إنهاء الياس سيفو .... من يقظة الذاكرة إلى نبض الروح


المحرر موضوع: إنهاء الياس سيفو .... من يقظة الذاكرة إلى نبض الروح  (زيارة 2705 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
انهاء الياس سيفو
من يقظة الذاكرة إلى نبض الروح


د. بهنام عطاالله

من منابر بخديدا السريانية الثقافية الخضراء، أينعت أقلام أغلب الشعراء والكتاب، ومن خلالها ألقت الشاعرة إنهاء الياس سيفو في مطلع التسعينات من القرن الماضي أولى قصائدها، التي كتبتها في مدينة البصرة.  
يكمن الشعر عند الشاعرة إنهاء سيفو بكونه غذاء الحياة، وروح النفس، ويقظة الذاكرة الحية، وهذا ما نلاحظه من خلال الكم الكبير من قصائدها المنجزة، فهي تشغل ماكينتها الإبداعية بصورة مستمرة . إنها شاعرة مثابرة لم توقفها إرهاصات الحياة وتداعياتها عن الشعر والأدب والترجمة عن الانكليزية إلى العربية.
سيرة أدبية وضاءة
الشاعرة من مواليد البصرة، مدينة السياب ومن مدارسها نهلت العلم والأدب . بدأت الكتابة في الثمانينات من القرن الماضي . نالت شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية من جامعة الموصل . ترجمت ونشرت العديد من القصائد لشعراء من الأدب الانكليزي أمثال وليام شكسبير . ما زالت تنشر نصوصها في الصحف المحلية: جريدة (صوت بخديدا) ومجلة (الإبداع السرياني) ومجلة (موتوا عمايا) وجريدة (راية الموصل) وجريدة (سَورا) وبعض والمواقع الالكترونية.
(ربيع الأمكنة) أول مجموعة شعرية
في مجموعتها البكر (ربيع الأمكنة) والصادرة عام 2008، تظهر براعة الشاعرة وتمكنها من تسجيل الحدث وتدوين الصورة الملتقطة بذكاء حاد، إنها ترصد إشكالات الحياة اليومية بوساطة خيالها المؤثث بمعطيات متراكمة وضمن تاريخها الحالم بالأشياء.
عتبة الطفولة وبداية المشوار
طرقت الشاعرة إنهاء الياس سيفو باب الإبداع الشعري بأحلامها الصغيرة ووهج قلبها ،فحلقت في سماء الروح .وبدأت العمل على الاتصال الحقيقي مع الشعر والشعراء. كما تؤكد في مقدمة مجموعتها الشعرية : ( في أدراج العمر ازدهرت أحلام صغيرة، وهي تتنفس أمل يحبو نحو أفق أوسع واشمل . ومن عتبة الطفولة بدأ المشوار، وعلى شرفة الأوراق رسم القلم شمس الكلمات ومكاشفات بريئة مع الذات وللذات، لتنبثق من هنا أولى اللحظات بالإحساس لرغبة الكتابة والتودد الكبير للتعابير الجميلة الملونة برائحة الطفولة وهمس الورد ووشوشة العصافير . وكبرت الحقيبة ومعها تكبر الأمنيات وهي تستمد ألوان الطبيعة ونقائها وبهائها أجمل الصور ...).
من خلال هذه المقدمة يلاحظ القارئ مدى تعلقها بالشعر خاصة والأدب عموما ً، نصوصها تحاول أن تبث همساتها الشعرية باتجاهات متباينة لتبحث عن ذاتها في خضم المعاناة، محاولة منها للدخول إلى قلب الحدث ضمن بنائية مهيمنة، تشد من خلالها القارئ نحوى نصوصها بذكاء، ولكي تتفاعل مع الحدث، ترسم في نصوصها صوراً لها مدلولاتها الإنسانية والذاتية والنفسية تقول : ( من خرقة الحياة/ ثوب .../ منسوج بأكف الصبر/ بين أدغال العمر/ شائك.../ تنبذه أجساد من حرير/ يطوي أكمامه/ يطوق ملذاته / في زنزانة مقفولة بأزرار القدر...).
مكابدات الحياة وتشعبات الكون
قصائدها ما هي إلا محطات مرئية وسط تناقضات اجتماعية ونفسية وذاتية مهيمنة وسط تراكمات حياتية متوالية، إنها في مجمل قصائدها تشعر بمكابدات الحياة وتشعبات الكون والعلاقات الإنسانية المتباينة.الميلاد والموت النور والظلام، ها هي تتمطى صهوة الحياة وترمق آخر مشهد من العمر بسخرية، إنها تحاول الوقوف صامدة وشامخة أمام الأقدار والمحن .فتقول في نصها (لا تجفل): ( لا تجفل.../ حيرن تراه/ يمتطي صهوته وموتك ُيعلنْ/ ونفسك ترمق آخر مشهد للعمر/ وحواسك كانت/ في الملذات تغرقْ/ وموتك  لازال لون الحياة يعشقْ/ لا تفزع قد يهدر/ وسنابل الفداء قد تنحني لتشربْ).
الشعر  أمام أبواب المدن التاريخية
