كنا وقد أزفّ المساء
جيران خليل جبران ..
كنا وقد أزف المساء *** نمشي الهوينا في الخلاء
ثملين من خمر الهوى *** طربين من نغم الهواء
متشاكيين همومنا *** وكثيرها محض اشتكاء
حتى إذا عدنا على *** صوت المؤذن بالعشاء
سرنا بجانب منزل *** متطامن واهي البناء
فاستوقفتني وانبرت *** وثبا كما تثب الظباء
حتى توارت فيه عني *** فانتظرت على استياء
وارتبت في الأمر الذي *** ذهبت إليه في الخفاء
فتبعتها متضائلا *** أمشي ويثنيني الحياء
فرأيت أما باديا *** في وجهها أثر البكاء
ورأيت ولدا سبعة *** صبرا عجافا أشقياء
سود الملابس كالدجى *** حمر المحاجر كالدماء
وكأن ليلى بينهم *** ملك تكفل بالعزاء
وهبت فأجزلت الهبات *** ومن أياديها الرجاء
فخجلت مما رابني *** منها وعدت إلى الوراء
وبسمت إذ رجعت *** فقلت كذا التلطف في العطاء
فتنصلت كذبا ولم *** يسبق لها قول افتراء
ولربما كذب الجواد *** فكان أصدق في السخاء
فأجبتها أني رأيت *** ولا تكذب عين راء
لا تنكري فضلا بدا *** كالصبح نم به الضياء
يخفي الكريم مكانه *** فتراه أطيار السماء
ثم انثنينا راجعين *** وملء قلبينا صفاء
مفكهين من الأحاديث *** العذاب بما نشاء
فإذا عصيفير هوى *** من شرفة بيد القضاء
عار صغير واجف *** لم يبق منه سوى الذماء
ظمآن يطلب ريه *** جوعان يلتمس الغذاء
ولشد ما سرت بهذا *** الضيف ليلى حين جاء
فرحت بطيب لقائه *** فرح المفارق باللقاء