في ذكرى الاربعين لرحيل وارينا اسحق زرا ..
في الخامس من نيسان 2013 الحالي رحلت بصمت (وارينا إسحق حنا زرا) كما عملت وكافحت بصمت خلف الكواليس التي لا يعلم بها إلا القليلون ، كنتُ شاهداً على بعض تفاصيلها منذ صباي ، قبل ان اتعرف على ابنائها المناضلين مخلص وخالص بوكا الملتحقين بالأنصار لاحقاً ومن ثم المتواجدين منهم في المانيا..
وراينا امرأة مكافحة ومثابرة أدركت دورها ونفذت المهام التي كلفت بها بدقة متناهية في أصعب الظروف وأعقدها .. يفيض منها الطيب.. بسمة الأمل لا تفارق محياها تشعُ تفاؤلاً يتغلغل بهدوء في محيطها ليطوق القلق ويبعد التوتر الناجم من معاناة الملاحقة والقمع وهول المخاطرة.. حضت بحب وتقدير كل من عرفها وكان قريباً منها..
التزمت بشروط ومتطلبات العمل السري ونفذت العديد من المهام بدقة متناهية ، معتمدة على حدسها ويقظتها بحس أمني مرهف مدركه للخطر المحدق بمن يعمل في صفوف الشيوعيين المعارضين لأنظمة الاستبداد في عهود مختلفة كان أشرسها وأفظعها ما بعد انقلاب شباط 1963 وحروب الدكتاتورية التي تواصلت في الداخل والخارج ..
لقد واكبت وارينا زرا العمل السياسي منذ العهد الملكي حينما بدأت تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي تتشكل وتنمو لتشمل مدينة القوش التي شهدت نشاطاً ثورياً عبر اسماء معروفة قدر لها ان تلعب دوراً مهماً على صعيد العراق وتجربة الكفاح المسلح فيما بعد .. شكلوا الرعيل الأول للشيوعيين في القوش.. سالم سطيفان .. سليمان يوسف بوكا .. توما توماس .. ممو بوكا .. يوسف زرا .. فخري بطرس .. الياس الصفار .. عبدالرحيم اسحق .. صبري بطرس والعشرات من الأسماء التي كافحت وعملت وتواصلت في فترات العمل السري.
كانت الفقيدة وارينا وبيتها سنداً لهم تخفيهم وتحميهم وتسهل مراسلاتهم الحزبية والشخصية دون كلل وملل، ولعبت دوراً مهماً في توفير اماكن الاختفاء لبعضهم .. حضت بثقة ابو عامل وأبو جوزيف والأجيال اللاحقة من المناضلين في فترة الكفاح المسلح عام 1963 وكذلك عام 1978 التي اشترك فيها ولديها مخلص وخالص ، وما اعقبها من حروب متواصلة ترافقت بإجراءات قمعية شديدة شملت فيما بعد الفقيدة وارينا التي تعرض بيتها بشارع الفاروق للاقتحام من قبل مجموعة من الامن عام 1980 للبحث عن ابو عامل وممو بوكا وغيرهم من المناضلين الذين كانت تخفيهم ببيتها بالموصل ثم بعد ذلك تعرضت للمراقبة والاستدعاء من قبل مديرية الأمن في الموصل حيث تسكن، و القوش التي ولدت فيها عام 1927 خاصة في فترة وجود مسؤول حزب البعث في القوش بعد عام 1980 . وتعرضت لتهديدات وتحذيرات بالاعتقال والتصفية مترافقة بشتائم و اغراءات ..
في إحداها تجاوز ضابط الأمن المكلف باستدعائها بوقاحة عليها .. اسمعها وصفاً نابياً جعلها تثأر منه في الحال .. أبت نفسها أن تقبل الذل .. ردت له الصاع صاعين شاتمة امه وأخته في رد اعتبار لنفسها الثائرة ، مما دفعه للصمت والذهول ، فاجأته بردها الشجاع اخرس واصمت .. قبل ان يغير لهجته واسلوبه مشفوعاً بعبارات الاحترام متراجعاً عما بدر منه من اساءة ..
وفي عام 1981 فرضت عليها الاقامة الجبرية في الموصل لأكثر من ستة اشهر كان عليها ان تثبت حضورها يوميا في دائرة امن الموصل لتوقع اثبات وجود تحت المراقبة الشديدة التي لم ترفع عنها الا بعد تدخل وتوسط نسيبها وحيد عقراوي الذي لم يكن له ميول سياسية وتمكن بحكم معرفته لأحد ضباط الامن من رفع الاقامة الجبرية عنها وإلغاء التوقيع المطلوب منها يوميا ..
بالرغم من تكرار الاستدعاء وتواصل المراقبة، كانت تخترق حواجز الموت تمكنت من الوصول الى عمان ودمشق لزيارة وتفقد ابنها باسم بوكا .. تنقلت بين بغداد والموصل و القوش وتعدتها في بعض الاحيان الى مناطق تواجد الانصار.. في قاطع بهدينان حيث وصلت الى قرية كاني بلاف مع أدوية ومساعدات طبية كانت قد حصلت عليها من قبل اقربائها ومن ضمنهم ابن اختها العسكري وسام . وحذرت قبل أن ترحلها السلطة عام 1985 مع مجموعة النساء والعوائل من بعشيقة وبحزاني ودوغات و القوش وغيرها من المدن والقرى في محافظة الموصل الى كردستان في حملة شملت عشرات العوائل حينها ..
لم يكن هذا الترحيل القسري إلا محطة من المحطات التي مرت بها الفقيدة في رحلة حياتها الشاقة ابتداء من عام 1927 حيث ولدت في القوش لعائلة مهاجرة من هول المذابح التي طالت المسيحيين من آشوريين و كلدان وسريان وأرمن بالإضافة الى الايزيديين في العهد العثماني وما تلاها في العهد الملكي والجمهوري عام 1933 عرفت بمذابح مجزرة قرية صورية عام 1969 .. مروراً بالحبانية والموصل وبرلين حيث وصلتها عام 1990 لتكون قريبة من ابنائها وبناتها الذين تغربوا قبلها وكانت بنتها كميلة تعاني في حينها من اوضاع صعبة صحيا ونفسيا ابت ان تكون بعيدة عنها وعن اولادها المتواجدين بالغربة فقررت الهجرة والالتحاق ببناتها وبنيها و احفادها بالمانيا ..
محطات عملت فيها وكادحت في مجالات مهنية عديدة بدأت بالزراعة .. زراعة البطيخ الالقوشي الذي تشتهر به مدينة القوش وفي مواسم الحصاد وعمل الخبز والبرغل ومن ثم شد البقلاوة التي اشتهرت بها وعرفت من خلالها كأشهر شداده للبقلاوة في الموصل لتعين زوجها ميخا اسطيفو بوكا في تدبير شؤون العائلة وتوفر لأبنائها احتياجاتهم ..
رحلت وارينا مودعة من حولها ابناء وبنات وأحفاد وحفيدات ببسمة لم تفارق محياها رغم الألم .. طوبى لمن تشبث بالفرح وتمسك بالأمل .. طوبى لكل من عمل وكافح بصمت.. طوبى لمن يسعى للحياة الأفضل.. طوبى لمن يتمنى السعادة للبشر ويخلقها في محيطه كما فعلت وارينا.. وحينما رحلت تركت لنا بسمة تشع ضياء وأملاً ..
ـــــــــــــ
صباح كنجي
25/نيسان/ 2013
ـ وارينا اسحق حنا زرا مواليد 17/1/1927 القوش العراق وتوفيت في 5 نيسان 2013 في برلين المانيا ..