمسة الموجودة  في هذا الشعب تبرز وتشير وتبرهن بأننا شعب واحد ، هذا الأركان الخمسة  ليست موجودة  عند اي شعب اخر  بتلك القوة .
إن هذه التسميات، هي تسميات تاريخينا الماضي واتت في إطار زمني، ما هو المانع  بان يجتمع الرؤساء الكنسيون والأحزاب والمفكرون وقادة المنظمات المنية ويتم اختيار اسم واحد لنا. مثلا ماهو المانع من  أن نختار كلمة "سورايي"، والجميع يستخدم كلمة سورايي ، فالجميع يقبل بكلمة سورايي، وانا متأكد اذا استخدمنا كلمة سورايي لمدة  سنتين  ستصبح كلمة رسمية و تدخل في الإعلام العربي والكردي والغربي. أو اختيار تسمية "بيث نهرايي" (مثل الأقباط  "قبطايي" اي المصر القديم) . ما هو المانع من ان يقرّ أبناء شعبنا  استخدام كلمة بيث نهرايي (الرافديين) ، اذا استخدمناه سنة او سنتين سوف تصبح تسمية عادية،  فإذن الإرادة هي التي تنقصنا،  فإذا  أكدنا واخترنا اسما معينا نكون قد قمنا بحل مشكلة كبيرة وهذا شيء ممكن وليس بعسير. أما إذا كل واحد يجر يمينا ويسارا  ولدية مواقف او اهداف مختلفة او غايات سياسية ومصالح دينية  خاصة به، فلن يكن هناك حل. انأ متأكد  بان هذا الشيء سيحصل  يوما ما قريبا او بعيدا، لان التسمية مهمة،  وحينما تصبح التسمية موحدة، لا توجد مشكلة،  كل من ينظر إلى التاريخ  يعرف  بأننا  شعب واحد وقوم واحد في الماضي والحاضر .

سؤال: 
المسيحيون اجبروا خلال عشرين السنة الاخيرة على الهجرة القسرية. كيف تقرا المستقبل لهم ؟ هل سيضيعون بين الامم والقوميات او الشعوب التي يعيشون بينها؟  ام سوف يعودون الى الوطن يوما ما ويحققون وجودهم ليحصلوا على حقوقهم الانسانية كغيرهم من القوميات الموجودة في وادي الرافدين.
الهجرة هي احدى المشاكل الرئيسية الموجودة لدى كل الشعوب المنطقة،  لانها تعيش في الفقر و الحكم الاستبدادي.  الأسباب: هي وجود العنف والتعصب الديني ونقص الحريات.
 قسم كبير من شعبناها هاجر. أكثر من نصف مليون من شعبنا موجود في المهجر، وهذا عدد كبير.  هناك قسم منهم انخرط وانصهر في المجتمعات الغربية وهناك شريحة معينة لازالت محافظة  و تحاول الحفاظ على حضارتنا وتراثنا وهويتنا. لأنه هناك فرصة كبيرة أمام هذه الشريحة، بسبب أجواء الحرية الموجودة، لكي تهتم وتبحث وتحافظ على هذا التراث. ليكن وجودنا في  دول المهجر فرصة سانحة لبناء مؤسسات ثقافية ، و حضارية وتعليمة ، فرصة لتأسيس معاهد ومكتبات كي نحافط على تراثنا. وفي المستقبل إذا ازدهرت الحرية وحقوق الإنسان  سيعود  قسم الى وطنهم الام ويؤسسون مجتمعات  حضارية ثقافية او مؤسسات قومية   وهذه امنيتنا كلنا، ولكن هل ستسمح الشعوب الاكثر عددا في العراق أن نمارس حريتنا وحقوقنا وهذا هو السؤال الكبير؟
 الان يجب ان نبني مؤسسات سواء كانت في الوطن أو في المهجر رغم قسوة الزمن، لا نحلم بان الديمقراطية والرفاهية ستحل قريبا في بلداننا، وحينذاك نرجع مسرورين.


سؤال:
من المعلوم لك اهتمام كبير بالفكر والفلسفة.  في عصرنا عصر  الحداثة والعولمة  اصبحت المعرفة نفسها مشكلة ، فمن جانب  نرى ان المعرفة  اصبحت  مسطحة ممتدة افقيا، ابتعدت حقولها  بعضها عن البعض، او استقالة بعض اجزاءها من بضعها وكأنها منفصلة  بسبب كثرة الحقول التي ظهرت لها.
 ومن جانب الاخر نرى ان المعرفة  في اي حقل اوعن اي موضوع معين يحتاج الى المعرفة الى بقية العلوم القريبة منه  لكي تتم  عملية اكتمال الصورة الصحيحة عنه.  يعني  المعرفة تسير  في اتجاهين متعاكسين متعارضين ، من جانب  هناك توسع وتمدد ، ومن جانب اخر يزداد الارتباط بنقطة المركز.
فالسؤال  هو هل فعلا المعرفة اليوم اصبحت مشكلة بسبب اللااستقراية رافقت او نتجت بسبب  توسعها؟
مثلا  قانون معين بعد سنتين او ثلاث سنوات يحدث تجديد له  بعد عشرة سنوات يسير تجديد اخر له مرة اخرى وهكذا او حتى في المباديء العامة والقيم  حتى في مجال الطب  وغيرهم .
يعني هل  اللااستقراية الموجودة  في المعرفة  هي مشكلة لنا في هذا العصر؟.

