السياسة في الفلسفة السريانية -2-


المحرر موضوع: السياسة في الفلسفة السريانية -2-  (زيارة 5055 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل hzail

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 42
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السياسة في الفلسفة السريانية -2-

الجماعة البشرية أو المملكة

ملاحظة:  يشير الباحث إلى ابن العبري بكلمة فيلسوفنا أو الفيلسوف  ( اقتضى التنويه إدارة الموقع)

 قبل أن يعطينا الفيلسوف فكرته السياسية في إدارة الممالك و تنظيم الحكومات، يذهب بنا فيطلعنا على الأساس الذي تبنى عليه الممالك والحكومات ألا و هو الهيئة الاجتماعية، فبدون تكوين هيئة من هذا القبيل لا يمكن تموين حكومة أو مملكة في هذه الأرض، و دون تكوين هذه الهيئة الاجتماعية أيضاً، لا يمكن أن يكون الإنسان إنساناً حقيقياً، فالجامعة الكبرى التي تجمع بين الإنسان و أخيه و ابن قبيلته و وطنه، تمنحه صفة الإنسانية الحقة، و تخوله القوة على خوض غمار هذا العالم المكتظ بالشر و الهمجية، غير أن الإنسان بطبيعته اجتماعي، لا يستطيع أن يعيش وحده في بقعة من بقاع الأرض، لأنه يكون مكلفاً حينئذ أن يقوم بجميع حاجات حياته الضرورية، و هذه الحاجات لكثرتها و تشعبها تستلزم اجتماع أفراد كثيرين يختص كل منهم بعمل من الأعمال فيعطي أحدهم للآخر من نتاج عمله ما لا يستطيعه، و هكذا يبلغ ذلك المجتمع جميع أهدافه من الحياة، و هذا ما نسميه بالمدينة أو القرية، و قد قال أرسطو قديماً " إن الإنسان حيوان اجتماعي " و قد قال أفلاطون  بلسان سقراط " أرى أن الدولة تنشأ عن عدم استطاعة الفرد أن يسد حاجته بنفسه و افتقاره إلى معونة الآخرين،و لما كان كل إنسان محتاجاً إلى معونة أخيه في سد حاجته و كان لكل منا حاجات كثيرة لزم أن يتألب عدد كبير منا، من صحب و مساعدين في مستقر واحد، فنطلق على ذلك المجتمع اسم مدينة أو دولة، فيتبادل أولئك الأشخاص سائر الحاجات". و هكذا يذهب فيلسوفنا في تعريف المدينة أوالمملكة فيقول " إن اسم المدينة يطلق على المجتمع البشري المتألف من أفراد كثيرين مختلفين بالعمل و الصناعة، وهم مجتمعون في بقعة واحدة، أو على رأس جبل أو في قرية أو في مدينة مسورة".
هذا هو التحديد الصحيح للمدينة عنده، أم سبب الحاجة فهي عدم قدرة الإنسان على حياة الوحدة المطلقة لافتقاره إلى مساعدة الآخرين في سد حاجات حياته، و لذلك يقول الفيلسوف " إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحيداً، و إلا لاحتاج بمفرده أن يعد قوته و كسوته و مسكنه و سلاحه، و لافتقر أن يقوم وحده بإعداد آلات النجارة و الصياغة و الحياكة، فيزرع و يحصد و يطحن و يعجن و يغزل و يحوك و يبني و يصوغ، و بما أن هذه الأعمال تفوق مقدرة شخص واحد بمفرده، فقادت حكمة الله البشر للاجتماع، و حببت لكل إنسان صناعة خاصة من الصناعات، سواء أكانت جليلة أو حقيرة، لأنه لو رغب البشر جميعاً بصناعة واحدة لحرموا فوائد بقية الصناعات، و لكن عندما يختص كل إنسان بصناعة خاصة، عندئذ ينظم العالم تنظيماً متقناً، فالمدينة إذاً ضرورية لسد جميع حاجات البشرية". و هذا ما قرره الفلاسفة منذ القدم، فقد قال الفارابي:" إن الإنسان مفطور على الاجتماع، لأنه لا بقاء للأفراد إلا إذا تعاونوا على نيل ما يحتاجون إليه". و قد أخذ ابن خلدون هذه الفكرة عن الفارابي، كما نقلها الفارابي عن أرسطو و أفلاطون قال: " إن الاجتماع الإنساني ضروري، و يعبر الحكماء عن هذا بقولهم: إن الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم، و هومعنى العمران، إن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه".
