ساق البامبو . .


المحرر موضوع: ساق البامبو . .  (زيارة 2766 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مروان ياسين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 149
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ساق البامبو . .
« في: 11:51 27/04/2013 »
                


ساق البامبو . .


رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي *


                   البحث عن الوطن .. في غربة الانسان



                                                      مروان ياسين الدليمي


اصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الاولى 1433 ه – 2012 م



لأنَّ للعادات والتقاليد الاجتماعية في المجتمع الخليجي سطوة وهيمنة ثقيلة على حياة الافراد والجماعات دون ان تترك لهم في غالب الاوقات فرصة أختيار مصائرهم ،يخضع راشد الطاروف لمشيئة والدته بالانفصال عن الخادمة الفلبينة جوزفين التي تعمل في بيتهم والتي كان قد تزوجها سرا ً حرصا ًمن والدته (غنيمة ) على مستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي كن ينتظرن قسمتهن في الزواج،وكان من الطبيعي لهذه القسمة المنتظرة أن تذهب أدراج الرياح بعد أن تتلوث سمعة العائلة فيما لوافتضح أمر هذه العلاقة مابين راشد ــ الشاب المثقف الذي يحلم بكتابة روايته الاولى ــ سليل العائلة الكويتية العريقة والخادمة الفلبينية التي كانت مدمنة هي الاخرى على قراءة الروايات قبل أن يقودها مصيرها الى الكويت لتعمل خادمة متخلية بذلك عن دراستها من اجل مساعدة عائلتها وهربا كذلك من واقع بائس كان من الممكن لوالدها ان يُسقِطها فيه فتصبح عاهرة كما هو الحال مع شقيقتها الكبرى إيدا.
 وحده راشد الطاروف الشاب الوسيم في منزل السيدة الكبيرة المتسلطة (غنيمة ) كان لطيفا ً جدا ً في معاملة جوزفين على عكس جميع افراد عائلته،فكان الوحيد الذي يتحدث اليها في الادب والفن وشؤون بلاده السياسية،في حين لاأحد غيره من السادة يتحدث مع الخادمات بغير لغة الاوامر :"هاتي .. أغسلي .. أكنسي .. أمسحي .. جهزي .. أحضري ". في مقطع مستل من الرواية تسرد جوزفين لأبنها عيسى/هوزيه ذكرياتها عن طبيعة علاقتها بوالده :"كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم،لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل،بعد نوم سيدات المنزل،مع ابيك في غرفة المكتب..كنت أحاول أن أجاريه في أحاديثه السياسية وأن أشد اهتمامه،وأستعرض معلوماتي الفقيرة في السياسة..أخبرته ذات يوم بحجم سعادتي لفوز كورازون آكينو في الانتخابات الرئاسية،لتصبح أول امرأة تصل الى سدة الحكم في الفلبين، ولتعيد بذلك الحياة الديموقراطية من جديد بعدأن قادت المعارضة التي اسقطت الديكتاتور فرديناند ماركوس ".
رسم السنعوسي شخصية راشد الطاروف على صورة الرجل المثالي كما كانت تراه جوزفين وكما كان الجميع يراه كذلك،هادئا،يقضي معظم وقته بين القراءة والكتابة في غرفة المكتب إلى جانب اهتمامه بالصيد والسمك بصحبة أعز اصدقائه وليد وغسان،وكانت والدته تعامله معاملة خاصة،فهو رجل البيت الوحيد، فهو آخر الرجال في العائلة بعد أن اختفى الذكور من أسلافه مع سفنهم الشراعية في البحر منذ زمن طويل، وبعضهم في ظروف أخرى،أما البقية فقد حصرت ذريتهم في الاناث .
تعود جوزفين الى الفلبين خائبة مجروحة مع وعد ٍمن زوجها بأن يتكفل برعايتها ورعاية عيسى ــ الذي لم يبلغ من العمرعاما واحدا ًــ طالما هوعلى قيد الحياة،إلاّ أن غزوالعراق للكويت يتسبب في انقطاع الرسائل التي كانت تصلها منه  .