صراحة،  ان المشكلة ليست من المعرفة وإنما من الجهل،انه مشكلة المشاكل.  لان المعرفة تفتح آفاقا وأبوابا موصدة، تفتح مجالات غير معروفة وتنور. فالمعرفة هي الان في طور التوسع،  لنلاحظ مثلا  علومنا قبل مئة سنة ؟ كانت معرفتنا عن الكون وعلوم الحياة البيولوجية محددة، بينما  الان أصبحت معرفة الإنسان  واسعة وعميقة،  بدأنا نعرف قسما هاما من الكون ونفهم الإنسان بصورة أعمق و نشخص علاقاته الاجتماعية  بصورة ادق.
مشكلة الإنسان  لم تأتي من المعرفة أو من ازدهارها إنما من غزو الجهل، لان الذين يهتمون بالمعرفة والعمل في تطويها  هم شريحة معينة، و الناس الذين يرغبون بالبحث عن المعرفة والعلم هي شريحة صغيرة  ، اما الشريحة الاكبر  الموجودة  مثلا في امريكا والغرب هي شريحة  الجهلة. اضرب لك مثلا، هل تعرف  أين يصرف الفرنسيون  ثلاثين مليار يورو في السنة الواحدة؟ يتم صرفها لدى فتاحي الفال و العرّافيين وقراء  أبراج النجوم  والكف، يعني تصرف في الخزعبلات  التي هي  امور غير علمية ،  الناس يركضون وراء  ما هو خرافي وغير علمي .
ألان الخطر الأكبر في الغرب والشرق ليس من العلوم وإنما من الجهل  والغيبيات. قراءة النجوم والكف والفنجان وفتح الفال، إنها مزدهر. فنحن يجب أن لا نخف من العلوم ابدا،  وإنما نخاف من الجهل و الظلامية . كل الماسي والمصائب ،خاصة في الشرق،  لم تخرج من المعرفة او من الحكمة وإنما خرجت من الجهل  ومن بعض الحركات الدينية المتطرفة والعنيفة .

سؤال:
لحظة دكتور،ألا تلاحظ هناك مشكلة في سرعة تغير الانجازات، اعني سرعة  تغير في  المعرفة او تغير الانجازات بحيث عقل الانسان المحدود لا يستطيع ان  يواكبها، ان تشخيصك للجهل كسبب للمشاكل هو صحيح جدا ولكن  ربما المشكلة هي في كثرة الانجازات وسرعة طورها، حيث هناك سرعة كبيرة في الابداعات واختراعات والانجازات بحيث عملت فيضان كبير، تجعل من الصعب على  العقل الانسان ان يهضمها او يفهمها فلا يقبلها العقل بسهولة، لان هناك معلومات كثيرة وضعت امامه.

إن التطور هو بالأخص في مجال التكنولوجي،  يعني في وسائل النقل والانترنيت والكومبيوتر، كلها وسائل للاتصال بين البشر، وأحيانا تسبب حرجا لأنه بعد سنتين من شراء كومبيوتر نرى ظهور كومبيوترات جديدة  أو أجهزة حديثة بحيث لا نستطيع مواكبة  الحداثة الصناعية .
لكننا نريد التطور الذي يجري في الإنسان نفسه. نتمنى بان يتطور الإنسان ويصبح أكثر روحانيا ومثاليا، أي تتعاظم إنسانيته ، فيصبح عادلا أكثر ، مستقيماً أكثر ، نزيها أكثر . فالتطور الذي يحدث  الان هو في المكننة وليس في القيم و الاخلاق والانسانية .
نلاحظ ان الانسان هو هو منذ اجيال ، لم تتطور إنسانيته أكثر، لكن الوسائل التي تطورت، سواء ان كانت عسكرية او تكنولوجية او مادية.


