تقرير من صحيفة يو تي سان دييغو: المهاجرون العراقيون - معظمهم من الكلدان- وجدوا لهم وطناً هنا في الكاهون
عنكاوا كوم – روكسانا بوبيسكو – ترجمة رشوان عصام الدقاقصحيفة يو تي سان دييغو - U-T San Diego
يأتون هنا لأكل السمك وسماع الموسيقى العربية ، ولكن الغالبية منهم تأتي من أجل الذكريات. ويُمثل السوق التجاري (المول) المُعرّض للشمس وسمك النهرين والدجاج المشوي في الكاهون المكان الوحيد في سان ديكو الذي يمكن فيه أكل سمك المسقوف المشوي حسب الطريقة العراقية على الحطب في فرن طيني.
يقع المطعم الذي يزدهر في هذه الأيام على الشارع الرئيسي في الكاجون بجوار مخبز الشرق الأوسط.
ويمثل الجزء الشرقي من المقاطعة موطن ثاني أكبر مجتمع عراقي بعد ديترويت إذ يعيش هناك حوالي 40 ألف أو 50 ألف عراقي في الكاهون . ووفقاً لوزارة الخارجية الأميريكية، جاء أكثر من 13 ألف منهم منذ حرب العراق عام 2003.
ولدى العراقيين في سان ديكو مشاعر مختلفة حول الذكرى العاشرة لبدء الحرب التي صادفت هذا الأسبوع، إذ يقول بعضهم أنها السبب في شتاتهم، ويشكر البعض الآخر لأنها سببت مقتل صدام حسين، والبعض منهم غاضبون لسيطرة الحكومة الشيعية في أعقابها وبدء الاضطهاد المسيحي وتفشي الفساد وإنعدام القانون.
قال أحد الزبائن الذي كان جالساً في مطعم النهرين ويُدعى ناز بأن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة كان أسوأ يوم في الحياة العراقية، إذ غادر أكثر من مليون شخص للبلاد التي كان فيها الجميع مرتاحين وهم الآن في الشارع الرئيسي يبحثون عن ديم (10 سنتات).
وقال آخر كان أيضاً جالساً في المطعم، كان للحرب نتيجة واحدة جيدة ألا وهي إزالة صدام حسين من السلطة، إذ لم يكن هناك أية طريقة أخرى غير التدخل الخارجي.
ويتفق المهاجرون واللاجئين العراقيين على بعض الأشياء، وهي انتهاء الحرب حسب المنظور الأميريكي لكنها مستمرة بالنسبة للعراقيين في العراق. وأي شخص له أقارب هناك أو يحلم بالعودة الى الوطن، لكن الألم والصراع بعيداً من أن ينتهي. والبلاد الجديدة تساعدهم على بقائهم معاً.
غالبية المهاجرين العراقيين هم من الكلدان الذين يمثلون فرعاً قديماً من الكاثوليك المضطهدين في ظل حكومة العراق الشيعية. وتعّد كاتدرائية القديس بطرس للكلدان الكاثوليك في الكاهون ما مركزاً قوياً في إعادة التوطين. وقبل بضعة أيام كانت النساء تقيم الصلوات باللغة الآرامية في الغرفة الجانبية من الكاتدرائية وقد تعالت أصوات نغماتهم الرقيقة في الهواء فيما كان أحد المُصلين جالساً لوحده قرب المذبح.
ومن مكتبه بجانب الكنيسة يُدير نوري بركة صحيفة ثنائية اللغة تنشر الأخبار المحلية والأخبار العراقية. وقال بركة بأن قناة تلفزيون الانترنيت الكلداني هي الوحيدة في الولايات المتحدة. ويترأس بركة المؤسسة الأميريكية الكلدانية التي تمثل مؤسسة بحثية دفاعية غير ربحية. وبيّن بركة أنشطة الكنيسة المختلفة: مثل الدروس الآرامية لحوالي 600 طفل وجمع التبرعات المنفصلة خلال القداديس والتي وصل مجموعها منذ عام 2008 الى حوالي نصف مليون دولار.
وكان بركة المتخصص بعلم المناعة يُدير شركة للتكنلوجيا الحيوية وغادر العراق عام 1980. وتساءل لماذا يساعد الكلدان بعد 30 عاماً في أميريكا؟ وأجاب لأنهم في دمي.
ثلاث موجاتلماذا هذا العدد الكبير من العراقيين الذين وصلوا في نهاية المطاف الى المقاطعة الشرقية؟ إنها العلاقات العائلية القوية والطقس.
قالت بسمة كودا، إحدى المُشاركات في تأسيس الخدمات الاجتماعية الشرق أوسطية للكلدان، بأنه يُعتقد أن أول عراقي جاء الى الولايات المتحدة كان في عام 1890. ونما المجتمع في ولاية مشيكان بالرغم من الشتاء القاسي حيث كان من السهل الحصول على فرص العمل.
وفي نهاية سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي جاءت موجة الى سان ديكو من العراق ومن ولاية مشيكان. والكاهون مدينة واسعة تمتد بين التلال المتربة التي تذكرهم بالوطن، وكانت مشمسة ورخيصة. تعلم غالبية أفراد تلك المجموعة الأولية على الأعمال المهنية وانتهى الأمر بحوالي 20% منهم في إدارة الأعمال التجارية وغيرها في سان ديكو. وعملت بعض العوائل على جلب أقاربها.
