سامي بهنام المالح
نعم لوحدة الكلدان و لا لعزلهم عن اخوتهم
نعم ان التنسيق و العمل المشترك و تشكيل الاتحادات و التجمعات وصولا الى وحدة الكلدان عملية ضرورية و هامة. و لابد لكل من يتطلع الى تعزيز و تطوير نضال شعبنا، مباركة كل الجهود الوحدوية الصادقة و تثمينها عاليا.
غير ان لاي وحدة او اتحاد اهداف اساسية، انية و استراتيجية، من حق الجميع مناقشتها و تقيمها. و على الاتحاد الذي يتأسس و يولد في ظروف تاريخية معينة، و يطمح لتمثيل ارادة الجماهير، ان يحاور الجماهير و يستمع الى و جهات نظرها و ان يدرس ارائها و انتقاداتها المخلصة بجدية و مسؤولية.
مما لاشك فيه ان وحدة كل الكلدان، لا تتجسد، و لاتتمثل بتشكيل اتحاد بين عدد من الاحزاب و القوى السياسية الكلدانية، على اهمية تشكيل مثل هذا التالف او الجبهة السياسية. ففي وضع شعبنا المعقد، و في ظل الواقع العراقي المتشابك و المعروف، تبقى قضية وحدة كل الكلدان حول اهداف واضحة و واقعية، و تجميع كل امكاناتهم و طاقاتهم و تحويلها الى الفعل النضالي الموحد على الارض، واحدة من القضايا النضالية الهامة و الاساسية.
فهناك المئات بل الالاف من الكلدان الاكاديمين و المثقفين و المهتمين بمصير شعبهم، لهم مساهماتهم و عطاءاتهم و علاقاتهم الجماهيرية الواسعة، وهم مستقلون و ليسوا حتى مناصرين للاحزاب و التكتلات الحزبية. و هناك عدد كبير من الكلدان ممن يعملون في تنظيمات و احزاب اخرى، لا يقلون عطاءا و اخلاصا من اعضاء احزاب الاتحاد الكلداني، و هم ايضا يهمهم جدا ان تتوحد جهودهم، و ان لا يغيبوا، و يتطلعون لكي يكون لهم حضورهم في تحديد مصير شعبهم.
لا خلاف ابدا على اهمية الاعتزاز بالانتماء و ابراز الهوية القومية، و خاصة ان جزءا لايستهان به من الكلدان وتحت تاثير الاحداث و الظروف القاهرة عبر التاريخ، لم يتسنى لهم الاهتمام بتطوير وضعهم القومي و تطوير الثقافة القومية واللغة، الامر الذي ادى بمجموعات منهم منتشرة في اكثر مدن العراق، الى التركيز اولا على التأقلم مع الواقع و المحيط ، و الاهتمام بالعلم و الثقافة العراقية العامة، و بالوعي و النضال الوطني و الديمقراطي، وكذلك السعي الى الحصول على الشهادات العلمية و الوظائف الجيدة لضمان حياة لائقة و كريمة. فضلا عن التمسك الشديد و التشبث بالكنيسة، و بدورها كمؤسسة وحيدة قادرة على لم الشمل و المحافظة الى حد كبيرعلى الهوية و الخصوصيات.
كما انه لا نختلف ابدا على التقيم الايجابي لتحرك كنيستنا الكلدانية و تقدير دعوتها للاهتمام بالجانب القومي و التحريض على النضال من اجل حقوقنا القومية و الدينية. ان هذا الموقف هو بمثابة انعطاف هام و اساسي، سيمد الرعية بالمسوغات الروحية و القوة، للاهتمام بالجانب القومي وتطوير الوعي و الثقافة القومية الى جانب الاعتزاز بأيماننا و تقاليدنا و تراثنا الديني. و على حد تعبير الاب صبري مقدسي في لقائه مع اهله و رعيته في ستوكهولم، ان المسيح الذي يدعونا الى المحبة و العمل الصالح و رفعة الانسان و التضامن، لم يقل لنا او لابناء الشعوب المسيحية الاخرى ان يتخلوا عن مشاعرهم القومية ، و لم يدعو ابدا الى التخلي عن الهوية و الخصوصية.
نعم اننا نتفق تماما على ضرورة تفعيل دور الكلدان و تنظيم صفوفهم و تطوير حركتهم القومية و السياسية، و العمل الجاد و الشجاع و المخلص من اجل الحصول على حقوقهم المشروعة الوطنية و القومية، و رفض التهميش و الاضطهاد و التعريب و التكريد، و محاربة الياس و اللاابالية و النزوع الى الهجرة و التغرب.