للغربة وتجلياتها مساحة كبيرة في نصوصها، فهي التي ما زالت على أبواب المدن التاريخية وحقائبها المؤثثة بعطر التاريخ وميثولوجيا الأماكن والأزمنة الغابرة، تلك الأماكن التي مرت علينا كلمحة البصر، تاركة ورائها مخلفات المعارك وهول المأساة، ها هي تنتظر أحلامها الصغيرة والكبيرة، إنها تلقي صدى حنينها بين أرجل المسافرين، وهم يطرقون بأقدامهم مدن المنافي والشتات تقول في قصيدة (بين أرجل المسافرين) والتي كتبتها في مدينة استنبول بتركيا : ( وسط زفير الوداع / اختنقت المسامات/ فمن أين يمر هواك ؟/ كنسمة شوق تهب احرمنا/ نسمة فاتها القطار/ فشابت على الطريق/ ولي قيض أيامك/ حين التقيتني/ واكتملت في حياتك فصول الأمل / وهناك ... بين أرجل المسافرين / حقيبة تحمل دموع السنين دائما ... / تسافر معك صومعة لطقوسك أفكاري / وأنت من أضاع / في ليلة عشق ضيّ الكلام).
شموع وحيدة تبكي على موائد الحرب
أما الوطن وهمومه فله فسحة اكبر ومكاناً بارزاً ضمن مكمنها الشعري، ذلك لأنه الملاذ الأول والأخير لها، مهما ابتعدت عنه، إنها تبث لواعج حنينها ووهج طفولتها محمولة على هوادج الشوق واللقاء المرتقب، متذكرة أماكن صباها وشبابها، تلك الأماكن التي تمثلت كبرواز لصورتها الحقيقية . إنها تبكي وتندب حظ وطنها وما آل إليه، فالليل في سمائه يطول والشموع وحيدة تبكي على موائد الحرب دموع وجراحات آهات ونواح لا تنتهي . ثم تمضي متسائلة وطنها متلهفة : متى تستفيق من غيبوبة الألم لنمد معك جسرا ً إلى المحبة ؟ تقول في قصيدتها (آه يا وطن) : ( أبكاني جرحك يا وطني/ ونحيبك اخترق الشمس/ وساوى الليل بالنهار / وما من سامع لصراخك يا وطني/ ما بقى لك/ وأنتَ ما عدت أنتَ/ غاب عن ترابك مرح الطفولة/ أراك مبتلياً بهشيم الماضي / وما هنأت بنسائم الحرية/ الدار وحشة/ غاب فيها همس الأحباب/ وكأنك لست أنتَ).كما نلاحظ جليا ًفي بعض نصوصها، بصيصاً من الأمل يشع من بعيد، مشدوداً إلى الذات والآخر . إنها تطرح اهتماماتها بجرأة تحاول عنوة إيقاد جذوة الحب تنشره في الأرض.
إشعال جذوة الأمل والسلام
إتسمت الشاعرة في بعض قصائدها بالجرأة والإعلان المفتوح، دون مواربة، فهي تعمل على إشعال جذوة الأمل والسلام، وتحاول أن تتموسق سطورها بطعم الأمن والمحبة، لتغدو ساحة ملونة وقادة، تنبذ فيها الحروب والخوف والموت المجاني وهي تقرأ مزامير الحياة كما تقول في قصيدتها (السماء تفتح أبوابها): ( ليوم حياة آخر / أي ضريبة ندفع ؟!!/ وخوفٌ / يكتم للهواء مسافة / توقِد ذاتها/ بزيت مَن عليها يرقد ../ حين ظلّهم/ سقط عن الجدار/ ولهم بالأمان/ أكثر من مزمور).
وللشاعرة طقوسها في الكتابة، فهي تؤكد من خلال نصوصها إنها ترسم الشعر ليلاً بالكلمات،  وتسبح في بحر العتمة، وتنسج من سطورها خرائط عن الحب والوطن والغربة، حيث تقول في مقدمة مجموعتها الأولى (ربيع الأمكنة) : (ومتى ما يغمض الليل جفنه تستريح الذات الثائرة المتعطشة لمتعة الرسم بالكلمات وتسبح في بحر العتمة وتنسج من ضياء النجمات ما لذ وطاب من أطباق السهر في دعوة جميلة للقمر).
قصيدة توقظ الألم وتؤطره
في قصيدتها (يومٌ من الطين عَمادهُ) تؤكد على فعل الكارثة، وهي تجسم الحدث الإنساني وتلقيه أمام القارئ، مبرزة دور الشاعر وأهميته في الكتابة للحياة، وهو يسبح في هذا البحر المتلاطم من الأحداث، لتستمر قافلة القصائد تشع وراء انفعالات وأحداث مثيرة : ( خرستْ كل الحان الطبيعة/ فانتصب الخوف/ مُعلنا ً... كارثة وشيكة/ وغرقى في ذاك الصباح/ كل الصباح/ حُطام الأمل/ أرّبكَ العصافير/ وفُتات قلب الطفولة/ يطفو على وجنات سيل عارم).
إن قصيدة شاعرتنا إنهاء الياس سيفو (يوم من الطين عمادهُ)، تنقلنا إلى يوم نيساني أليم في حياة قرية وادعة من قرى أبناء شعبنا، كانت على موعد مع قدرها، فكانت الضحايا زهرات من حديقة سهل نينوى من مدرسة ابتدائية جرفتهم سيول القدر، القصيدة توقظ فينا الألم وتؤطره بروح شفافة قلقة.
ختاماً ... تبقى الشاعرة إنهاء سيفو من الشاعرات اللواتي، وضعن كل جهدهن لكتابة قصيدة النثر، محافظة في ذلك على نسقها العام، والتقدم اشواطاً نحو الأمام، منذ أول قصيدة كتبته، إلى آخر قصائدها . إنها شاعرة ثرية الروح ،منتجة، لا تترك حدثاً يمر دون أن تضع بصماتها على المشهد الشعري النسوي خاصة في سهل نينوى. فهي من الشاعرات القلائل ضمن مجايليها اللواتي امتلكن قلماً يحمل نبض مطاولة في الكتابة الشعرية، والمتابعة الحثيثة والاستفادة من غيرها من الشعراء والكتاب. [/size]
 
