أهـــات .. ورثــاء جـــواد الموســوي في رعـــد كـــوران


المحرر موضوع: أهـــات .. ورثــاء جـــواد الموســوي في رعـــد كـــوران  (زيارة 2537 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. هاشم نعمة

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 147
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

أهـــات .. ورثــاء
جـــواد الموســوي في رعـــد كـــوران
سكن الليل ولاشي قربي سوى الذكريات والغربة والفراق تحوم حولي، ومن الكوت إلى ارض الورود هولندا ، وصلني المصاب الجلل خبر وفاة الشاعر والناقد والأكاديمي الدكتور رعد طاهر كوران ، فكان خسارة كبيرة للاوساط الثقافية والعلمية ، وهو في مقتبى العمر ( من مواليد الكوت 1956 م ) نتيجة مرض عضال لم يمهله طويلاً ... كان الدكتور رعد أنسانا بمعنى الكلمة شفافاً في تعامله لا تخرج الكلمة منه الا في مكانها ووقتها ، تميز بخصال كثيرة نادرة الاجتماع في شخص واحد ، كان مثقفاً موسوعياً بمعنى الكلمة وعراقي حتى النخاع وبأمتياز، تواق للحرية والتحرر ، مبدعاً في كل شيء متعدد المواهب والقابليات ، عربي الثقافة والتعلم من اصول كوردية فيليه من قبيلة ( كوران ) المشهورة في كوردستان ووسط العراق ، كان يعتز بنسبه واشتراكه مع الشاعر عبدالله كوران ( ت 1962 م ) النجم الساطع والرائد المجدد في الشعر الكوردي المعاصر ، في نسب واحد .
كان الدكتور رعد يحمل بين طياته حزن كبير وألم ، لم يظهره للعلن بسبب موقف عائلته من النظام الدكتاتوري السابق إذ تعرضت للاضطهاد والقتل ، فأعدم خاله عبدالنبي مجيد عباس وخالته منيرة عام ( 1974 م ) ... وعندما يزور خاله في سجن أبي غريب يقوم بنقل الرسائل إلى مقر الحزب الشيوعي في بغداد ويضعها بيد الأستاذ جاسم الحلوائي .
أسهم في الحركة الفنية والثقافية لمحافظة واسط منذ سبعينيات القرن الماضي ، زامل وعاشر كثير من الفنانين ومنهم المسرحيين أمثال : الفنانة أمل طه والفنان عبدالجبار كاظم وغيرهم ، ألف واخرج الكثير من المسرحيات ، من مؤلفاته المسرحية : عهد الياسمين والنزول عند رغبة مدينة وابتداء من الخاتمة والاسماء تشم النسيم والصهيل وصراخ الأجنة ، وهو عضو اتحاد المسرحيين العراقيين منذ أمد بعيد ومؤسس المسرح العراقي الحر سنة ( 2003 م ) ... أهتم بالغناء العراقي وأحبه ولديه أرشيف كبير للأغنية العراقية وتاريخها ، أهداني قبل سفري إلى هولندا ( فلاش ) يحتوي على مجموعة من الأغاني العراقية الاصيله والتراثية منها ، احتفظ به إلى ألان.
عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين فهو ( رحمه الله ) شاعر شفاف ورقيق صاحب صنعة يجيد التعامل مع الكلمة الشعرية وقارئ نهم للشعر العربي القديم والمعاصر وتربطه علاقات طبية وعميقة مع معظم شعراء العراق ، وقد زامل مجموعة من أبناء محافظته منهم : غني العمار وحميد حسن ... تناولت مواضيعه الشعرية الفقراء والعمال والباعة والشحاذيين والمسحوقيين من المجتمع وهو القائل :
الحانة مطفأة الأضواء ..
عاد العشاق من الحرب
شربوا الضوء الساقط في اقداح الليل
كان صغيراً
ظلت عيناه تطاردهم
لهافة ،
والليل والسعال في غفلة ..