يكبر الطفل عيسى في وسط عائلة جده (ميندوزا ) من جهة والدته والذي ُنسب عيسى إليه فيما بعد ليصبح(هوزيه ميندوزا)وكان هذا الجَد سببا رئيسيا في البؤس والفقرالذي كانت عليه العائلة بسبب إدمانه على المراهنة في لعبة صراع الديكة وضياع راتبه التقاعدي المخصص من الحكومة الاميركية باعتباره أحد الذين خدموا الى جانب الجيش الاميركي في فيتنام  ولم يكن هذا الراتب سوى مائة دولار كانت تذهب دائما ً كل شهر لشراء ديك يدخل به حلبة المراهنات ،هذا اضافة الى ماكانت تجنيه ابنته الكبرى إيدا من مهنتها كعاهرة والتي أجبرها هو على امتهانها فتسبب هذا في تدميرها وتحطيمها رغم ماكانت عليه في بداية شبابها من قوة شخصية جعلتها تعاني من الشعور بالقهر والقرف من هذه المهنة لتقف في لحظة من اللحظات في مواجهة ضد والدها رافضة المصير البائس الذي رسمه لها ولم تتردد في ضربه تعبيرا عن احتجاجها، ومع هذا جرت الاقدار في آخر الامر مثلما شاء والدها ميندوزا لتنحني شيئاً فشيئا ً صاغرة مكرهة لمصيرهاولتنتهي على صورة امرأة واهنة،ضعيفة ومدمنة على المخدرات.
عيسى هو الاخر يصبح جزءاً من دوامة البؤس والفقرالذي يحيط بالعائلة كقدر محتوم ،وبعد أن يصبح شابا يافعا في العشرين من عمره يتنقل بين اكثر من مهنة على أمل كبير بأن يعود في يوم ما إلى الكويت كما وعد بذلك والده راشد الطاروف زوجته جوزفين وهي تغادر الكويت ،هذا ماكانت تقوله والدته عندما تسرد له الحكايات الجميلة عن طيبة وجمال والده وعن اصدقاءه المقربين منه،وليد وغسان،اللذان كانا قد شهداعلى زواجهما . ومع البحث عن لقمة العيش كان عيسى يبحث عن هويته الضائعة مابين الديانة البوذية التي كان عليها جده ميندوزا والمسيحية التي اختارتها له خالته ايدا والديانة الاسلامية التي كانت والدته دائما ًماتذكره بها على أعتبار انها الديانة التي يدين بها والده في الوطن الذي سيعود اليه في يوم ما والذي سيحظى فيه بعيشة رخية هانئة بعيدا عما يعانيه هنا من فقر. عيسى:"لكل منّا دينه الخاص،نأخذ من الاديان مانؤمن به،ونتجاهل ما لاتدركه عقولنا،أونتظاهر بالايمان،ونمارس طقوساً لانفهمها،خوفاً من خسارة شيء نحاول أن نؤمن به ".
ثم يأتي ذلك اليوم الموعود عندما يتصل غسان بوالدة عيسى عبرالهاتف ليخبرها بضرورة عودة عيسى الى الكويت بناء على رغبة والده راشد الطاروف قبل أن يختفي وتضيع أخباره بعد أن كان قد لعب دورا كبيراً في مقاومة الاحتلال العراقي لبلده الكويت قبل أن يتم العثور على رفاته مع اخرين في مقبرة جماعية قرب مدينة كربلاء العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين بعدة أعوام.
يعود عيسى الى الكويت، الى المكان الذي شهد ولادته،وشهد العذاب الذي عانته والدته بعد أن اكتُشفت العلاقة التي كانت تربطها بوالده من قبل جدته غنيمة التي خيرته ساعتها بين أمرين،أما أن تعود جوزيفين الى الفلبين وينكرهو ألجنين الذي كانت تحمله بين أحشائها وكأن شيئا لم يكن،أويغادرالبيت مغضوباعليه نتيجة ما قد يحمله هذا الزواج من نتائج سيئةعلى سمعة وشرف العائلة،ومستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي سيعزف الخُطَّاب عن طلب أيديهن بعد أن يعلم الناس في مجتمع الكويت الصغيربأمرهذا الزواج الفضيحة الذي لم ولن يتقبله بكل أعرافه الاجتماعية التي تحكمه وتسيَّره حتى وإن تقاطعت هذه الاعراف مع أحكام الدين الاسلامي التي تساوي بين البشر ولاتفاضل بينهم إلاّ بالتقوى .  
كانت عودته الى الكويت بداية التيه الذي أخذه في دروب الضياع والاسئلة التي تبحث عن إجابات وافية لكنها كانت من الصعوبة الى الحد الذي جعلته يتمنى أن يكون شبيها بأخيه الصغيرغيرالشقيق (أدريان) الذي اصيب بعطب في خلايا الدماغ عندما كان طفلا والذي أنجبته والدته بعد زواجها من جارها البرتو بعدسنتين من مغادرتها الكويت وعودتها الى الفلبين:"محظوظ أدريان .. لاتشكل له هذه الاسئلة أي قلق .. لاشك ولاأيمان ..لاحيرة ولاخوف ."
