ديوان الشَّاعر صلاح فائق "دببة في مأتم" لغة بديعة منسابة كإشراقةِ الصَّباح


المحرر موضوع: ديوان الشَّاعر صلاح فائق "دببة في مأتم" لغة بديعة منسابة كإشراقةِ الصَّباح  (زيارة 2341 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صبري يوسـف

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 96
    • مشاهدة الملف الشخصي


ديوان الشَّاعر صلاح فائق "دببة في مأتم"
لغة بديعة منسابة كإشراقةِ الصَّباح

صبري يوسف*
   

الشُّعراء باقاتُ حنطة، حكمةُ صعودٍ إلى قممِ الجِّبال، أصدقاءٌ من بهاءِ ربيعٍ دائم الإخضرار. تبعثروا على وجهِ الدُّنيا كطيورِ الجنّة، يغيبونَ طويلاً، ثمَّ يعودون إلينا، محمّلين بحفاوةِ الشِّعرِ عبر نقاوةِ الأثير.      

قرأتُ ديوان: "دببة في مأتم"، للشّاعر صلاح فائق، الذي صدر مؤخَّراً عن طريق منشورات الجمل، وقد وصلني عبر البريد الالكتروني، كأنّه هديَّة متهاطلة عليّ من مآقي غيمة طافحة ببهجةِ العطاء!        
                                                  
استمتعتُ استمتاعاً عميقاً بقراءةِ ديوان: "دببة في مأتم"، ولم أجد دببةً في مأتم، بقدر ما وجدت كرنفالاً شعريّاً شامخاً نحو عرين الشِّعر، نحو روحِ الشِّعرِ، نحو ألقِ الشِّعر، نحوَ وهجِ الشِّعر. هذا الوهج الَّذي هجر الكثيرين ممن يكتبونه في الآونة الأخيرة! وبعض الدّببة الفضوليين مذهولين أثناء قراءتهم ومتابعتهم لهكذا تجلِّيات شعريّة باذخة، كتبها شاعر متألِّق في رحابِ المآدب والأفراح والسَّفر عبرَ وهادِ اليابسة وأمواجِ البحار، وعبر غربة مفتوحة على رحابِ الرُّوحِ، متأمِّلاً تأمُّلاً عميقاً خلالَ غفوةِ اللَّيلِ الطَّويل!    

يكتب الشَّاعر صلاح فائق نصّه الشِّعري، كأنّه في حالةِ تأمُّلٍ عميق يجنحُ عبر رؤى حلميّة نحو أسلافه السُّومريين، فيشعر بأنينٍ عميق لِمَا حملوه الأسلاف من خصوبة في صميمِ أرضِ العراق القديم، وما زرعوه من بذورٍ إبداعيّة راقية في تراب العراق، فيرى أوطانه تزدادُ انشراخاً، وتتحوَّلُ إلى تناحراتٍ عقيمة، محفوفة بالانزلاقات نحو أعماق هاويات الجَّحيم، كما حصل ويحصل في العراق الآن، في عراقه المعرّش فوق حضارة الحضارات. ينظر إليها من خلالِ تدفُّقاته الشِّعريّة وتأمُّلاته البديعة، فيذرفُ دمعة لِمَا كان بينَ أجنحةِ العراق القديم في أوجِ ألقه وشموخه، ولِمَا آلَت إليه كركبات وسخافات هذا الزَّمن الأحمق، فلا يرى شاعرنا خلاصاً لِمَا يعاني منه الوطن والمواطن من احباطٍ مشين، إلا وهجَ الشِّعرِ، كي يفرّغ تدفُّقات يراعه فوقَ مروجِ الشِّعر ووهاده وسهوبه ومرافئه الفسيحة.                                              

يرى الشَّاعر أنَّ زمنَنا معفَّرٌ بروثِ البقر وتكلُّس الفكر، وملوّثٌ بالجنوحِ نحوَ قشورِ الحياة، زمنٌ تركَ جمال الحياة، وجمال الطَّبيعة وجمال الإبداع في قعر الحياة. زمنٌ من بكاء، زمنٌ من أشره شراهاتِ الدَّهاء، زمنٌ مفخَّخٌ بسماكاتِ الدَّم وسماكاتِ المخِّ والمخيخ، زمنٌ في طريقه إلى الإنزلاقِ نحو شفيرِ الجَّحيم، زمنٌ مريضٌ، مصابٌ بعقمٍ مفتوح، زمنٌ مهرولٌ نحوَ ترّهاتِ الحياة، زمنٌ ولا كلَّ الأزمنة!                      