سؤال:
الفكر الميتافريقي، الماورائي  اصبح هامشيأ بعيداً عن الانظار ، بعيداًعن حديث المجالس ، عن الاهتمام  بعدما اشغل فكر الفلاسفة واللاهوتيين والانبياء والمصلحين فترة طويلة. ما هو السبب في ذلك ؟  هل لازال  الجانب الاخلاقي هو الجانب الاهم الباقي منه؟ ما هو تعليق، ماهو ردك على هذا الموضوع؟

ليس  الجانب الأخلاقي هو الباقي والأهم ، لكن هناك جوانب عديدة ما زالت موجودة .
  من ناحية  الدراسات الميتافيزيقيه، في كل الجامعات  بالأخص الجامعات المسيحية، يُدرس  هذا القسم الهام ،لان قسم الدراسات الميتافيزيقية أو ما وراء الطبيعة  يُعتبر في خدمة الفكر المسيحي.   

اما في الجامعات المدنية الحديثة سارت دراستها في اتجاه آخر، إنها مهتمة أكثر بموضوع الوجود، وعن كيفية المعرفة. ما هو الوجود ومكوناته؟ وما هي طريقة البلوغ الى المعرفة؟ وتتطرق إلى موضوع حرية الإنسان وقدره. فصارت اهتماماتها أكثر باتجاه  الوجود. في  بعض الجامعات الغربية، أدخلت الميتافيزيقية في مادة الرياضيات الحديثة ففتحت ابوابا اخرى جديدة.
أملنا بان يكون الخطاب الأخلاقي، المادة الأساسية عند الفلاسفة، لان الدراسات الفلسفية والميتافيزيقة أعطت للاخلاق دورا مهما، بغية  حماية المجتمع  والعيش المشترك.

لان الإنسان يعيش في مجتمع والمجتمع بحاجة إلى أسس وأنظمة وقيم سامية حتى يشترك في حياته مع الآخرين  بمبادئ معينة. فالاخلاق هي التي تقوم بتنظيم هذه العلاقات.  لكن مع الأسف  الشديد، علم الأخلاق أصبح مهمشا لدى بغض رجال الفكر والسياسة .  الناس  يريدون العيش في مجتمع حديث  بحرية  وبدون قيود . كل المجتمعات بحاجة إلى فلسفة الأخلاق وإننا بحاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت آخر.



سؤال:
د كتور  بالنسبة الى القيمة التي يعطيها الانسان الان لمباديء او تعاليم الدينية او علاقة الانسان بمباديء الدينية في اي ديانة  في اي مجتمع،  أليست هذه العلاقة هي اضعف من اي وقت سابق؟ اليس هذا هو احد الاسباب لانحلال الخلقي الموجود في المجتمعات؟

نعم ، بالأخص  في المجتمعات الغربية .
لماذا ؟ كما تعلم في الغرب ، كان هناك تزمت ديني عقائدي لاجيال طويلة، نتيجة الصراعات والجدالات بين الكنائس.  كانت الكنيسة أحيانا تغذي هذا التزمت، لذا كان التطور والانفتاح ضعيفين، وبمرور الزمن حدث رد فعل كبير من هذا الموقف، فبدأ الناس يبتعدون عن مواقف الكنيسة خلال العقود الماضية.
أما في الشرق، كما نلاحظ  في عالم العربي و الإسلامي، العملية هي معاكسة، نجد  قسما كبير امن  الناس يسيرون باتجاه التزمت الديني ،والحركات الدينية تتحرك باتجاه الماضي  وباتجاه الأصولية. فالشرق يسير نحو التطرف، بينما الغرب يسير نحو اللامبالاة
سؤال:
د كتور لنضع سؤال اخر مهم الان ، ان الغرب يتهرب من الاخلاق والمسؤولية والقيم الدينية  بحجة الحرية او تحديد الحرية التي يعتقد لا يوجد ضرورة لها ، بينما الشرق يحب التعصب ويعيش في الماضي،  في حالة اسقاطية، يعيش دائما في ما انجزوه ابطال الماضي او ما عمله السابقون لهم من انبياء او حكماء او ابطال الحروب او سلاطين او قادة او شعراء ....الخ ؟
هنا نلاحظ وجود تيارين متعاكسين مريضين  كلاهما بعيدان عن الحكمة والاعتدال، برايك  ما هو طريق الاصح  للمجتمع ؟

الطريق الأصح هو الوسطية، أجل، خير الأمور أوسطها.
الانفتاح المعاصر الذي حدث نتيجة كفاح المفكرين والفلاسفة في عصر التنوير، يجب أن لا يقود الى  انهيار او انحلال في الأخلاق والقيم والمبادئ الموجودة  التي بني عليها المجتمع، وإلا ما الفائدة من تلك المكتسبات .
أما بالنسبة  للذين ينشدون بان  السعادة والمستقبل هي فقط في  التزمت او في القوانين و مباديء الماضي  الصارمة التي وضعها الأديان والأنظمة الحاكمة، فهم أيضا يسيرون في طريق التطرف، وكم كانت المآسي شديدة التي أتت من وراء هذا التعصب.