حطت على السرير ..
في ( ساحة العامل ) عند الصفير
تنقض القضبان على الافواه
والباعة السمحون
مرايا تتكسر
فيصير الشارع
ثعباناً ..
اشترك في مهرجان المربد الشعري وساهم في تأسيس مهرجان واسط الشعري له أكثر من ديوان شعر منشور ومخطوط : سيناريوهات لسيمياء الجسد والجهات الخمس ... وفي لقاء أجرته معه جريدة التآخي ( سنة 2003م ) كان متفائل جداً لما سيؤول اليه واقع الثقافة والإبداع في العراق الجديد لسبب رئيس هو ان المبدع بات يتنفس برئة كبيرة جديدة مليئة بالهواء النقي والأوكسجين الحر غير المحترق ، وانه انطلق من حالة الانكفاء عن النفس والانكماش عن الحياة المدنية الى حالة الانفتاح عليها والاحتفال بها...
اهتم بالأدب والنقد الأدبي منذ نعومة إظفاره لذلك تجده بعد ذلك يتخصص به ، وبالذات الادب الحديث والاسلوبيات والمدارس النقدية ومن زملائه رائد القصة القصيرة محسن ناصر الخفاجي والناقد إسماعيل سكران ، وتربطه بالروائي الكبير هاشم توفيق الركابي علاقة طيبة وهو متابع جيد لكتابات الركابي ، وله مقال جميل يستظهر فيه قابليته النقدية بعنوان ( أيوب بين النص القراني والنص الروائي ) قراءة في رواية ( أيوب ) لهاشم توفيق الركابي .
له مواهب لا يستهان بها في مجال الصحافة ولاسيما العمود الثقافي وكانت له اسهامات جادة في الصحافة العراقية ، وقد أسس أكثر من صحيفة ومجلة محلية وتولى رئاسة تحريرها وكان ( رحمه الله ) يتولى قبل وفاته رئاسة تحرير اكثر من مجلة علمية تهتم في العلوم الانسانية في جامعة واسط ، فضلاً عن ذلك فهو مصمم ممتاز وصاحب ذوق رفيع يجيد استخدام برمجيات الكومبيوتر بصورة جيدة ، ومن خلاله يصمم الكثير من النشرات والصحف والبوسترات والجداريات .
يعد مؤرشف جيد لتاريخ محافظة واسط ومدينة الكوت ، فلديه أرشيف من الصور والكتب والمخطوطات عن تاريخ الكوت ، والادهى من ذلك يحمل ذاكرة مليئة بخزين من المعلومات عن تاريخ الكوت الحديث واهم الشخصيات الواسطية البارزة في المجتمع المحلي ومنها الشخصيات الهزلية والفكاهية .
أكاديمي ومربي من الطراز الأول حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة البصرة وكان عنوان رسالته للماجستير : ( صالح الجعفري شاعراً – دراسة فنيه ) و ( التناص في القص الروائي العربي الحديث في العراقي ) وهي أطروحة الدكتوراه ، أضاف لهما دراسات علمية مهمة مطبوعة منها :
1 – الزمن في الشعر ( دراسة فنية تطبيقية ) .
2 – الثقافة في مدن العراق (الحلقة الاولى – النجف الاشرف ) .
3 - طرفه بن العبد النظرة الى الوجود ( دراسه في شعره) .
4 – المناخ الأسطوري في رواية البيركامو الغريب .
5 – التأثر والتأثير بين النقد العربي والنقد الغربي .
6 – السينما والشعر ( دراسة علميه ) .
عمل في التعليم الابتدائي والثانوي وخرج الكثير من الطلبة ، درس في اكثر من جامعة منها القادسية وواسط ، له بصمات واضحة ومهمة سوف يؤشرها تاريخ تأسيس جامعة واسط وإسهامه في تطويرها ، فهو احد رموزها المعروفين وأمينها وعضو مجلسها ، وكان ( رحمه الله ) في مجلس الجامعة من انشط الاعضاء في تقديم الأطروحات الثقافية والعلمية للنهوض بالواقع العلمي والثقافي في المحافظة وإصلاح التعليم الجامعي ، ودائما أفكاره وآراءه تلاقى ترحيب من أعضاء مجلس الجامعة ، كان مهندس ومصمم اول حفلة تخرج لجامعة واسط ...
