حتى لاننسى..الاب انستاس ماري الكرملي في ذكراه الثانية والستين


المحرر موضوع: حتى لاننسى..الاب انستاس ماري الكرملي في ذكراه الثانية والستين  (زيارة 3561 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1791
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حتى لاننسى..الاب انستاس ماري الكرملي في ذكراه الثانية والستين
   
 الموضوع منقول من موقع  الجريدة
على الرابط التالي:   

http://www.aljaredah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=14528


وسط بغداد الحبيبة وعلى وجه التحديد بالقرب من سوق الشورجة من جهة شارع الجمهورية ومقابل جامع الخلفاء أو ما اصطلح عليه منارة سوق الغزل او المسجد الجامع والذي سكنه لفترة طويلة ابن بغداد الشيخ جلال الحنفي “رحمةالله” تنتصب شامخة باستحياء وتواضع”كنيسة اللاتين”
الداخل الي هذه الكنيسة الجليلة يشاهد قبرا يكاد  يتهالك هو قبر المرحوم الحارس الصلب للغة العربية “لغة القرآن” ولغة أهل الجنة “الاب انستاس ماري الكرملي”وعلى شاهد هذا القبر حفر بيتان من الشعر لتلميذه الوفي الشيخ مهدي مقلد. وهي من قصيدة ارتجلها الشاعر عند مواراته التراب يوم الثلاثاء المصادف 7/ 1/ 1947 جاء في هذه الابيات .
لطمت صدرها عليك لغاتٌ
      في بوادي الاعراب يوم مماتك
وعروس اللغات قد شقت الجيب
     وقامت تنوح فوق رفاتك
ولد الكرملي في بغداد في عام 1870 من اب لبناني وام عراقية وانه من آل عواد المعروفين في جبال لبنان ويعودون بالاصل الى بني مراد الذين سكنوا في اليمامة . وارتدوا عن الاسلام وانتشروا في جبال لبنان فاطلق عليهم العرب اسم المردة




أكرم الشيخ مهدي مقلد


اللغات التي اتقنها
تشغل اللغات التي اتقنها حيزاً واسعاً من ثقافته . يقول” جورج جبوري” مؤلف كتاب : الكرملي الخالد “
“أتقن الاب انستاس ماري الكرملي الكثير من اللغات :
منها اللاتينية واليونانية والفرنسية،والانكليزية،والايطالية والالمانية ، والتركية والفارسية والكلدانية والحبشية والسريانية والعبرية .
كل هذا شكل عنده خزيناً هائلاً من المفردات والتراكيب للمقارنة بين لغات العالم واوجه الاختلاف والتقارب بينها فهو بهذا يؤكد على ان اللغة هي جسر للثقافة بين الشعوب.
ما ان بلغ السادسة عشر من عمره حتى ظهرت عليه دلائل النبوغ في العربية وعهد اليه بتدريسها في مدرسة الراهبات.
في عام 1886 سافر الى بيروت قاصدا المدرسة (الاكليركية) سافر بعدها الى بلجيكا في دير الاباء الكرمليين وقضى ست سنوات كذلك في دير الاباء الكرمليين في فرنسا بمدينة “ مونبيلية دارساً باحثاً الفلسفة واللاهوت واصول اللغات ورشح بعدها كاهنا في عام 1893 وآب الى بلده العراق في عام 1894
وقد انتخب عضوا في مجمع المشرقيات الالماني سنة 1911 ثم في المجمع العلمي في دمشق سنة 1920 ثم المجمع العلمي في جنيف واخيراً في مجمع فؤاد الاول في “ مصر” وقد اهدته الحكومة الفرنسية وساماً علمياً كذلك اهدته الحكومة البريطانية m.b.e
ان هذه السيرة الذاتية الموجزة للاب انستاس ماري الكرملي تعلن وبصوت عال عن قيمة هذا الرجل في مدائن العلم والمعرفة لا عجب اذن ان ينجز هذا الاب المترهب الزاهد من المؤلفات الشيء الكثير والهام .
فقد الف الاب كتبا كثيرة في اللغة والتاريخ والآثار فمن مؤلفاته المطبوعة (الفوز بالمراد في تاريخ بغداد) ، (الجزء الثامن من الاكليل )، (مختصر تاريخ العراق)،(خلاصة تاريخ بغداد)،(جمهرة اللغات)،(اديان العرب )،( نشوء اللغة العربية ونحوها).
ومن كتبه غير المطبوعة ، (الكرد قبل الاسلام )، (ارض النهرين) “ مترجم عن الانكليزية” تاليف اودن بفن وقد نهبت منه في العهد التركي المخطوطات التالية: (تصحيح اغلاط لسان العرب)،( تصحيح محيط المحيط )،(الالفاظ اليونانية في اللغة العربية ).
كذلك يستطرد “ جورج جبوري “ حول شغف “ الاب انستاس” في الدرس والمطالعة اذ انه اقتنى كتباً كثيرة ونادرة ليضمها الى المكتبة الشرقية التابعة للاباء الكرمليين وقد بلغ عدد الكتب التي ضمها الى مكتبة الدير احد عشر الف كتاب عربي مطبوع وثمانية الاف كتاب باللغات الاجنبية وثمنمائة وثلاث  وسبعين مخطوطة منها كتب نادرة مثل (ديوان السموال) وديوان (امرؤ القيس) وكتاب (العين ) للخليل بن احمد الفراهيدي.
ولكن قيام الحرب الكونية الاولى واحتلال الجند الاتراك والالمان للدير جعلتهم يستولون على هذه الذخيرة الادبية ومع هذا لم ييأس فجمع بعد الحرب اكثر من عشرين الف كتاب والف وخمسمائة مخطوطة تضم نوادر المخطوطات التي لا مثيل لها في العالم حفظت هذه الكتب في دير الاباء الكرمليين ببغداد .