ولكن الشَّاعر صلاح فائق وكلّ مَن له قامة باسقة على إيقاعِ قامةِ فائق، ما يزالوا ينظرون إلى الحياة نظرةَ أملٍ، نظرةَ عطاءٍ، نظرةَ إبداعٍ، نظرةَ حبٍّ، نظرةَ حضارةٍ، نظرةَ شعرٍ محفوفٍ بهديل الحمام في صباحات نيسان، وينسجون على إيقاع قيثارتهم السّومريّة، عودة العنقاء وصعودها من أعماقِ الرَّماد.  

وحدهم الشُّعراء يتوغَّلون في أعماقِ جراحِ غربة الإنسان مع أخيه الإنسان، ويفرشون روعة تجلِّياتهم ومآربهم ونضارة روحهم على وجهِ الدُّنيا، وحدهم الشُّعراء يرون ما وراء الأحزان الَّتي تفاقمَت فوقَ صدرِ الأوطان، ويحفرون قصائدهم بمشاعر خلاقة فوقَ شهقةِ الحياة، لعلَّهم يبلسمون الجِّراحات الَّتي تفاقَمَتْ يوماً بعدَ يوم فوق مآقي الطُّفولة والشَّباب والكهولة وشيوخ على مشارف وداع الكون.                  
عجباً أرى، أوطاناً تصبُّ في قاعِ الزَّنازين، أوطانٌ مصلوبة من خاصراتها من قِبَلِ حماتها، ومصلِّيها، وسياسييها. أوطانٌ قابعة في مهبِّ الجنون، وأخرى تجاوزت شفيرَ الجُّنون!                              
      
مَن يستطيعُ أن ينقذَ رقابَ الأوطانِ من أهوال الجَّحيم الَّتي آلَتْ إليها تقعُّرات الرُّؤى، الَّتي تصبُّ في ظلمة ظالمة، غير حكماء وشعراء ومفكِّري ومبدعي هذا العالم؟!                                            
أين أنتم يا منقذي رقاب الأوطان من الجَّحيم الَّذي نراه يتفاقم فوق جماجم الأوطان يوماً بعدَ يوم؟!      

فَشَلٌ ذريعٌ في قيادةِ الأوطانِ إلى واحاتِ السَّلام، إلى مرافئِ الأمان! خروجٌ تام عن جادةِ الصَّواب، وعبورٌ مخيف في أقصى أقاصي الخراب. خرابُ البلادِ والعبادِ واستفحالُ أبجدياتِ الظّلمِ والقتلِ والحربِ والشرِّ على مساحاتِ الحياة!                                                                                
 
يتضمّنُ كلُّ مقطعٍ من المقاطع الشّعريّة في هذا الدِّيوان، دلالاته وآفاقه وصوره وتجلّياته وخصوبته، بلغةٍ شعريَّة كثيفة، جانحة نحوَ حداثة أصيلة، عميقة، لها فرادتها الإبداعيّة الشَّفيفة، حيث يلمس القارئ والمتابع أنَّ نصوص وقصائد صلاح فائق، منسابة بعفويَّة عميقة وباذخة في البناء والصُّور الجَّانحة أحياناً إلى فضاءات سرياليّة معبّقة بالرُّوح الشَّرقية تارةً والمعجونة بهلالات غربيّة تارةً أخرى، شامخاً في عبور تدفُّقات وهجِ النَّص بلغةٍ شفيفة مستمدَّة من تجربة عريقة، صادقة، وكأنّها منبعثة من صلوات ناسكِ متعبّدٍ في أوجِ تجلِّياته لإنبعاثِ رحيق الشِّعرِ الأصيل!                                                        
                                                              