الخلاف في الحقيقة يبدأ عندما يجري التخطيط لعزل الكلدان عن اخوتهم في الدين و الارض و التاريخ و اللغة و التراث و التقاليد، و غيرها الكثير من الاواصر و العلاقات، التي هي اكثر بكثير من العناصر و العوامل التي توحد الشعوب الشقيقة الاخرى في العراق.
الخلاف يبدأ عندما توجه وحدة الكلدان وجهة غير عقلانية ، وعندما تستهلك طاقاتهم في صراعات جانبية محبطة.
الخلاف يبدأ عندما يتحول مشروع وحدة الكلدان الى مشروع انعزالي و محاولة لتكريس تشتت و انقسام شعبنا.
الخلاف يبدأ عندما يطرح مشروع الوحدة كمشروع متعصب لمواجهة التعصب الاشوري ، وكرد فعل على اصرار جزء من الاخوة الاشورين على تنكرهم المدان لوجود الكلدان و مشاعرهم.
الخلاف يبدأ عندما يجري تصور الاشورين و كانهم اعداء، و اعتبارهم السبب في المظالم الواقعة على الكلدان والدعوة الى الحرب ضدهم و الانتصار عليهم. و عندما لا يجري التجاوب و بثقة مع الاكثرية الاشورية السريانية التي تنشد الوحدة وتحترم الكلدان و تريد معالجة اشكالية التسمية كأشكالية داخلية او ذاتية.
الخلاف يبدا عندما يجري رسم حدود و تشيد عوازل و حواجز، باسم الوحدة، في وجه كل من يجرؤ على طرح التساؤلات، و التفكير بشكل مغاير، و رؤية الامور من زوايا اخرى . و عندما يجري تخوين كل من يدعو الي الحوار و التلاقي و التوافق . و عندما يصر قادة الوحدة على حقهم المطلق في تمثيل الامة، و سحب الهوية الكلدانية عن كل من فكر يوما، او يفكر اليوم في التحالف او الوحدة مع الاشورين و السريان.
ان للكلدان و كما هو معلوم طاقات كبيرة، و لهم تجارب غزيرة في العمل و البناء و النضال الوطني و الديمقراطي، و كانوا دائما في علاقات تضامنية اخوية مع كل ابناء العراق كانت موضع تقدير و تقيم الاخرين ، و لقد و قف ابناء البلدات و القرى الكلدانية موقفا مشرفا من اخوتهم السوراي و تعاملوا معهم كابناء شعبهم و فتحوا لهم قلوبهم و بيوتهم عند المحن.
اتذكر جيدا و انا طفل في بداية دراستي الابتدائية كيف استقبل اهل عنكاوه بعض العوائل النازحة من القرى الجبلية البعيدة عندما تم حرقها من قبل النظام القومي البعثي المجرم في عام 1964 . حينها كنا نسال نحن الصغار عن الوافدين و عن سبب حزنهم و فقرهم. والدي ، الذي كان رجلا صالحا و مهتما جدا بوضع شعبه، جاوب على سؤالي حين ذاك ، و فسر لي الامر بصدقه و ببساطة. قال : ان هؤلاء يا ابني هم منا ، من اهلنا ، انهم سوراي من لحمنا و دمنا ، و علينا ان نتقاسم معهم الحال كاهل لنا ، و ليس كاغراب.
ان طاقات الكلدان و خبرتهم في العمل الوطني و الديمقراطي، و تطور وعيهم القومي اليوم، تؤهلهم ليلعبوا دورهم التاريخي في التصدي للتعصب، و تحمل مسؤولية تعزيز اواصر و حدتهم مع اهلهم من الاشورين و السريان. تؤهلهم ان يتحولوا الى قاطرة للتضامن و الوحدة و ليس العكس. تؤهلهم لزرع المحبة و الالفة و الثقة و الامل، و النطر بعيدا نحو الافاق بشكل ستراتبجي، بعيدا عن مصالح اليوم و الظروف الانية المتغيرة و المتحركة بسرعة. تؤهلهم ان يسقوا و يرعوا و يحموا الشجرة الواحدة، كي تنمو و تكبر، يانعة باسقة خضراء، جميلة بجذعها الشامخ و بكل فروعها و اغصانها.
ان وضع العراق المعقد للغاية، و كل ما يحيط به، و المخاطر الجدية المحدقة بقضيتنا و مصيرنا المشترك نحن الكلدان الاشورين السريان، تدعونا جميعا و خاصة نحن الكلدان، الى ان نقدم البديل الصائب و ان نبحث بصدق و اخلاص عن الحلول المناسبة، لكل الاشكالات و العوائق التي تقف في طريق تضامننا و توحيد جهودنا و انضاج مشروعنا النضالي المشترك. فاننا ، و ان اختلفت تسمياتنا ، و ان كان بيننا من يتعصب و يتنكر للاخر، ومن يستأثر بالكراسي و المكاسب الحزبية، و من يريد تقسيمنا و تشتيت حركتنا السياسية القومية و اجهاض قضيتنا. فنحن رغم كل ذلك نحتاج لبعضنا البعض. نحتاج ان نتحالف مع بعضنا بصدق و اخلاص. نحتاج لبعضنا لنصبح صوتا واحدا، لعله يسمع، في هذا الضجيج و الصخب العراقي المخيف. نحتاج لبعضنا كي نصبح اكثر هيبة، اكثر قوة، و اكثر شرعية، تاريخيا و جغرافيا و ثقافيا.