الجنة التي حلم بها عيسى في الكويت لم يجدها،وجد المال لكنه لم يجد العائلة التي كان يبحث عنها :" في بلاد أمي الفلبين كنت لاأملك شيئا سوى عائلة،في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة .. إنه قدري،أن أقضي عمري باحثا ًعن أسم ودين ووطن " .
اختار كاتب الرواية سعود السنعوسي أن يبدأ أحداث روايته من حيث أنتهت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلها عيسى / هوزيه بمساندة أخته غير الشقيقة (خولة) وغسان صديق والده ليكون واحدا ًمن افراد عائلة الطاروف ، فكانت بداية أحداث الرواية عندما بدأ عيسى / هوزيه وهومايزال على أرض الكويت في كتابة سيرته الذاتية مُبتدأمن الفترة التي سبقت ولادته،آنذاك كانت جوزفين تعيش قبل زواجها في الفلبين مع عائلتها الكبيرة المكونة من الجدة  والاب والام والاخت ايدا وشقيقها بيدرو .
الناقد والاس مارتن في كتابه الموسوم نظريات السرد الحديثة الذي ترجمته الى العربية د.حياة جاسم والصادر عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر يقول:" التقنيات الخاصة بالرواية تتضمن علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلاً إلى عقول الشخصيات وأمورتخص وجهة النظر إذا افترضنا أن المؤلف يحاول أن يحقق تمثيلا ً موضوعيا ً وواقعياً ـ متحرراً من التعليق المتطفل والمعقول الذي يحيل الشخصيات إلى دمى عن طريق الحكم عليها حال تقديمهابفضل الوسائل التي بها تنفذ إلى العقول والاحداث ـ فإن تحليل وجهة النظر يغدو وسيلة لكي نفهم كيفية اندماج الشكل والمضمون في الرواية " . هنا في هذا العمل تمكن السنعوسي في تمثل هذا الفهم المتقدم لطبيعة البناء المعماري للرواية الحديثة وهي تتبنى آليات فنية في منظمومتها السردية من دون أن يستعرض مقترحاتها شكلياً بقصد الاستعراض والتمظهر، وقد نتسائل عن طبيعة الشكل الفني في البناء السردي للرواية وهو بالضرورة ليس الكيفية التي يتم بها سرد القصة على الرغم من أهمية هذا الاطار الذي يقود القارىء الى متابعة مايقرأه إلاّأنه يشمل "بنية الصورة والاستعارة،والرمز الذي ينبثق من الفعل ".
إن حداثة التجربة الروائية للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي ــ هذا هو العمل الثاني له بعد عمله الروائي الاول سجين المرايا ــ لم تجعله يقع في فخ الانشغال عن وعي وقصد بالشكل الفني الذي غالبا مايتورط به الكُتَّاب الجدد لجاذبيته أكثر من أي شيء آخر،وذلك في محاولة منهم لأثبات الحضور والتفرد،لكنه في نهاية الامر لن يُغني العمل الروائي بما هو مهم ومفيد،بينما جاءعمل السنعوسي مميزا لاعتماده على تقديم محتوى انساني،وموضوعة حاول فيها أن يتمثلَ الحياة في تنوعها،مع أنه تحررالى حد كبير من الاشكال التقليدية في بناءه السردي للزمن فتلاعب الكاتب في الخيط الواهي الذي يفصل مابين الواقع والخيال وهما القوتان الرئيستان اللتان تشكلان السرد بمهارة تخييلة عالية وقد بدا ذلك واضحا في ابسط صورة عبرشخصية مترجم النص ابراهيم سلام  وشخصية خولة راشد ًمدققة ومراجِعة النص ،وهما بنفس الوقت يشكلان شخصيتان اساسيتان داخل احداث الرواية .
إن تبني الكاتب لحكاية حافلة بتفصيلات واحداث وازمنة واقعية مع تنوع في تقنيات الكتابة أنتج عملا جماليا تمثَّلَ تجربة انسانية أعتمدت بالاساس على أحداث وتواريخ موضوعية،والرواية هنا في هذا النموذج بمثابة "المنطقة التي يُقابِل فيها الوهم (في شكل معتقدات وايدلوجيات موروثة،غرور،تصلب،رغبة رومانتيكية،الرغبة بالتملك)الواقع (الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تكوّن الاساس لتلك القلاع في الهواء ) .  
