ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة


المحرر موضوع: ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة  (زيارة 2308 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هاشم عبود الموسوي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 64
    • مشاهدة الملف الشخصي
ترجمة الشعر : تلك الخيانة الجميلة

د.هاشم عبود الموسوي
 
يقول الشاعر الفرنسي "بيار ليريس": ترجمة الشعر أمر مستحيل, مثلما الامتناع عن ترجمته أمر مستحيل).
وبما أني مارست ترجمة الشعر لفترة طويلة, خاصة من اللغة الالمانية الى العربية, فقد تولدت لدي القناعة بأن الشعر المترجم, اما أن يكون أحسن من الاصل أو أسوء منه, ويندر أن يكون بمستواه تمامآ.. وهنا أشير الى أنه من الخطأ المغالاة في الامانة .. الامانة التي أن صحت في الحقائق العلمية والمسائل الدينية, فلا تصح في الشعر, وقد أخفق كثير من المترجمين عندما أتخذوا مثل هذا المنحى.
وأصعب ما في ترجمة الشعر, أنه يحتاج الى قريحة منفتحة.. حيث توجد عقبات في ترجمته, وتتمثل في غرابة التراكيب اللغوية التي تمتاز بها قصائد بعض الشعراء, وبما ان الشعر يعتبر لغة في اللغة, فأنه يسعى الى أبتكار تعابير لغوية عصية على الفهم للقارئ المتخصص باللغة الاصلية, فكيف سيكون حال المترجم الذي عليه أن يجيد صياغتها في اللغة الاخرى, حيث يستحيل نقل كل القيم التعبيرية والشعرية التي تطفح بها القصائد.
ويشكل عدم معرفة قارئ الشعر المترجم (كمتلقي) بالتضمينات الثقافية للقصيدة,أو قلة معلوماته عنها, عقبة جدية في طريق التلقي الانسيابي والسلس لها. مما يعيق لديه عملية الاندماج بسبب الاختلاف في الخاصية الثقافية Culture Specific وكمثال على ذلك يقول الشار الجاهلي:
ومن يصنع المعروف في غير أهله – يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
(أم عامر عند عرب الجاهلية "كنية للضبع" ولنفرض أنه ترجم على الصيغة التالية:
That who do a favor to those, who deserves it not; he may returned back as that, that made a kind act to Um Aamir
فمن أين يستطيع ان يعرف القارئ الانكليزي ان تعبير Um Aamirهو كنية للضبع ... ولكن من الواجب على المترجم أن يستعمل الاسم الصريح للضبع Hyena ويضع هامشا يشرح فيه حكاية الاعرابي.
وهنا لابد أن أستحضر اسم شاعر كردي مهم برز في القرن العشرين وترك بصمة على الادب الكردي الحديث, الا وهو الشاعر الرومانسي الكبير "عبد الله كوران", الذي تغنى بالجمال والمرأة وحب الوطن, وتمكن من القيام بوصف الطبيعة الكردستانية الرائعة ضمن أساليب واطر فنية.. وقد سمعت من الادباء الكورد الذين تعرفت عليهم, بأن أكثر المثقفين وحبي الادب من الكورد يحفظون على ظهر قلب الكثير من قصائد كوران الرومانسية. وأن الغناء والموسيقى الكردية مدينة لقصائد وأشعار كوران الرومانسية.
رغم أني كنت قد قرأت في خمسينيات وستينات القرن الماضي قصائد لهذا الشاعر الفذ, وأكثرها كان يلتزم بخطة السياسيي الوطني والايديولوجي .. والذي كنا ونحن شبابا متحمسين له .. ولا أتذكر اسماء المترجمين لتلك القصائد.. لكني لم أكن أعلم بأن أكثر الاغاني العاطفية الكردية شهرة وعذوبة كلماتها مأخوذة من شعر الشاعر كوران.. الا بعد قدومي الى كردستان وأقامتي فيها لا كثر من سنتين .. فكانت لي فرصة لاعيد من جديد قراءة هذا الشاعر التي أثارت قصائده الغنائية مخيلة القارئ وعزفت على أوتار القلوب.