الإنسان بحاجة الى أنظمة وقواعد ومبادئ سامية، لكي ترتكز الحياة عليها و لكي تكون مثل أعمدة لبناء الحياة. هذه الاعمدة كانت موجودة في الماضي عند الإنسان، خاصة لدى فلاسفة الإغريق ، حينما تقرا كتاب "الأخلاق" لارسطو تتعجب وتشعر هناك شيء رائع  وجميل من القيم والأخلاق  والفضائل التي يتطرق إليها فيلسوفنا .


سؤال:
ان فلاسفة القرن العشرين ابتعدوا كثيرا عن مثالية هيجل وميتافيزقية افلاطون والاديان،  وتبنوا فلسفات جديدة مثل المادية والوجودية والسايكلوجية والعلوم الطبيعية، لكن فلاسفة القرن العشرين من امثال  بتراند روسيل، ولودفيغ فيتغنشتاين  وغيرهم ركزوا بصورة خاصة وغريبة على المنطق واللغة و كيفية  تفسير او تحويل الاشارة المحسوسة الى معلومة واعية وحاضرة في ذاكرة الانسان . فكأنها  كانت هي استمرارية لفلسفة عمانوئيل  كانط العقلية، ماهو السبب  في ذلك؟ مع العلم ان اكبر خطر يواجهه الانسان كما قلنا في السابق هي الازمة في  الاخلاق والقيم . لماذا توجهوا الى هذا الموضوع ولم يهتموا بالاخلاق؟

ان هؤلاء الفلاسفة كانوا في بداية القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، يشجّعون الحركات الثورية والسياسية و يريدون تحرير الانسان من قيود الماضي سواء كانت قيود دينية او تقاليد هرمة او أنظمة سياسية مجحفة،  فأعطوا أهمية للفكر وللمنطق واللغة حتى تكون أدوات قوية ومتطورة لخدمة الإنسان . لكن أهملَ الجانب الاساسي الذي هو الأخلاق، يعني أهملت ركائز المجتمع التي  يجب ان تكون موجودة . بدأت مبادرات جديدة من قبل المفكرين لإعادة ترتيبها وتطويرها وتنظيما من جديد.
ألان نلاحظ بان بدا نوع من التغير و وتقييم الأمور مجددا ، حقيقة إني متفائل من هذه الجانب.


سؤال:
ان قضية اللغه والاهتمام بالصوت  ورموز اللغه هل يَحل معضلة الانسان؟. دائما الانسان يشعر بقلق في حياته ويسال  ماهو سبب وجوده؟ او الى اين سيذهب بعد موته؟  ماهو الغرض من الحياة على هذه الارض؟ ، يعني هذه اسئلة  كانت خالده في فكر الانسان قبل عشرة الالاف سنه او اكثر ، ولحد الان الجدال قائم عليها، لكن الفلاسفه في  100 سنه الاخيرة ركزوا بقوة وبكثافة  اغلبيتهم  على اللغه وعلى تفسير الاشاره وترميزها  لدى العقل،  انا أرى ما كان هذه حلا للمعضلات الفكرية  التي يواجهها الانسان التي نوهنا عنها في اعلاه، او لم يكونوا  قريبين على الاقل عن الحل  بالعكس نقول ابتعدوا عن مركز الموضوع الذي يبحث عنه الانسان الذي  معرفة الغرض من الوجود فماذا تقول انتَ ؟



سؤال هام، كثير من الفلاسفة المعاصرين  أخذوا نقطه معينة أو جانب من الفلسفة اليونانية أو فلسفة القرون الوسطى  او عصر النهضه وأرادوا بان  يبنوا نظرية أو فلسفه خاصة بهم. فغالبية الفلاسفة المعاصرين بنوا نظرية معينة على فكرة معينة، اكتشفوها لدى السابقين.  فطبعا تعطي الحَلّ لهذه الفكرة فقط، ولم تعط منهاجا فلسفي كاملا حتى تمنح  التوازن والحكمة للإنسان لكي يشعر الإنسان بالسمو  الفكري والروحي.
 إن خطابه ليس بخطاب فلسفي شامل،  بل خطاب معين لجانب معين . لان الخطاب الفلسفي  مبني على ثلاثة أقسام ، أولا الخطاب المنطقي  المبني على  علم المنطق وكيفية بناء الفكر بأسلوب عقلاني، وايضا الخطاب الفلسفي هو خطاب اخلاقي، وأخيرا الخطاب الفلسفي هو خطاب فيزيقي.  فهذه الجوانب الثلاثه  تجعل من الخطاب  الفلسفي متكاملا  ويعطي فكرة شامله عن الفلسفه، اي تشمل المنطق والأخلاق والوجود. اما  إذا أخذت جزءً  وتعتبره بأنه "الفلسفة" هذا ليس إلا  نقطة منها . الكثير من الفلاسفة المعاصرين  بحثوا في دراساتهم الفلسفية عن الحياة الاجتماعية او الحياة السياسية او الحياة السيكولوجية. لقد اخذوا جوانب معينة وهذه الجوانب لا تشكل فلسفة كاملة ولا منهاجا شاملا للإنسان. لهذا السبب، كثير من هؤلاء الفلاسفة  الذين ظهروا  منذ 100  عام  قلّ ألان تأثيرهم .