مجلس الجمعة
في  فترة الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي تميزت بغداد بمجالسها الادبية ولكن مجلس يوم الجمعة للاب انستاس كان في الطليعة من هذه المجالس بحضور الصفوة في مجالات الادب والفن والاجتماع والفلسفة .
يبتدئ المجلس من الثامنة صباحاً حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً ولانعقاد هذا المجلس في يوم الجمعة فقد اشتق اسمه منها.
ومن رواد هذا المجلس مصطفى جواد ، الشيخ جلال الحنفي ، كوركيس عواد ، الاستاذ منشىء زعرور ، انور شاؤول ، الشيخ مهدي مقلد ، احمد حامد الصراف ، علي الخطيب ، رزوق غنام ، المقدم كمال عثمان ، في مقال بجريدة العراق لصاحبها"رزوق غنام"في العدد 6043 والمؤرخ في 27/ 3/ 1942 يقول فيه"في بغداد المستنصرية ،اليوم نفرمن نظراء لغة القرآن يذود ون عنها وينافحون في سبيل فصاحتها فتراهم في نقاشهم وجدلهم وكأنهم حلقة من حلقات فقه اللغة في عصر المأمون نجد هذه الزمرة المباركة تغشى مجلس العلامة الكرملي صباح كل يوم جمعة.
يقول الشيخ مهدي مقلد وهو من تلامذة ومريدي الاب انستاس في مقال له بجريدة العراق في عددها المرقم 6043 والمؤرخ في 27/ 3/ 1942.
"ينعقد مجلس الاب صباح كل يوم جمعة ويؤمه صفوة من رجال البلد تدور فيه كل البحوث "الا السياسية والدين"ويستطرد في القول : ان الاب غريب في حرصه على الوقت وغريب في صبره على المطالعة وغريب في حياته وتبتله الرهيب كما هو غريب في سموه ،وكأنه قطعة من هرم لم تمتد به يد المهندس او تمر عليه بالتشذيب او التزليم بل قذفت به من غير صناعه فخرج وكأنه عملاق.
ولمجلسه صفة لها جمال ورونق اذ تجد فيه المسلم والمسيحي واليهودي على سرر متقابلين تجمعهم اخوة الوطن والادب"
يوم وفاته
في السابع من كانون الثاني عام 1947 كانت الطليعة المثقفة من رجالات بغداد على موعد لوداع ابن بغداد وعلامتها الاب انستاس ماري الكرملي"يقول العلامة مصطفى جواد يوم ووري الاب التراب ": لقد فارقنا الفراق الاكبر.وودعنا الوداع الاخير آسفين عليك فاقدين بموتك صديقاً صادق الود ،كريم الخلق ورجلاً وهب نفسه للغة العربية.فكان باراً بها"
وبالقرب من مثواه حيث دفن وقف الشيخ مهدي المقلد ليؤبنه بهذه القصيدة