الهوامش
(1)   د. بهنام عطاالله، وهج القصيدة يقظة الذاكرة، دار تموز  للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 2012. ص158.
(2)   إنهاء الياس سيفو، ربيع العمر، مجموعة شعرية، قره قوش، 2008.
(3)   في 1 نيسان 1949 حدثت في تلكيف كارثة سببها ارتفاع منسوب المياه لشدة الأمطار وغزارتها ، فانهار الحاجز وغمرت المياه كل البلدة وتسببتْ في غرق (42) تلميذة بعمر الزهور لوجود المدرسة في مكان منخفض وأيضاَ غرق طفل رضيع وشاب.








غير متصل Enhaa Sefo

  • مشرف
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1668
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://www.enhaasefo.com/


نعم

انه عندي غذاء الحياة

انه مسافة ضوء  ... ألهث صوب اتساعها

وأكتب سفر البداية  لحياة متخمة بالثورات و الانتصارات المزيفة


اشكرك استاذي العزيز د. بهنام على جهودك في اعداد هذه الدراسة

وتحية من القلب لعطائك الادبي


انهاء
 




غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الشاعرة المبدعة انهاء

تحية ادبية

ان ما قمت ُبه تجاهك وتجاه ابداعك الشعري لقليل.. لقد استطعت ِ وبجدارة من اختراق اسوار الشعر النسوي وخاصة في سهل نينوى فلم تبرز شاعرات الا على اصابع اليد وكنت انت احداهن.. فكانت متابعاتك الشعرية ماثلة للعيان .. دمت مبدعة  والى مزيد من الانجازات الادبية.

بهنام عطاالله