سؤال:
من المعلوم ان فرنسا اخرجت بعض من اعظم عباقرة التاريخ من امثال ديكارت، جان جاك روسو، فولتير، جون بول سارت ، كامو ،  بلزندال ، برغسون وغيرهم.  هل هناك بوادر ظهور مدارس فلسفية جديدة في فرنسا ؟ او ماهي المواضيع  المهمه التي تشغل فكر الفلاسفة  الفرنسيين الآن ؟

هناك حقلان، الفلسفي والعلمي. هناك بوادر جديدة في الحقل الفلسفي، إننا نعلم بان الشعوب الغربية في أوروبا وأميركا، منها ما هو مؤمن و منها ما هو غير مؤمن ، لذا  بدأت حركات فلسفية إصلاحية  من قبل المفكرين و الفلاسفة الفرنسيين لفتح آفاق جديدة ، اشهرهم: Pierre HADOT, Michel ONFRAY, André SPONVILLE, Luc FERR  . لقد بدأوا يكتبون عن الممارسات الروحية، يعني عن الحياة الروحية  التي لها علاقة بالكون  وبالأخر و بالمجتمع  وهذه الحياة الروحية  تجعل الإنسان بان يكون حكيماً ونزيها ومخلصا  وشفافا ويشع بالقيم وبالفضائل. بدأت هذه الحركة منذ 20 سنه، وقدّم هؤلاء الفلاسفة بكتاباتهم وتأليفهم غذاءً لشريحة كبيرة من المؤمنين ومن غير المؤمن.
ومن الجانب  العلمي، هالك فيلسوف فرنسي كبير فتح أبوابا واسعة وهو Edgar MORAN . كتب ونشر وعلم في كبريات الجامعات الغربية، مؤكدا على ضرورة ربط  كافة العلوم بعضها مع البعض، (كما قلنا سابقا العلوم بدأت تتوسع  وتنتشر)  حتى تخدم الإنسان. في كتابه الأخير "الطريق" ألحّ على  ربط العلوم مع بعضها  وتقديمها حتى تكون  لصلح البشر و المجتمع ، ولخدمة الانسان في حياته اليومية والسياسية .  يجب أن تكون لخدمة الإنسان بصورة عامة وليس فقط للإنسان الغربي.   
 وهكذا نستطيع القول بان فرنسا إحدى الدول الرائدة في هذين الحقلين، الفلسفي والعلمي. 


سؤال:
سؤال شخصي لك دكتور، هل لديك نظرية فلسفية خاصة بك؟  هل لديك رؤية خاصة  عن الوجود والحياة والفكر والانسان و الاديان والحضارات ومستقبل الانسانية؟  يعني هل لديك رؤيا او سوف يكون لك يعني  كتاب  او مؤلف عن رؤيتك  الخاصه ؟

طبعاً  بالنسبة لي، الفلسفة هي نهر عظيم، ننهل منها  لحياتنا الفكرية والروحية  والنفسية. نشرب من جداول هذا النهر الذي نبع وجاء من حكمة بلاد الرافدين وبعد ذلك من الفلسفة اليونانية وفلسفة عصر النهضة والعصر الحاضر، أنا تلميذ لهؤلاء الفلاسفة والمفكرين. الشيء المهم بالنسبة لي هو كيف أدير حياتي وكيف يكون كلامي مطابقا لفكري ولأعمالي. اريد ان أكون كمزارع، فحينما يشعر بأنه هناك نبتة رديئة، يقوم بقلعها، وبالعكس إذا كانت هناك نبتة جيدة يجب إن يكثر الاهتمام بها . في فكري وحياتي الشخصية ارغب أن اكون مثل هذا المزارع ، أن اقلع النبتة الرديئة و أطور الشتلة الجيدة .

وكذلك اسأل نفسي  كيف تكون حياتي وعلاقاتي مرتبطة مع إخوتي البشر. يجب أن تكون هذه العلاقة مبنية على التناغم والاعتدال وعلى الاهتمام بالآخرين.  ليس الاهتمام فقط بالمصلحة  الشخصية والانانية . وعليّ أن  أدرك بان الحياة  تكون جميله وجيده حينما اكون مع الاخرين انساناً حسنا، ويكون الآخرين سعداء معي، وذلك بتطوير ما فيهم من الإحساس الطيب ومن القيم الحميدة.