ان قضيتنا كلنا معا هي اكبر من ان تحصر باشكالية التسمية. هذه الاشكالية التي لا بد لنا ان نحلها ، بما يعزز قضيتنا و يوحدها ، و يرفعها كي تصبح قضية شعب اصيل و عريق و واحدة من القضايا المطروحة على جدول الاعمال في الوضع العراقي قبل فوات الاوان .
ليس من صالح الامة الاشورية ابدا ان تتشبث بالتسمية الواحدة، و ان تضحي بطاقات الكلدان و السريان المختلفين معهم حول التسمية.
كما و ليس من صالح الكلدان الرد على التعصب بمثله، و طرح البديل الخطأ القاتل في تقسيم شعبنا الى ثلاث قوميات منفصلة في الدستور. و ليس من صالح السريان تقليد المتعصبين و الوقوع في شراك العزلة.
المصلحة الحقيقية للجميع ( و اقصد مصلحة الشعب المسكين و ليس مصلحة القادة و من يمارس السياسية كمهنة و وظيفة) تكمن في الحوار المستمر و الاحترام المتبادل و لم الشمل و التضامن و الصدق و الثقة، و تكمن في الاصرار بشرف على تبني برنامج نضالي موحد ، واضح و شجاع ، و باستقلالية تامة. برنامج موحد للدفاع عن الشعب الواحد و احقاق حقوقه الواحدة و تثبيتها في الدستور.
لا يمكن لسياسي، اشوري او كلداني او سرياني ، واعي و مخلص ، ان يقنعنا، بان السلطات العراقية و الحركة السياسية و الشعوب الشقيقة في العراق، ستقر و ستضمن حقوق قومية ، مختلفة ، اشورية و اخرى كلدانية و اخرى سريانية ، تجاوبا مع اصرار قادتنا المتعصبين على تقسيمنا الى ثلاث كيانات، او قوميات او امم او شعوب عريقة كما يدعي الجميع.
و لا يمكن لمخلص و جدي ان يقنعنا، بان حقوق الاشورين تختلف عن حقوق الكلدان و تختلف عن حقوق السريان.
ففي واقع التداخل و التشابك و الاختلاط و االتصاهر، و اللغة الواحدة و الثقافة المشتركة و الجغرافيا و التاريخ واتراث و التقاليد و.....الخ يكون من المستحيل تقسيم حقوق شعبنا الواحد، الدينية و الثقافية و الادارية، و تجزئتها، و ضمانها دستوريا و قانونيا.
فتقسيم شعبنا و جعله ثلاث قوميات يعني تقسيم حقوقنا الغير مضمونة اصلا. لا بل يعني ذلك، من الناحية العملية و السياسية، تفتيتها و التخلي عنها.
هل حقا لا يدرك ابائنا الروحانين و قادتنا و ممثلينا في الجمعية الوطنية اهمية و حدتنا و تجميع قوانا، وفي هذه المرحلة الحساسة و المصيرية، لكي تصبح جزءا هاما من مجموع القوى العلمانية و الديمقراطية العراقية و من نضالها الصعب في سبيل عراق علماني ديمقراطي مزدهر.
هل حقا يعجزون عن التفكير المنطقي، و رؤية الواقع كما هو، و التعلم من تجارب الغير في عراق اليوم.
نعم ان وحدة الكلدان و نهضتهم القومية و اعتزازهم القومي، امر هام و اساسي لتطوير نضال شعبنا الكلداني الاشوري السرياني. و لذلك عليهم تحمل المسؤلية لايجاد السبل و الطرق الكفيلة بتعزيز اواصرالوحدة و تجميع الطاقات و توجيهها في خدمة اهداف شعبنا كله، في خدمة الكلدان و اخوتهم و ابناء شعبهم الواحد.
لتكن وحدة الكلدان، قوة جذب، و محور تجميع، و اداة لمواجهة التعصب و التشتت. لتكن وحدة حكيمة و صادقة و خاضعة لمصلحة شعبنا العليا. لتكن وحدة مستقلة سياسيا و جماهيرية من اجل حقوقنا كشعب، و ليس للقتال من اجل التسمية و حسب.