إلا أن فيلسوفنا لا يقف عند هذا الحد لتباين الرغائب البشرية، وتصادم مصالحهم و لولا قوة تعصمهم من التصادم و التناحر لأهلك بعضهم بعضاً،لذلك يقول" إن رغائب البشر و مراميم في الحياة متباينة متضادة، لأن كلاً منهم يندفع للبلوغ إلى هدفه الخاص، و لو لم توضع لهم الشريعة لما استقرت حياتهم" فالشريعة إذاً ضرورية لاستقرار الحياة الاجتماعية و لولاها لأكل القوي الضعيف ولخرج الإنسان من طور البشرية إلى بيداء الحيوانية المطلقة و لكن وضع هذه  الشريعة  يتطلب مشروعاً و حارساً و منفذاً و إلا لما وجدت، و إن وجدت لما بلغت البشرية فوائدها المعروفة لذلك يقول الفيلسوف "و الشريعة تتطلب حارساً و إلا آلت إلى الزوال سريعاً. و هذا الحارس هو الملك" و عندما نصل مع الفيلسوف إلى هذا الحد نتصور حالاً أن الملك هو صاحب التاج و الصولجان وحده، و لكن الفيلسوف يتحدانا بذلك فيسمعنا شيئاً جديداً لم تألفه أذهاننا، ألا و هو أن الملك ليس فقط من حمل التاج و الصولجان و أحاطت به الجنود و الخدم و الحشم، بل هو الشخص القادرعلى حماية الشريعة من الزوال و الاندحار على الأقل، يقول "ليس الملك هنا من كان ذا جيوش و مركبات و خدم و حشم و بلدان، بل هو كل رجل جدير بالملك و إن كان مجرداً من هذه جميعها، و الخلاصة لما كان المجتمع يقوم بمساعدة البشر لبعضهم بعض، و لتلقي المساعدة من بعضهم بعض، كان كل إنسان في هذا المجتمع يتلقى مساعدة أخيه الإنسان، و هو لا يساعده بشيء، ظالماً و سبباً للشر والهلاك".
و لما كان الإنسان  مديناً لأخيه الإنسان بالخدمة و المساعدة، و كان في هذا المجتمع البشري، أفراد يتهربون من الخدمة العامة، و يضربون في الآفاق متنقلين من هنا إلى هناك لا يقر لهم قرار، و لا تستقر بهم أرض، وكان غيرهم من الجبناء يتهربون من العمل و الجهاد فينفردون في رؤوس الجبال و على ضفاف الأنهار، هرباً من التعب و العناء، دون أن يدفعوا مقابل شرفهم الإنساني شيئاً من الخدمة للهيئة الاجتماعية ، كان لا بد للفيلسوف أن يقول فيهم كلمته الصريحة التي تجعل الإنسان بحق مديناً لأخيه الإنسان بالخدمة و الفائدة يقول " هناك في العالم أفراد يتنقلون من بلد إلى بلد، و لا يستقرون في مكان قائلين، لما كان العالم متغيراً بجميع أوضاعه و نظمه، لا يجب أن يكون لنا محل إقامة خاص، وآخرون ينعمون بالكسل و البطالة، و لا يعملون أي عمل قائلين إننا متكلون على الله، فهو يقوتنا و يكسونا مثل طيور السماء، و زنابق الحقول، و آخرون يخلدون إلى الكسل في المغاور و الكهوف،و فوق رؤوس الأعمدة قائلين إننا نومت موتاً إرادياً و قد خلعنا العالم بما فيه، و كأننا قد غادرناه و نحن، فيه مقيمون ومثل هؤلاء البشر، ماداموا يقتاتون بما في العالم، و يسدون رمقهم منه إذا لم يدفعوا ثمن بطالتهم للحياة،فإنهم ظالمون، و إذا سدوا رمقهم بعملهم، و لا يكونون عالة على غيرهم، فإنهم سعداء".
 و قد بحث هذه الناحية مع تأكيده بكون الإنسان مديناً لأخيه الإنسان ولوطنه و بلاده بالعمل و المساعدة، لأن كثيرين من الرجال الأقوياء تركوا العلم هرباً من التعب و العناء سواء بالعمل أو في تربية الأولاد أو في إدارة أسرة مؤلفة من بضعة أفراد، و ادّعوا أنهم زهدوا في العالم، و قد صرّح بأنهم ظالمون أفاكون،لا يستحقون الحياة و إن كانوا من أبناء الحياة، لأنهم لم يفيدوها بقليل أو كثير، بل استمدوا منها وجودهم و قوتهم و كسوتهم دون أن يدفعوا ثمن ذلك.
               
عن كتاب : الفلسفة المشائية في تراثنا الفكري
بحوث أدبية. فلسفية. تاريخية. اجتماعية
تأليف: المطران غريغوريوس بولس بهنام
   
عن موقع حضارتي السريانية