وكذلك أدرك باني جزء من هذا الكون، وان هذا الكون هو سر كبير. بدأنا نكشف ونعرف قسما منه، لكن كواكب الكون ومجراته التي تُعد بالمليار تفوق إدراكنا . نحن في عالم صغير و في كوكب صغير الذي هو جزء من الكون الكبير ومن المجرات  الهائلة ومن الأكوان  المتعددة. يجب أن نتعجب من عظمتهُ وجماله. ونندهش من قساوة الكون، لأنه هناك البراكين والعواصف والزلازل وغيرها من الكوارث وقد لاحظنا في الايام السابقه في اليابان  كيف أن زلزالا وسونامي  أديا إلى انهيار  قسم من المدن في اليابان. فالكون رائع وجميل ومخيف في نفس الوقت.  فيجب أن تكون علاقتي  متناغمة وحميمة مع نفسي و مع الاخرين ومع الكون  ، بكلمة اخرى فلسفتي في الحاية هي  كيف أعيش في التناغم مع هذه الأمور  الثلاثة. 

سؤال:
من المعلوم لديك كتب عديدة في التاريخ عن علماء السريان ( للكنائس الشرقية من الكلدان والسريان والاشوريين) وانت احد اشخصيات المهتمة والمطلعة على تاريخنا بصورة جديدة، ماهو الانجاز الفكري الاهم انجزه ابائنا اللاهوتيين على مستوى الفكر  او الانساني  يستحقون الثناء والافتخار بهم ( بمعنى فكر او نظرية اوجودها قبل غيرهم)؟
الشيء الهام الذي اكتشفته من خلال دراستي واهتمامي  في تراثنا وتاريخنا، ان ابائنا كانوا روادا في  أمور عديدة على مرّ 13 قرنا. كانوا  من الأوائل الذين فهموا أهمية تراث اليونانيين و كانوا الاوائل من الذين قاموا بترجمة معظم الفكر اليوناني الذي كان يحمل المعارف الفلسفية والطبية والطبيعية والرياضيات. اجل، قاموا بترجمة التراث الإغريقي الى اللغة السريانيه  ومن ثم الى العربيه ايضا . أما الشعوب السابقة فكانت تترجم مؤلفات قليلة إلى لغتهم الأم ، لكننا الشعب الوحيد  الذي فكر بأهمية هذا التراث وقام  بترجمة قسم كبير منه  إلى لغته السريانية وثم الى للعربية، هذا لم يحصل من قبلهم أبدا، إباؤنا هم أول من فتح هذا الطريق .

 لقد أدرك مفكرونا السابقون بان التراث اليوناني العظيم هو تراث البشرية،  علينا نتغذى منه و نقدمه  للشعوب الأخرى بالترجمات والشروح والتعليم. وكانت هذه إحدى خصائصهم  وامتيازاتهم. وايضا الشيء الذي اهتم به آبائنا هو الاهتمام  بالمدارس وبترويض العقل، فالشعوذة والأمور التي لها علاقة بالخرافة  لم تكن محببة في مجتمعاتنا.

أعطوا أيضا اهتماما كبيرا جداً لعلم المنطق، إذ ترجموا كتاب "الاوركانون" لأرسطو  إلى اللغة السريانية.  لأنهم كانوا بحاجه في مدارسهم  لتعليم طريقة التفكير للإنسان حتى يكتشف الحقيقة  ويعرف أن يميز الصواب عن الخطأ .
هذه هي الخصال الثلاثة الأساسية التي كانت ميزة لآبائنا الأجلاء وأملنا بان الجيل الحاضر والمستقبل يسلك طريقهم .

سؤال:
 دكتور  موضوع آخر،  نحن من الناحية القومية ومن ناحية شعور الانسان  الاجتماعي والقومي  او الهوية الذاتيه  كمسحين الشرق،  سواء  كانوا كلدان او اشورين والقوميات الاخرى  جميعنا انصهرنا في الكنيسه  وتبعنا اللاهوت الكنسي  الصوفي الشرقي  الخاص بحيث  كل الماضي تركناه  أو اندثر  بسبب اهمالنا او بسبب  ابتعادنا عنه لالتزامنا الجديد بالديان المسيحية  وتعاليمها ،  لكن الان  هناك شوق وهناك نهضة، هناك شعب يشعر انه بحاجه الى ماضيهِ والشعب الان واقع في محنه، فمن جانب يشعر ان الكنيسة  ضروريه اليه و من جانب الاخر يشعر ان الهويه  القوميه التاريخيه  مهمة  له فلا يوجد شعب بلا هوية،  كيف نجد طريقا  جديدا  للتعامل مع هذا الواقع  ، يعني يرجع  الانسان المسيحي  الشرقي يُحافظ  مثل اي شعب اخر على إيمانهُ وعلى هويتهُ  في نفس الوقت ؟