إنَّنا أمامَ شاعرٍ يتميَّزُ بتدفُّقاتٍ وارفة في بنائه الشِّعري، واختزالٍ رائع في شهقة الإبداع، معتمداً على جموحاتِ خيالٍ منسابٍ نحو أصفى الينابيع، كإشراقةِ حبورِ الصَّباح!                                    
يلاحظ المتابع لفضاءات شعر صلاح فائق أنَّ لديه إحتفاءً شعريَّاً كبيراً بالطّيور والحيوانات الأليفة والمتوحِّشة، وكأنّها أليفة في بعض الأحيان، ومتوحّشة أحياناً أخرى، صاغها الشَّاعر في عوالم وفضاءات شعره بطريقة مدهشة، يصعب أحياناً على القارئ الدُّخول في مغاليقها السّحرية الباذخة في التَّصوير والبناء والإبداع والتَّحليق، حتَّى أنّنا أحياناً نقرأ نصوص الشَّاعر وكأنَّه يداعب عبر شعره، هذه الملخولقات بكلِّ تنافراتها ووحشيَّتها، فتبدو أنيسة ووديعة وغير متوحّشة كما هو معروف عن طبيعتها الوحشيَّة، وبهذا المنحى يكون الشَّاعر قد أدخلَ فضاءات جديدة في بناء نصِّه الشِّعري، وكأنّه يقول لنا بطريقةٍ ما، أنَّه من الممكن أن نروّض حتَّى الوحوش البرِّيّة، لكنَّنا لا نستطيع في الكثير من الأحيان أن نروّض الإنسان، إنسان هذا الزَّمان الَّذي غدا متوحِّشاً أكثر من الوحوش الضَّارية!
يغوصُ الشَّاعرُ في التُّراث، نابشاً منه أصفى تجلّيات الحرف، محتفياً بالمرأة، بالطَّبيعة، بالأصالة، بأروع ما في الحضارة، غير مكترث إلا لصوت الشِّعر المعرَّش في أعماقه، واضعاً في الإعتبار أن يفرشَ وجهَ الدُّنيا بالمحبّة، والحوار والتَّسامح والإبداع، وكأنّه رسول المحبّة والأصالة في دنيا مفخَّخة بالبكاء!
يبدو لنا كيف يستمدّ الشَّاعر صفاءَ شعره من جبينِ كركوك الشَّامخة، من طفولةٍ معتَّقةٍ بالبركات، من أصدقاء جماعة كركوك، من أصالةِ شعب كركوك، من عراقة الشُّعوب المنفتحة الَّتي عاشت في كركوك، من براري كركوك الرَّحبة، وكأنَّ كركوك وغرباته الفسيحة في الحياة، كانت البذرة الصَّالحة والأمينة في زَرْعِ واستنباتِ أرقى توهُّجات الشِّعر، بحثاً عن ذاتهِ التوّاقة إلى نضارةِ الينابيع الصَّافية، مناجياً النُّجوم والمحيط ونسيم الصَّباح، موجِّهاً أنظاره نحو زرقة السَّماء، متسائلاً عن أسباب خلخلات أجنحة الإنسان مع أخيه الإنسان، محاولاً أن يبلسم جراحات أخيه الإنسان عبر شعره المنبعث من حفاوةِ الحياةِ، من إخضرارِ خدودِ الأرضِ في كركوك، في العراق، في أراضي غرباته الَّتي طهّرته من شوائب الحياة، كي يقدِّمَ لنا شعراً من نكهةِ الطُّفولة ومن عذوبة الماء الزُّلال ومن أصفى ما في وهجِ الحضاراتِ من تألُّقٍ وشموخٍ وإبداع!

                                                                              
 *كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
sabriyousef1@hotmail.com