زمهرير جمر الصحراء
آدم دانيال هومهلوكنت أملك مفتاح البحر
لفتحت بوابات السموات على مصاريعها أمام أسماك القرش.
*****
أضبط أنفاسي على وقع حوافر حصان نبوخذنصّر
وأعبر برزخ المنافي إلى شاطئ الوطن المطوّق بالمخالب والسكاكين
على هدي أنوار صلوات أمي المخضلة بالآهات والدموع
أبذر كلماتي في أثلام السديم
فتنمو زنابق على نواصي الجبال
وأنثر قصائدي في مهمه الريح
فتتوهج تغاريد على أفنان الأمطار.
أطلّ من شرفة الحلم على البركان الأزلي
أرتدي جلد الملاك الواقي
وأتزحلق على جليد الشفق
أشعر بكامل حريتي وأنا أنزلق من حافة جرف هار
وانحدر سريعا في منعرجات السماء
ألملم شمل الغزلان الشاردة في الآفاق
يتبعني ظلي وهو يعدو أمامي لاهثا
يجرجر أذياله في منزلقات الملكوت.
*****
متألقا كنجم يمتطي صهوة الغيم
أجوب الفضاء الرحب بحثا عن قطعة أرض مجهولة
تليق بشعب المنافي
أحاول سبر أغوار يراعات
ترفرف بين الخمائل التي تأوي إليها أرواح الشهداء
وبين حدائق أجداد تألقت جباههم على ساريات الأفق
والتمعت آثار أقدامهم على صفحات الأنهار
وعيونهم شاخصة إلى مروج الشمس.
أحوّم حول التمائم المعلقة فوق قبور الأولياء
لأشبّ في الحقول توهج المطر
وأعيد للمدن والقرى المسبية أسماءها الأصلية المباركة
وأمنح الزهور الذابلة حياة جديدة
رافلة بالشمس والندى.
*****
هذه االمدن والقرى المندثرة
تاريخها مكتوب بالحبر المقدس على مدافن الآلهة
وهذه رفات الجسور التي مرت عليها جحافل جيوش
لازالت تحتفظ بإسمائها وببريقها
ولم تتنصل يوما من عراقتها... وعراقيتها.
*****
عثرت على أيقونة االغيث بين مفارق نهديك
أوحت لي سنونوة الأساطير بآيات الفحولة
ومزامير الفتوحات
على باب منجمك السحري المفعم باليمامات
أرفع سارية النار
لتتنهد بين فخذيك خصوبة المراعي
وتفوح من أردانك أبخرة السموات.
أيتها الجليلة بين عرائس الأودية والروابي والأنهار
المنمّقة بسندس الأبجدية في هودج الشعر
في زمهرير المساء
يتجمد دم الشمس على خديك
ويصطبغ شعرك برذاذ النجوم
المنفيون من جنائن الوطن
يقرفصون فوق أرصفة المنفى
يذرفون الدمع خارج أسوار المكان والزمان
يتذكرون عتبات هيكلك المقدس
الغارق في السبات
كملاك ميّت يتمطى على حافة الهاوية
وكحشرة تضيء فوق المقبرة.
*****
أنا عاشق
أسكن بين الماء والضباب
أرتعش كسمكة وحيدة على حافة النهر
ترى صورتها تتألق على صفحة الغيوم
تتطاير الأشواق من قلبي كأسراب الفراشات الملونة
وتذيب أنفاسي الثلوج المخضرمة
أطعم الأطفال سنابل قصائدي
ليقشّروا وجه الأرض بأظافرهم
ويصبغوا جلد السماء بألوان طموحاتهم
وآخذ بيدهم إلى ينابيع الماضي الرقراقة
ليشعلوا قناديلهم النورانية أمام بوابات المستقبل.
تتهادى إلى سمعي أصوات رعاة يصعدون منحدرات الجبال
في طريفهم إلى كرنفال الآلهة
ضلوا طريقهم بين الأشواك وهم يجرجرون خلفهم عربة النار
يحاولون الوصول إلى صخرة ينبجس منها السلسبيل رقراقا
لينهلوا منه
ويمنحوا الحياة لكل العطاش الذين طحنتهم المآسي والويلات
على كل الطرقات المؤدية إلى بابل.
*****
أنا...
طائر يجدد أحلامه من بين رماد الذكريات
يحط على غصن يتأرجح فوق الهاوية
يسبّح باسم سوسنة نابتة على ذؤابة الجبل
يتوهج كمرآة في الصحراء
ينزف على أشواك الجحيم
ليتطهر برحيق المطر المنهمر على زجاج الروح
ويتمجّد بمعمودية الشعر
ليحل ضيفا على واحة العشق السحرية
الممتدة مابين تلال الشمس وعنابر الصقيع
ويتلألأ كالنورس على عرش الماء.
*****
تستحم الطيور المهاجرة في النهر المتجمّد على حافة الشمس
تتنشّف بزفير النجوم
ترتدي معطف الريح
تتمرّى في سقوف ظلالها
وتمشي بخيلاء على أرصفة الغيم
حاملة في جباهها مشاعل
تنعكس أنوارها على شواهد قبور أموات
لهم مناعة ضد الموت
يحبسون أنفاسهم في النهار
وينبعثون قبل حلول المساء
ويلقون بأكفانهم فوق أكتاف ملائكة حمقى
ويرسون بظلالهم أمام أبواب القديسين.