ندرك جيدا بان الشعب الذي يعرف تاريخها يعرف ذاته أيضا.
نحن الشعب الكلدو آشوري السرياني، لدينا مشكله خاصة  منذ اتفاقية "جالديران" بين الدولة الفارسية و الدولة العثمانية سنه 1514 م  التي أدت إلى سيطرة الدولة العثمانية على بلاد الرافدين وأناضول، وأدت هذه الاتفاقية بشعبنا العيش تحت نير الدولة العثمانية وأصبحت كنائسنا  تابعة لحكمها  . ان الدولة العثمانية كانت إمبراطورية دينة  وكان السلطان العثماني  "الخليفة" في وقت واحد. 
وهكذا أصبحت الكنيسة تدير أمور شعبنا الدينية والمدنية لان  الدولة العثمانية لم تسمح بحرية تأسيس الأحزاب. كان البطريرك رئيسا لطائفته ولكنيسته،  وحينما انقسمت الكنيسه النسطورية الشرقية الى قسمين  في 1830 م  صار لدينا بطريكين واحد للكلدان والأخر للأشوريين وكذلك بالنسبة للسريان عندما انشطرت كنيستهم إلى قسمين أصبح لهم بطريركين. كانت الدولة العثمانية تعتبر البطريرك  رئيسا للمِلـَة  الكلدانية أو الأشورية أو السريانية .
و حدث انهُ في نهاية القرن التاسع عشر، بدأت الحركات السياسية  والشعور القومي يتعاظم  عند العرب والأكراد والأتراك  والأرمن، وبدأوا  يسألون عن حقوقهم وعن  وجودهم القومي و انتشرت الأفكار القومية  في الشرق .
أما بالنسبة لنا بدا الشعور القومي في نهاية القرن التاسع عشر على يد نعوم فائق ، فريدون اثورايا، بنيامين ارسانس،أغا بطرس ، يوسف مالك وآخرون.

اليوم، "الكنيسة" إنها مؤسسة هامة ولها مكانتها الروحية في مجتمعاتنا  الأشورية الكلدانية السريانية. ولابد أن ندرك أيضا بأهمية الشريحة الثانية وهي "الأحزاب السياسية" لأنه لهم دور فعّال لبناء  المجتمع   القومي . و علينا أيضا مساعدة واهتمام بشريحة ثالثة وهي "منظمات المجتمع المدني" التي تقوم بخدمات ونشاطات جليلة .  فإذا كانت هذه المؤسسات الثلاثة : الكنسية والأحزاب  والمنظمات المجتمع المدني  متكاتفة مع بعضها، حين ذلك  يُبنى الشعب وتُبنى  القومية بصورة صحيحة .
على الكنيسه ان لا تخاف  من الأحزاب  وان لا تخاف  من  منظمات المجتمع المدني  ولا تقاومهم، بل أن تتعاون معهم. هذه المؤسسات الثلاثة لابد أن تتعاون معاً لبدء حياة جديدة ونهضة جديدة لهذا الشعب المنكوب.       

سؤال:
ماهو الهدف الرئيسي الذي اخترته  في مسيرتك العلميه والفكريه، هل حققت ما كنت تحلم بهِ  واي جزء منه  لم يحالفك الحظ  او لحد الان لم  يأتي الوقت  لإتمامهِ ؟

  حاولت في تدريسي وتأليفي و قيامي بالمحاضرات والمداخلات و اشتراكي بالمؤتمرات أن أعرّف  للغرب غنى تراثنا  شعبنا العريق. أردت ان يكشف ما هو تراثه؟ وما هو حاضره؟  وما هو مستقبله في الظرف الحالي؟
قمت 4 نوفمبر عام2008 بإلقاء محاضرة في يونسكو  أمام سفراء العرب حتى يعرفوا من هم فلاسفتنا ، وقمت كذلك بتنظيم  محاضرتين في مجلس الشيوخ الأولى في  2 نيسان 2009 والثانية في 26 شباط 2011 ومحاضرة ثالثة  في البرلمان  الفرنسي .
حاولت بواسطة هذه المحاضرات والمؤتمرات والمداخلات في فرنسا وفي الدول الأوربية أبراز تاريخ وأدب وتراث شعبنا.

ساهمت بتأسيس "مجمع للدراسات الشرقية" في باريس عام 2004، والآن مجلس الدراسات الشرقية يعقد كل سنة مؤتمره في باريس ويقوم بدراسة موضوع خاص.  مثلا هذه السنة، كان موضوع البحث من هم المتصوفون السريان ؟ وماهو دورهم في حقل التصوف ؟
يجتمع كل سنة أعضاء مجمع الدراسات السريانية ويبلغ عددهم 110  أستاذا وخبيرا مُختصا في  الدراسات السريانية ، إنهم أساتذة الجامعات الأوربية والأميركية. نجتمع سنويا ً وندرس موضوع  وننشره في كتاب جديد، في السنة الماضية كان موضوع بحثنا  التواريخ السريانية. 
وتمكن هذا المجمع إلى ضّم  كل المستشرقين الغربين لهذه المؤسسة فيقومون بإنتاج وإبداع و بنشر دراساتهم وبحوثهم .