لهف نفسي على حمى بيناتك           
          أين لا اين بنت عن مفرداتك
ولمن قد تركت غر المعاني             
           ولسان الابداع من آياتك
ولمن قد تركت فنا طريفا                 
          لغويا يبكي اسًى لوفاتك
انا شاهدت من وراء المعاني             
           لمحات الخلود في كلماتك
لطمت صدرها عليك لغات               
       في بوادي الاعراب يوم مماتك
وعروس اللغات شقت الجيب           
           وقامت تنوح فوق رفاتك
انا ابكي بك البيان وارثي               
           بك يا جهبذا جليل صفاتك
اين ذاك اللفظ الجميل واين             
       اللطف ولى ياحبر من نبراتك
اين ذاك النقد الجريء توارى           
       عن عيون الكتاب من نقداتك
يذبل العمر مثلما يذبل الروض         
           ويمحى يادهر في لفتاتك
انا اخشاك يا زمان واخشى             
          خطرات مرت على نظراتك
لا اعزي فردا بفقدك الا                 
        لغة الناطقين في مفرداتك

مكانة الاب في العالم
لقد كانت مكانة الاب سامية بين العلماء والباحثين في العالم العربي واحتل منزلة رفيعة بين المستشرقين فكانوا يجلونه ويقدرون ادبه وعلمه وتمكنه في اللغة العربية
يقول الاستاذكوركيس عواد في مقالة له عن الاب تحت عنوان "لمحات في حياة الاب انستاس مار ي الكرملي تحدث فيها عن مكانة الرجل على مستوى العالم .قائلا:
"حدثني الاب ذات يوم ان ملك بلجيكا "البيرالاول"حين زار بغداد سنة 1930 حضر الصلاة في كنيسة اللاتين صباح يوم احد وبعد الانتهاء من الصلاة.طلب جلالته ان يلتقي بالاب انستاس..فحظي الاب بالمثول بين يديه.فقال الملك "انني مسرور برؤيتك.فقد اوصاني الاب هنري رافيسي اليسوعي  وهو احد كبار المستشرقين البلجيك بأن لا تفوتني الفرصة في زيارة بغداد دون ان اراك"وهذا يدل على المكانة المرموقة التي حظي بها الاب عن صفوة المستشرقين والملوك).
دوره في الصحافة
يقول الاستاذ رفائيل بطي وهو مدرسة في نشوء الصحافة العراقية "لم يكن العلامة الكرملي اماما في اللغة ومحققا في المعجمية المقارنة .وباحثا في تاريخ العراق والعرب فحسب بل كان صحفيا ضرب بسهم في هذا المضمار فقد راسل جرائد "البشير والصفا اللبنانيتين"ومجلات مثل المقطم والمقتطف والهلال قبل ستين عاما"أي اثناء صدور هذا الكلام"وبعد صدور الدستور العثماني في عام 1908 انطلقت الاقلام الحرة من عقالها وتحررت الافكار المقيدةاهتم بالصحافة اهتماما كبيرا.وقال فيها...كلامه المأثور الذي سجله مؤرخو الصحافة العربية وهو "الصحافة هي نتاج العقل والعقل العامل.وحيث لا عقل عامل لا صحافة"
ولاننسى انه صاحب اشهر مجلة لغوية ادبية استغرقت الثلث الاول من القرن العشرين.وهي مجلة "لغة العرب"
واخيرا والذكرى الثانية والستين تمر على وفاة هذا العلامة الذي هو مفخرة من مفاخر العراق الادبية ويتربع في القلب من تاريخه اللغوي.
نشعر بالاسى ونحن نطالع ان كاتباً مرموقا هو الاستاذ "على دنيف"في جريدة مرموقة مثل الصباح وفي العدد 1564 والمؤرخ في 23/ 12/ 2008 يقول في معرض حديثة "في ذكرى الاباء الكبار""توفي الاب انستاس ماري الكرملي في عام 1946 ويقول البعض الاخر في عام 1947 في حين ان صحف العراق الصادرة في يوم 8/ 1/ 1947 تنعيه الى وطنه العراق لوفاته يوم الثلاثاء المصادف 7/ 1/ 1947 .ولم تتخلف الصحافة العربية في وقتها عن نعيه كذلك فعودة بسيطة الى صحف تلك الفترة تؤيد ما نقوله
نم ايها الشيخ الجليل"الاب انستاس ماري