*****
مكتوب بالحبر الإلهي المقدس في ألواح القدر السبعة
وعلى قاعدة العرش
مكتوب أن نرث الأرض المطلة على أنهار الجنة
والقائمة فوق كنوز السماء
لننقل العالم إلى بقعة ضوء أكثر إشراقا وأمنا وعطاء
ونملأ قنديل الشمس بزيت أكثر طهرا وصفاء
ونجعل السحب تحبل بأمطار أكثر رونقا ونقاء
ونضيف لونا جديدا لأيقونة قوس قزح
لتعكس وجه الأرض في مرآة السماء
فيتخطى الإنسان عتبة الحلم
لتكتمل معمودية التراب.
*****
مذ ترجّل من صهوة حصانه السماوي المجنّح
عائدا من رحلته الأسطورية إلى منتزهات السموات
خيّم ظلام الكهوف على مشارق الشمس
وبدأ صليل السيوف يدوّي في الجهات الأربع
وبدأت أرواح المخلوقات ترفرف كأسراب الفراشات
مضمخة بالدماء
وطفقت رمال الربع الخالي تجتاح حقول ومدائن الحضارات.
مذاك...
بدأ الله يفقد ذاكرته رويدا رويدا
وصار يمحو شيئا فشيئا ماخطه منذ البدء في اللوح المحفوظ
ليأتي بأسوأ منه
أباح نكاح الزغاليل
وضرب رقاب البلابل والطواويس
وسفك دماء الحمام الزاجل والفراشات المضيئة
ففرت الطيور مذعورة في كل اتجاه
وبدأ أموات على قيد الحياة
يكرعون من الخمرة الإلهية
لتتفتح مسامات قرائحهم على طلاسم الغيب
فيعبثون بمقتنيات الله
ويخربشون على قاعدة العرش هلوسات المراهقين
يلتهمون في الآخرة كل المحرمات في هذه الدنيا
يضاجعون الحوريات اللواتي يتحجبن على الأرض
ويتعرين في منتجعات السماء
ينصتون بشبق الجرذان
إلى هسيس النشوة يسري في أوصالهن البلورية
فيصابون بالهذيان بعد كل عرس مهيب.
*****
الناطقون الرسميون باسم الله
القادمون من مجاهل طقوس إرم ذات العماد
يسوقون أمامهم قطعان السكارى إلى أنهار الفردوس التي تفيض بالحماقات
ويجرجرون خلفهم توابيت مومياءات الأسلاف المقدسة
يستنبطون من تجاويف جماجمها لكل داء دواء
يدورون داخل ظلالهم في مباهج الصحراء
ويجتثون جذور العشب النابت في الواحات
يسلقون أدمغة الأطفال
ويروضونهم في حدائق الحيوانات المفترسة
يقطعون لهم تذاكر مجانية إلى جنات النعيم
ليتناولوا عشاء فاخرا بصحبة الأنبياء
يصنعون لهم أجنحة من الآيات البيّنات
ويقذفون بهم إلى فوهات البراكين
ليتناثروا أشلاء على شبابيك السماء
فيضلوا العنوان
ويصلوا بعد فوات الأوان
ليحلوا ضيوفا على حارس الجحيم.
*****
اولئك المشعوذون الموبؤون بالهذيان
المسكونون بالهوس الشيطاني
الأحياء المتفسخون ذوو الأحاسيس الصدئة
يجترون طحالب السماء... أساطير الأولين
ولايدعون الله يعرف طعم القيلولة
يحملون على أكتافهم نعش العالم
ويدحرجون الكرة الأرضية عكس اتجاه مسار الشمس
يتسترون وراء الآيات المتشابهات
ويمارسون طقوس الموت
ويشوهون كل جمال يتلألأ في هذا العالم
منظرهم يبعث الرعب في أوصال الإنسانية
لاتكتمل نشوتهم إلا في آلام الآخرين
يقفزون من كهوف الجاهلية إلى ناطحات السحاب
بفتوى واحدة
ويحلقون على صهوات الملائكة إلى فجر السلالات الأولى
شهواتهم تتناسل كالذباب المتراكم على تويجات نهود مطلية بالعسل
يعلقون سراويلهم على سياج القمر
يتوضأوون بالدموع التي ترشح من مآقي القوارير
ويدخلون جلود النساء عراة لأداء صلاة العصر
ولايخرجون إلا بعد انتهاء صلاة الفجر
لايقابلون النساء إلا مستلقيات
ليتمكنوا من حرثهن أنى شاؤوا
يتقاسمون عذاباتهن فوق سرر من زمهرير الجمر
وهم يشاطرون شبق خفافيش الليل
يرددون كالببغاوات ماألقاه الشيطان على ألسنة الأنبياء
ولايدركون بأن الطريق إلى المياه العذبة طويلة وشاقة
وسلوكها أصعب من ارتقاء النجوم.
*****
لاأدري ماذا يدور في خلد السكارى وهم يتسابقون إلى صعود سلالم الريح ليصلوا إلى مملكة الجنون.
*****
من خلال ألمي المقدس
أسمع رنين أجراس القيامة
تنبعث من نجمة حلت فيها روح الأبدية.
*****
نيسان 2013
adamhomeh@hotmail.com