في سنه 2006 قدمت مشروعا لتأسيس جامعة لشعبنا في دهوك أو في أربيل ، في زمن رئيس الوزراء نجيرفان البارزاني، كان المشروع قد وصل الى مرحلة متطورة لكن مع الأسف بعض الأشخاص المتزمتين وقفوا مانعا لهذا المشروع و لكن مع  هذا بدأنا بمحاولات أخرى. لابد أن  تكون لنا جامعة في بلاد الرافدين  حتى نربي جيلا جديدا مختصا و أكاديميا، فخورا بوطنه وبلاده .

وكان من ضمن اهتماماتي الآن هو أن نقوم بجمع المصادر التي نشرت في الغرب   وتُرسل إلى  بلاد الرافدين. لقد راسلتُ مدير الثقافة والفنون السريانية الدكتور سعدي المالح  وصارت الموافقة لشراء 340  كتابا التي هي مصادر لما ألفه آبائنا مثل مارا فرام و طيماثاوس الكبير وميخائيل  الكبير و لأبن العبري وآخرين،  وصلتْ ألان الى مدينة عنكاوا.
 أمنيتي بان نقوم بتأسيس مركزا للبحوث والدراسات في بلاد الرافدين العليا، لهذا السبب سأقوم بجمع المصادر الباقية التي صدرت في الدول الأوربية وإرسالها إلى، مديرية  الثقافة  والفنون السريانية ، لكي لا يركض أبناء شعبانا  يمينا ويسارا للقيام ببحوثهم ودراساتهم،  بل أن يجدوا في بلدهم، بلاد الرافدين، مصادر تاريخهم وأدبهم وتراثهم .








سؤال :
هل من كلمة لقرائنا قراءنا قراء  موقع عنكاوه  دوت كوم ؟

اقول لقرائنا في عنكاوا كوم بان لا يخافوا من قراءة آراء مختلفة وان لا يبخلوا بوقتهم في  القراءة . القراءة مفتاح المعرفة والحكمة والتنوير.
 الشيء الذي فرّحني كثيرا، أني اكتشفت كوكبةً بارعة من الكتاب والمفكرين والصحفيين في شعبنا وهناك أقلام جيدة و مرموقة تفتح آفاقا جديدة، يجب أن نعطيها أهمية وأولوية حتى تستطيع أن  تعمل وتبرز وتزدهر.

سؤال:
هل لديك كلمه اخرى لمجتمعنا المسيحي  وشعبنا بصورة عامة تريد اضافتها؟

كلمتي الأخيرة لشعبنا هي أن لا يغلبهم اليأس بل ليكون الأمل بيرقهم، رغم كل الظروف القاسية  ورغم الهجرة.  المستقبل مفتوح أمامنا في الوطن والمهجر، قوة إرادتنا وإصرارنا ووعينا تكون مفتاح نجاحنا. الصعاب تصنع الرجال والشعوب.


شكرا جزيلا على تعاونك معنا

مؤلفات البروفيسور افرام عيسى يوسف هي:
1- عطور الصبا في سناط ، قرية مسيحية في كردستان العراق. باريس 1993
2- بلاد الرافدين جنة الأيام الخوالي. باريس 1969
3- الفلاسفة والمترجمون السريان. باريس 1997
4- ملحمة د جلة و الفرات. باريس 1999
5- المؤرخون السريان. باريس 2002
6- إزهار الفلسفة عند السريان. باريس 2003
7- أزمنة في بلاد الرافدين. باريس 2004
8- السريان يتكلمون عن الحروب الصليبية. باريس 2006
9- رؤية حول الإنسان لدى فيلسوفين سريانيين : برديصان واحودميه . باريس 2007
10- المدن الساطعة في بلاد الرافدين العليا. باريس 2009
-  11صلاح الدين الأيوبي والسلالة الأيوبية . باريس 2010
 
وقد ترجمت خمسة من كتبه إلى اللغة العربية وهي:
•        كتاب : ملحمة دجلة والفرات
•        كتاب : أزمنة في بلاد الرافدين
•        كتاب: الفلاسفة والمترجمون السريان
•        كتاب: الحملات الصليبية كما يرويها المؤرخون السريان
•        كتاب: المدن الساطعة في بلاد الرافدين العليا ( تحت الطبع)

كما تُرجمت خمسة من مؤلفاته إلى التركية.