عيد القيامة في سهل نينوى.. حيث المسيحي الذي فقد الأمل بالعيش السعيد في وطنه
عنكاوا كوم- سهل نينوى- خاص الفصح ودرب الصليب والقيامة.. أيام لها أعمق ذكريات في الشرق المسيحي. حزن يشعر به المسيحي اليوم حيث يحس بغربة في وطنه، ويعيش الحزن الآخر لفقدان أقربائه في المهجر وتشتت العائلة المسيحية المشرقية.
عيد الفصح أو القيامة؛ أكبر الأعياد لدى مسيحي العالم والعراق خصوصاً، حيث يتذكر المسيحيين بهذه الأيام اضطهاد ومعانات المسيح من قبل المتنفذين لدى السلطة الدينية اليهودية يومها، والذين كانوا يسمون بالفريسيين، حيث كانوا أبرز رجال الدين اليهودي ومن المحافظين على التقليد الموسوي يومها.
بعد أن يصوم المسيحيون خمسين يوماً، يتناولون الأطعمة البسيطة، وتحرم الكنائس مؤمنيها من اللحوم والبيض ومشتقات الحليب. وفي الصوم يسير المسيحي على خطى المسيح الذي صام أربعين يوماً. وعبر القرون الطويلة، تكونت تقاليد خاصة بمسيحي العراق جعلتهم يقيمون تلك التقاليد كل عام، وصارت جزءاً من العيد.
مسيحي سهل نينوى يتحدثون عن العيد كل حسب ما يروه حاضراً وماضياً. الشاب
سدير أسعد، زار قضاء الحمدانية قادماً من ألمانيا يقول لـ "عنكاوا كوم" إنه "بعد قرابة عشرة أعوام أزور الوطن.. شاهدت هناك تغير بالبنى العمرانية والسوق وكل مفاصل الحياة في بغديدا، حيث نشاهد مظاهر الرفاهية في مناطقنا بعد أن كانت محرومة من الكثير من الأمور".
وفي يوم الأحد الذي يسبق العيد بأسبوع، والمسمى أحد الشعانين، كانت الكنيسة توزع أغصان الزيتون على المؤمنين وكان الفلاحون يغرسون تلك الأغصان في أرضهم الزراعية تبركاً بها لكي تنتج الأرض أفضل الحبوب.
العم
عبد الكريم إيشوع يقول إنه "في هذه الأيام نتذكر بها ألم يسوع يوم الجمعة المسماة بالجمعة العظيمة، حيث قام اليهود بضرب المسيح في أزقة القدس، وبعدها السبت الذي يدعى سبت الفصح وهو يسبق العيد والعيد يكون يوم الأحد حصراً من كل عام. ونستعد روحياً للعيد هكذا تعلمنا من آبائنا وأجدادنا".
قبل العيد تعودت العوائل أو الأشخاص المتخاصمين أن يتصالحوا كتحضير لتصفية القلوب وتطهيرها.
الخالة "
سليمة زيا"؛ امرأة بعقدها الثامن من بلدة كرمليس، قَدِم والدها إلى كرمليس في ثلاثينيات القرن الماضي، تتحدث عن العيد لتقول "قبل العيد بفترة أسبوع تقوم النسوة بإحضار حلوى العيد والمشهورة لدى المسيحيين وهي كليجة وبعدها يقومون بالذهاب للكنيسة أيام الخميس والجمعة والسبت لمشاركتنا الم المسيح".
بعد التفجير في برطلة، البلدة التي تعاني التغير الديمغرافي والتهميش، يقول لسان حالها "نحن من ألم إلى ألم ومن حزن إلى حزن".
يقول الشاب
(أ. ن) إنه "لم يعد أمام البرطلي غير طريق ترك بلدته، فنحن على أعتاب العيد وتفجير يجعل بلدتنا كلها تحزن بل حتى تحدي بقائنا ليس له معنى، فماذا يكون حال الإنسان عندما يخسر عزيز على قلبه، فبلدتنا تتحمل أكثر من طاقتها".
كرمليس المجاورة لبرطلة وبغديدا، أقامت كنيسة كرمليس نصب يمثل نصب سلة تحتوي بيض ملون بداخلها لتكون كنصب تراثي.
السيد
فاروق يوسف ترك بغديدا عام 1965 ليستقر في بغداد ليعود إليها في 2011، يصف العيد قائلاً "بدأت مظاهر العيد تتقلص في مناطقنا فشعورنا حزين فنحن نملك عمارات ولكن ليست لنا كون نحن المسيحيين بدأنا نشعر بشعور عدم الثقة بالوضع في بلدنا بل وشعور يجب تهجيرنا من مكان إلى آخر".
ويضيف "حتى العلاقات الاجتماعية بسبب ظروفنا الصعبة صارت تختلف عن الماضي، ووقتنا صار ضيقاً كي حيث كنا نسمع بأن الوقت ضيق في الغرب، نعيش ذات الظروف بل وأصعب حيث لا توجد اهتمامات في احتياجات الإنسان".
أسواق بغديدا، شهدت رواجاً كبيراً، كان أبرز نشاطاته ملابس الأطفال وحلويات العيد الكثيرة، حسب ما ذكر أصحاب المحال التجارية.
الكنيسة في بغديدا في أسبوع الآلام أو ما يدعوه البغديدي "شبثا دحاشا" بلهجته السريانية، فتقوم الكنيسة بإخفاء تماثيل يسوع والعذراء بالسواد كرمز للحزن.
بهنام؛ رجل مسن يروي أحد تقاليد بغديدا قائلاً إن "كنيسة بغديدا لها تراث في صباح يوم الجمعة العظيمة حيث نصنع شراباً ذو مذاق مر... نغلي سيقان الأشجار والزهور ليكون جاهزاً للشرب، بعد ذلك يدق الناقوس لدعوة الأهالي لشربه حيث يتذكر أهلنا الشراب المر الذي تناوله المسيح وهو على الصليب".
من التقاليد العراقية أيضاً، صبغ البيض؛ حيث تقوم النسوة يوم السبت بصبغ البيض باللونين الأحمر والأصفر كعلامة للفرح والمحبة بالعيد، ويصبغ البيض بالمواد الطبيعية حصراً فيصبغ البيض الأحمر بقشور البصل والأصفر بنبات الخباز أو العدس ويستعمل الشب كمادة مثبتة.
باسمة حنا بابكا؛ إحدى نساء كرمليس التي تحافظ على تقليد متوارث تقول "في صباح السبت قبل يوم أحد الشعانين، أقوم بعجن خبز خاص يسمى (تخراثا داوشعني) خبز الشعانين والتي تكون من البرغل ودقيق القمح مع وضع مادة صفراء على وجه الخبز، ونصنعه على شكل صلبان وأقراص دائرية".
وتقوم الكنيسة بواسطة شباب البلدات، بتزيين جميع أزقة البلدات بأغصان الزيتون وسعف النخيل لتكون علامة الشعانين. والعيد في سهل نينوى تسبقه احتفالات كنسية متعددة في خميس الفصح والجمعة العظيمة وسبت النور في أغلب بلدات شعبنا.
قيامة المسيح هي رجاء المسيحي، لكن عيد القيامة في العراق هو حزن يغيب كل فرحة في البيوت، حيث العوائل تشتتت بالعالم.. وبرطلة تبكي حزناً والإنسان المسيحي العراقي فاقد للأمل بالعيش السعيد في وطنه.