وكانت الموجة الثانية، التي جاءت خلال حرب الخليج، من المسلمين الذين كان يستهدفهم صدام حسين.
وجاء غالبية الكلدان بعد عام 2007 حين قامت وزارة الخارجية الأميريكية بتسهيل عملية قبولهم كلاجئين. ونمت مقاطعة سان ديكو أسرع من غيرها باللاجئين العراقيين وغيرهم من الآشوريين والأكراد والمندائيين. وتميّز إعادة التوطين الأخير بتدمير الوطن والمناخ الثقافي الذي قاد الى التحيّز ضد الشرق أوسطيين والانكماش الاقتصادي الذي جعل من الصعب على الأميريكيين المولودين في الولايات المتحدة السماح للاجئين في إيجاد فرص عمل لهم.
وقال بوب منتوكمري، المدير التنفيذي لفرع سان ديكو للجنة الانقاذ الدولية التي تمثل لجنة غير ربحية لخدمات اللاجئين، قال جاء معظم هؤلاء الناس في أسوأ الأوقات لأن اقتصادنا في حالة مأساوية.
وأخبرنا توني يوسف، الكلداني الذي جاء الى الولايات المتحدة حين كان يبلغ من العمر 14 عاماً، وهو يأكل السمك في مطعم النهرين وقال: كنت أتحدث الى هذا الوافد الجديد قبل شهرين، لقد كسر الرجل قلبي وقال لي رجاءً جد لي عملاً، سوف أعمل بأجر 2 دولار في الساعة، وسأعمل ليوم واحد وأبقى حراً في اليوم الثاني، وكرر ذلك وهو منذهل، لقد كان يائساً الى درجة كبيرة، وأضاف إنهم يقومون بأي عمل لأنه إذا كان لديك أولاد فإنك ستفعل أي شيء.
جاء محمد الى سان ديكو قبل 3 أشهر وهو جالس في المطعم يُشارك والدته المحجبة في أكل سمكة كبيرة غطت عرض المائدة. وبالطريقة نفسها تحدث عن الدولارات التي كان يكسبها في العراق كمشرف هندسي والوحشية التي واجهها، وقال تصاعد الاختلاف مع أحد الجيران حول قطعة أرض وانتهى بالتهديدات على حياتي، ولم أتمكن من الاعتماد على الشرطة لحمايتي، ولهذا لجأت الى أميريكا، وأضاف بأن جميع أحلامه قد تحطمت ويتطلب منه الآن البدء من جديد.
نوع مختلف من الأملإن البدء من جديد في بلد جديد صعب جداً، والبدء من جديد في بلد جديد حين يتم تدمير وطنكم هو الأصعب.
استعرض منتوكمري نظرة مدهشة إزاء فقدان الأمل لدى اللاجئين العراقيين، إذ جعلت الصحوة القاتمة من السهل الى حدٍ ما عدم التفكير والتعليق، إذ ينطبق ذلك بشكل خاص على الكلدان، فمن ناحية عليهم القول أنه من غير المعقول التفكير بالعودة أكثر من ذلك، وينبغي علينا الآن النظر الى الأمام. وينبغي علينا البحث عن فرص لنا ولأولادنا لأن مستقبلنا قد لا يكون في العراق.
وكانت مكاتب وسط مدينة الكاهون – قاعات الاجتماعات والممرات – للخدمات الاجتماعية الشرق أوسطية للكلدان مملوءة في الاسبوع الماضي بالعوائل المنسية. وقال أحد المترجمين المتطوعين الذي ذكر اسمه الأول فقط، أيمن، بأنه كان محامياً في العراق ومضى عليه في الولايات المتحدة 10 أشهر وما زال يبحث عن عمل، وهو يأمل الحصول على عمل يُكافيء ما كان يعمله في العراق، لكنه أضاف بأنه قد يأخذ دروساً للتأهل كمساعد محامي. وقال أنه وآخرين متأكدون من أن الولايات المتحدة بلداً يخضع للقواعد والقوانين، ومع اتباع هذه القواعد والعمل الجاد يمكن المضي الى الأمام، فالنظام هنا شفاف وهو يستحق الكثير.
وفي كل مكان يذهبون اليه يجد هؤلاء القادمين الجدد أسباباً للأمل والأمور التي ستتحسن بالنسبة لهم، فهناك أحد الأقرباء خريج كلية، وأهل مستقرين بأعمالهم، ومن أكثر الأدلة على ذلك هو عشرات الآلاف الذين جاءوا من قبلهم والذين يُديرون الأسواق ومكاتب الأطباء.
انظر الى العشاء والولائم من الأسماك الحمراء والتيلابيا في مطعم النهرين، وهذه ليست التيلابيا التي تستخدم بشكل عام حشوات للسمك وغيرها من المواد المصنعة غير المرغوبة. إن هذه السمكة مشوية بكاملها ولحمها أبيض مثل العاج وهي محمصة، ومع جلدها المُعالج بالكراميل ولونها العسلي تشابه شروق الشمس في بلاد مابين النهرين.