أسس كلية الآداب سنة ( 2006م ) وأصبح عميدها منذ التأسيس حتى الرمق الاخير ، وقد استحدث فيها قسم نادر، الأول في العراق والتاسع في العالم وهو قسم ( الدراسات الشرقية ) قسم يهتم بالثقافة وإبداع الشرق وتاريخه وحضارته ، كما استحدث في كلية الآداب شبه صالون أدبي وثقافي كان يعقد كل اسبوع ، يجبر الجميع على الحضور ومنهم إنا عندما كنت رئيس جامعة واسط بسبب اختياره للشخصيات المبدعة والمواضيع المثيرة المتجددة والمتجذرة .
كان أبو احمد ( رحمه الله ) حلو العشرة ، خفيف الظل عن الرغم من سمنته ، لطيف المجلس لايملُ من حديثهِ ، في بعض الأحيان يسرد النكتة الجميلة المعبرة غير المبتذلة الناقدة للواقع العام برمزية وتلقائية وعفوية تدل على امتلاكه قابليات في التمثيل وهذا جزء من موهبته وحبه للمسرح .
له نهج خاص في الحياة ، واتكيت متميز في البيت والجامعة والشارع من حيث الملبس والمأكل وتنظيم شؤونه الاجتماعية وطريقة عمله ، هذه الخاصية معروف عنه عند الجميع واسطيون وغيرهم ويمكن إن نقول عنه ( اتيكيت رعد كوران ) تأثر زملائه وطلبته بطريقته هذه ، وهو يذكرني بأتيكيت المطرب زرياب الذي هاجر الموصل إلى اسبانيا واحدث تأثير كبير في طبيعة الحياة الاندلسية بأتيكيته .
كانت له أمنية قديمة حدثني عنها منذ ان التقيت معه لأول مرة ، وهي أكمال بناء بيته الذي ورثه عن ابيه في وسط المدينة ثم يحوله إلى أول صالون ثقافي في الكوت يحمل اسمه ( صالون رعد كوران الثقافي ) اتصل معي قبل اكثر من شهر ليحدثني عن قرب تحقيق أمنيته وانه قدم استقالته من عمادة الكلية وأرسل اوراقه الى التقاعد ليتفرغ إلى أكمال بيته الذي يحوي مجموعة كبيرة من اجمل الانتيكات واللوحات الفنية الرائعة والنادرة الوجود ، ثم يفتح صالونه الثقافي ، وتمنى ان احضر الى الكوت في الإجازة السنوية وأشاركه افتتاحه ، وفعلاً وضعت ضمن برنامج اجازتي لبغداد زيارة الكوت ، لكن المنية أخذته قبل تحقيق امنياته الجميله ، وقررت انا ان ابدل سير اتجاهي في الإجازة السنوية بدل الكوت مقر الحبيب أبو احمد الى وادي السلام حيث يرقد الأحبة ... تحف بهم طيور الرحمن ... فما الحياة إلا محطة استراحة القادمون والراحلون ، ومستمرة سوى ضحكت ام بكيت ...
ناموا ويبقى المسك عطركم
والبنفسج هواءكم ..
يارعد شمسك لم تغرب بعد
وبدرك باقٍ يضي ليالينا
والحانة لم تطفاْ أضوائها
وعند ساحة العامل احمد
هناك ... ينتظرك
وعاشقك الحلي ينوح قربي ..
( يامدلوله... شبقى عندي غير الألم والحسرة ..)
الاستاذ الدكتور 
جواد مطر الموسوي
لاهاي / المملكة الهولندية