هذا العمل الروائي يستحق القراءة والتأمل النقدي بما تحمله بنيته السردية من خطاب جمالي أشتغل فيه الكاتب على :تصويرالوعي الانساني بشكل عميق وهو يتصدى للحقائق الاجتماعية والموضوعية التي تزاحمت بين ازمنة تحركت بها أحداث الرواية مابين بيئتين جغرافيتين واجتماعيتين (الكويت والفلبين) بما تحملان من تناقضات واختلافات كبيرة عميقة،من هنا جاءت الكلمة التي تصدرت وسط الصفحة الاولى من الرواية والتي إستعارها السنعوسي من الروائي الكويتي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل "علاقتك بالاشياء مرهونة بمدى فهمك لها " لتكون عتبة تمهيدية قبل الدخول الى تفاصيل الاحداث التي يستعيدها عيسى (هوزيه ميندوزا ) وهو يكتب سيرته في سعي منه لفهم قسوة العالم المحيط الذي مازال البشر فيه يقسّمون الى سادة وعبيد وفق قوانين واعراف اجتماعية ثقيلة مبتدأ ً بأسمه JOSE كما "يكتب وينطق به في الفلبين كما في الانكليزية وجوزيه في العربية كما في الاسبانية وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب ،ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا ،في الكويت ،فلا شأن لكل تلك الاسماء بأسمي حيث هو .. عيسى !.. كيف ولماذا ؟ هو لايعرف لأنه لم يختر اسمه ليعرف السبب ،كل مايعرفه أن "العالم كله قد اتفق على أن يختلف عليه ! وهويتمنى ـ بعد هذا النكران الذي قوبلت به هويته الانسانية ــ  لو كان مثل شجرة البامبو،لاانتماء لها : "نقتطع جزءًا من ساقها .. نغرسه ،بلا جذور،في أي أرض ..لايلبث الساق طويلا ً حتى تنبت له جذورجديدة ..تنمومن جديد ..في أرض جديدة ..بلا ماض ..بلا ذاكرة .. لايلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته ..كاوايان في الفلبين ..خيزران في الكويت ..أو بامبو في أماكن أخرى ".
استعارالكاتب جملة  من خوسيه ريزال محررالفلبين من قبضةالاستعمارالاسباني في بداية القرن العشرين لتكون عتبة الدخول الى الجزءالاول من الرواية"لايوجد مستبدون حيث لايوجد عبيد "ولتتصدر فيما بعد بقية الاجزاء الخمسة جملا ًأخرى لهذا الثائرالذي كان أول من أنتفض على عبودية المستعمرالاسباني فكانت تلك الجمل علامات تشير الى المسار الوجداني الذي تنطلق منه رؤية الكاتب . .
بلا شك هذا العمل الروائي بما طرحه من افكار انسانية وسعي فني واضح للخروج من أطر الانماط الثابتة في البناء السردي يستحق أن يكون في قائمة الكتب التي ترشحت للفوز بجائز البوكر العربية للعام 2013 .


*سعود السنعوسي ،كاتب وروائي كويتي
نشر عدة مقالات وقصص قصيرة في جريدة "القبس" الكويتي كاتب في مجلة "أبواب" الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها
عضو في رابطة الأدباء في الكويت
 عضو جمعية الصحافيين الكويتية 2009-2011
صدر له عن الدار العربية للعلوم:
-سجين المرايا، رواية 2010
- ساق البامبو، رواية 2012
حائز على جائزة الروائية ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة وذلك عن رواية سجين المرايا 2010
حائز على المركز الأول في مسابقة "قصص على الهواء" التي تنظمها مجلة "العربي" بالتعاون مع إذاعة بي بي سي العربية، عن قصة "البونساي والرجل العجوز"، وذلك في يوليو 2011
حصد جائزة الدولة التشجيعية في مجال الآداب وذلك عن رواية "ساق البامبو" عام 2012
اختيرت روايته "ساق البامبو" ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" عام 2013