رحلةُ الدُموعِ على دَربِ الدَّمِ

المحرر موضوع: رحلةُ الدُموعِ على دَربِ الدَّمِ  (زيارة 505 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كبرئيل كوركيس

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 30
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



رحلةُ الدُموعِ على دَربِ الدَّمِ

 
بقلم شليمون إيشو سلماس (1884 ـ 1951)
نقلها الى العربية : كبرييل كوركيس ـ الدانمارك


بين تلك الجبال الموحشة المهجورة،
المُطلّة على وادٍ يتدفقُ فيه ينبوع ماءٍ نَميرٍ سَلسَبيل،
سقَطَ وحيداً ذلك الشاب النبيل،
شفتاه ذابلتان متشققتان من الظمأ .
بِيَدِ عدوٍ عاتٍ ،
أُصيب بثلاث إصاباتٍ .
دماؤه تَنزُّ قطرة فقطرة ،
وفي ريعان الشباب تذبلُ الزهرة .
آه !
أنه مثل طائر مهيوض الجناح،
تخلَّفَ عن سربهِ فظلَّ وحيداً ،
يرتقب الردى بمرارة .
الرصاصاتُ الغادرة للعدو الغاشم ،
قد أصابت أحشاءَه .
إصابَتُهُ نجلاءُ ،
لا ينجعُ فيها دواءُ .
وها هو يلفظُ أنفاسه بحسرات حارَّة !
ذكرياته الغالية لأهله الأعزاء،
لأصحابه وأحبابه مصونة في فؤاده!
النارُ تَستَعِرُ في كَبدهِ ورئتيه .
ما مِن أحد يأتي لنجدته،
يائسٌ ! عيناه تُذرِفان دموع المرارة،
دموع اليأس، فهو شابُ فتيّ!
على مقربةٍ منه في شِعْبٍ ضَيّقٍ،
على درب وعرٍ يغصُ بالحجارة،
ها هي تمضي قوافلُ مُضنيةُ لبَشَرٍ تُعساء،
بأصنافٍ باهتةٍ،
صَوَّرَتْها الرُهبةِ،
قهرتها مظالمُ الأقدار القاسية .
منبوذون من الوطن،
بلا راعٍ مُشرَّدون في الجبال والبراري والفيافي،
يلعنون الحياة، يكفرون بيومهم،
يتمنون الموت، ختاماً لعذاباتهم .
على الطريق المبهم والمستقبل الأدهم،
ها هي تَمضي الصفوفُ الأخيرةُ ،
لأناسٍ مُنهَكين، أطفالٌ صغارٌ وشيوخُ وعجائزٌ،
أحنَت ظهورَهم المصائبُ ،
سحقتهم النوائبُ ،
يسيرون بين الحجارة والصخور بأقدامٍ حافيةٍ مُضرَّجة بالدماءِ،
بألسنةٍ متيبسة وعيون غشيت أبصارُها من شدَّةِ العطشِ والسغبِ،
من قساوة القيظ.
آه! أيتها الأُمة البائسة!.
أُناسُ منهَكون،
بالشقاء مجبولة أيامهم.
هوذا يرنو بعينين دامعتين،
بعينين يائستين،
أوَ ليس له فيهم أمل؟
فلَرُبّما خِدْنٌ أو صديقٌ صَدوق ، في هذه الساعة،
ساعته الأخيرة،
وهو يتلوى ويعاني سَكرات الموت،
أَليس ثمة مَن يُغمضُ له عَينَيه ويحفرُ لهُ لحداً،
لئلا يغدو طعاماً للغربان الكاسرة أو فريسة للوحوش الضارية ،
كيلا تظلُ عظامُه تائقة للمواراة ولحفنة من الثرى! .
أغمَضَ عينيه بُرهةً وفتحهُما ثانيةً .
ها هو الطريقُ قد خلا! ولم تَعُد فيه ثمة نسمة حياة .
الويل ! مسكين! مسكين ! تنهَّد الشابُ !.
" آه " تأوَّه بآهة كبيرة .
نظر إلى ما حواليه،
فوجد عند رأسه على العشبِ الأخضرِ،
جوادَه واقفاً في ظل صخرة،
مطأطئ الرأس لا يَرعى .
بعينين تُدركان العزاء والهمّ،
وهو يُحدِّقُ إلى صاحبه الغالي،
ذلك الشاب الكريم .
وكأني بتلك البهيمة الأصيلة،
تسأل سَيّدَها بلسان قائلةً:
" لِمَ نحن الإثنان وحدنا كُتِبَ علينا البقاء وحيدَين؟
في هذه الجبال ،
في هذه الوهاد ،
في الظمأ والرمضاء والجوع والشقاء؟" .
لبثَ صاحبُه صامتاً،
مغمض العينين،
فأرتسمت على محيّاه المُتعَب للمرّة الأخيرة إبتسامةُ الموت الشاحبة .
وأرتعشت شفتاه مفارقتان الهمس والأمل والجذل!
وللمرة الأخيرة ثابَ الى وعيهِ،
وأيقن أنهُ ليس وحيداً .
فها هو معه صديقه الودود،
صديقه الدائم،
في أيام الفرج وأوقات الحرج في المآزق والمذابح في القُرِّ والقَيظ .
في سُوحِ الوغى وفي الزوابع والأعاصير،
بذكريات الأفراح وذكريات الأتراح .
ها هو عند رأسه،
فهو إذَاً ليس وحيداً! .
صَعَّدَ زفرةً وقال بمرارة :
"وداعاً يا رفيقي،
إذهب رعاك الله، أبحث لنفسك عن صاحب،
لا تُمسي أنت أيضاً مثلي مشرداً.
هيّا تقدَّم إنطلِق ،
بجناحَيّ الريح أَدرِك بني قومي ،
أَخبِرهُم بموتي، بلّغ أحبتي، أمي وأختي!
حدّثهم كيف أصبحتُ وحيداً بلا رفيق،
متروكاً بلا مُواراة ".
إنهملت من عينيه عَبرةٌ،
وجفَّت على خدِّه!
أسلم الروح،
إنقطعت أنفاسُه،
وغابت ذكراه .
فأندثر هو الآخر في الفراغ،
في الأعماق الظالمة، بعجلة الهمجية .
كثيرون هم مَن سقطوا صَرعى في تلك الجبال،
وتُرِكوا بلا أجداث،
في ليالي الشتاء الداجية،
أو في البرودة المتوشحة بنور القمر.
فوق كل صخرة، وفي كل فج،
موجودة أطياف، شهدائنا الصامتين،
بعيون راجية، بعيون باكية، منتظرين،
هل يا تُرى، سيأتي يومٌ، لا يضنون فيه عليهم بقبضة من الثرى،
لتستريح عظامهم من نوازل ورَزايا، هذا العالم الظالم،
وتستقر في أعماق القبر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