وما أريد أن أقوله هنا هو أن هذا المبدع الفذ لم يتسنى له أن يجد شاعرا عربيا يجيد اللغة الكردية, وقد قام بترجمة قصائده بشكل مبدع فكانت أكثر الترجمات التي وصلتنا آنذاك, لم تكن في صالح القصائد.. لان كوران الذي اعتملت نفسه بمضامين قصائده, والذي أبدع مفرداتها, وكتاباتها, وتشبيهاتها. وصورها البديعة, لا شك أنه شكل لوحات شعرية لم يستطيع غيره (وممكن لم يكونوا من الشعراء, ان يأتوا بمثلها) لانهم اساسا لم يكونوا شعراء, وأنما من المتحمسين لانتمائه الايديولوجي فقط .. وكان أكثرهم ينوء تحت عبء زخات النص الشعري الذي يمتلكه الشاعر, ويفتقده الاخرون.
لقد نجح القلائل في ترجمة التهويمات العاطفية المشحونة لهذا الشاعر.. مثل الاديب الدكتور رؤوف عثمان.. والذي يذكر تعليقه على ترجمته لقصيدة "كوران" "الخريف" (بأن محاولة أعادة أنتاج النص والنقد معا من قبل المتلقي وفق التسلسل الترتبي :(النص-ترجمته-نقده) تحمل بعضا من مسؤولية ترجمة الشعر التي لا تفي ابدا بالمقصود, ولا سيما في مجال الايقاع الداخلي, وتوظيف المفردة الشعرية في فضائها المخصصة لها.
ان لكل لغة سماتها النغمية والصوتية المميزة, ومنطقها النحوي والتركيبي. ناهيك عن أهمية مواضعة المفردة الشعرية في المعمار الفني للقصيدة.
وخلاصة هذي المقدمة البسيطة التي أطرحها في محاظرتنا هذه, هو أنني أرى بأن الشعراء أنفسهم, هم أفظل من يتصدى لهذه المهمة الشاقة, ويبرع في تحقيقها, خاصة أذا كانوا على صلة وثيقة باللغة الاصلية للنص, كما باللغة التي ينقلون النص اليها, ذلك, أنهم أفضل من يدرك سر العملية الشعرية وكيميائها الداخلية المعقدة, بعيدا عن النقل الحرفي والترجمة الجامدة, والخالية من الروح, وهو أمر تؤكده شواهد كثيرة في العقود المنصرمة, كما هو الحال في ترجمات تولاها شعراء معروفون من مثل أدونيس, وسعدي يوسف, وميشال سليمان, وكاظم جهاد, وعبد الصبور, وأنيس الحاج, وفؤاد رفقه, والمهدي, ورفعت سلام , ومحمد بنيس وأدريس الملياني .. وغيرهم
وقد أبدع أديب آخر في ترجمة الشعر وهو ليس من الشعراء .. وقبل أن يقوم بترجمة أربعة مجاميع من الشعر العراقي الى الانكليزية, كان قد أنجز ترجمة 25 كتابآ أدبيا .. ذاك هو المترجم الفذ الدكتور عبد الواحد محمد مسلط .. فقد وقعت بين يدي ديوانين مترجمين من قبله. أحدهما بعنوان "العشبة" وهو يحتوي على مجموعة مختارة من شعر "عيسى حسين الياسري" والثاني بعنوان "أفرديت" للشاعر محمد حسين آل ياسين. والذي كلما كنت أستمع اليه وهو يلقي قصائده باسلوبه المميز, أحس بان نفحات أدب العصر العباسي لا تزال تعيش بيننا وتعطر أيامنا. وقد أستطاع هذا المترجم المتمرس بأن يحقن نصوص تلك القصائد بالكثير من نفحاته الاسلوبية والوجدانية وبقاموسه اللغوي الخاص, بحيث اصبحت النصوص (ولو دون قصد, خليطا هجينا بين نصين أحدهما بقلم الشاعر والاخر بقلم المترجم عبر الاحتفاظ النسبي بروح الشعر ومجاله الحيوي والرؤيوي.
وفي زمان الانفتاح الكبير, والنشر الالكتروني الواسع, وتقدم الاتصالات, وتقنيات المعلومات الذي تعيشه البشرية اليوم, وحيث ينشغل العالم بحوار خلاق متوهج .. أنفتحت الشعرية العربية الحديثة عن طريق الترجمة على كثير من الشعريات الفرنسية والانكليزية والالمانية والاسبانية والروسية والايطالية وغيرها .. وقد برزت أقلام وقرائح متميزة في مجال الترجمة الشعرية, أذكر منها الشاعرة والاديبة العراقية المتميزة "أ.د. أنعام الهاشمي" والمقيمة حاليا بالولايات المتحدة الامريكية. والاديبة اللبنانية "جوزيه حلو" والتي تعيش حاليا في فرنسا. والتي ترجمت, وترجم لها شعرا من الفرنسية الى العربية .. والاديب العراقي الناشط في الترجمة من الالمانية الى العربية الدكتور بهجت عباس والمقيم حاليا في ألمانيا، والدكتور عادل صالح الزبيدي والدكتور حيدر الكعبي اللذان يترجمان الشعر من الانكليزية الى العربية, وصديقي الاديب الكردي المقيم في النمسا "بدل رفو" والذي يترجم الى العربية من اللغتين الكردية والالمانية .. وبنيامين يوحنا دانيال والذي ينشر ترجماته الموفقة من اللغتين الكردية والانكليزية الى العربية ،ورياض عبد الواحد، وغسان أحمد نامق، وسالم الياس مدالو و أ.د. ضياء نافع الذي يترجم عن الروسية
وكثير غيرهم ممن مدوا الجسور الى الثقافات العالمية, يرتشفون منها أداب وثقافات شعوب الارض وأنا أجزم بان كل هذه الجهود سيكون لها دورا حاسما ومهما في سيرورة تحديث شعرنا العربي.
وأعود فأقول بأن ترجمة الشعر بالدقة الكاملة, ستبقى أمرا خارج من مقدورنا تماما. لاستحالة نقل كل القيم التعبيرية والشعرية التي تطفح بها القصائد, ومن هنا لا مفر من الخيانة في أي من درجاتها .. ولكنها تبقى خيانة جميلة لا يمكن لنا أن نستغني عنها. وكما يقول الاديب والمفكر "كاري أدموند" : (بأن كل قصيدة شعرية, تعرض أمامنا تطابقا غريبا بين أيقاعها ومضمونها الفكري, لذلك يصعب أعادة أنتاج هذا التطابق بنجاح حتى في حالة اللغات المتقاربة كالانكليزية والالمانية مثلآ. ولكن بالرغم مما نقوله وندعيه عن أستحالة ترجمة الشعر فأن تراكمآ هائلآ نجده أمام أعيننا ويتعزز كل يوم بأستمرار في نقل آلاف الدواوين والقصائد, فائقة الصعوبة الى مختلف اللغات, برغم التعقيد الشديد الذي يواجهنا في أيجاد صيغه تتغلب على مشكلة اللغة الشعرية ومظهرها والتي هي تعتبر من أكبر المشكلات الشائكة.
ربما أستطيع أيضا ان اسجل ملاحظة لفتت أنتباهي الا وهي ارتباط اسماء بعض من الشعراء العرب (الشرقيين) بشعراء أجانب, وكأنهم صاروا متشبعين بروحية أشعارهم .... حيث نلمس تحاور ومحاكاة بين السياب وستويل, وعبد الصبور واليوت, وأدونيس وبيرس, وسعدي وريتسوس, ويوسف الخال وباوند, وأنس الحاج وآرتو, وفؤاد رفقه وهولدرلين, والمهدي أخريف وبيسوا, ورفعت سلام وكفافيس, ومحمد بنيس ونوبل.
وأخيرا أقول برغم كل هذا الابداع الترجمي الذي حفلت به العقود الفائته, فأننا ربما أخذنا أكثر مما أعطينا, وتأثرنا اكثر مما أثرنا .. حيث لدينا نماذج محدودة من الشعر العربي القديم, بما فيه الاندلسي, من أحدثت أثرها في الشعر الاخر