جان دمو راهب الكلمات الحالمة والإزاحات الفضاضة قراءة نقدية للدكتور بهنام عطاالله


المحرر موضوع: جان دمو راهب الكلمات الحالمة والإزاحات الفضاضة قراءة نقدية للدكتور بهنام عطاالله  (زيارة 6908 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 

قراءة نقدية في نصوص الشاعر جان دمو

                                                      جان دمو
      راهب الكلمات الحالمة والإزاحات الفضاضة

                                                                                                                         
د .  بهنام عطاالله

سطور من السيرة
يوخنا دمو يوسف هذا هو اسمه الثلاثي، شاعر عراقي أبصر النور في مدينة كركوك عام 1943 لعائلة فقيرة . ُعرف فيما بعد باسم (جان دمو) ليضفي على اسمه نكهة شعرية خاصة . عرف منذ شبابه بالميل إلى القراءة والكتابة، فضلاً عن ترجماته من الانكليزية إلى العربية وبالعكس . سافر إلى بيروت لغرض الإقامة هناك، إلا انه ما لبث أن عاد بأمر الحكومة اللبنانية لتشرده وعبثيته وصعلكته. فتبعثرت قصائده وما كتب بين حانات بيروت وكركوك وبغداد.
راهب الكلمات الحالمة
عده الكُتاب والنقاد بـ (راهب الكلمات الحالمة ورائد الشعراء الصعاليك في العراق) . وما يمكن ملاحظته على كتاباته هو، اطلاعه الواسع على الأدب العالمي والانكليزي خاصة، والذي كان واضحاً على نصوصه.
كتب الشعر منذ الستينيات من القرن الماضي في مدينة النار الأزلية كركوك، وواكب أغلب الحركات الشعرية في العراق، وهو واحد من جماعة كركوك (فاضل العزاوي وسركون بولص ومؤيد الراوي وصلاح فائق وأنور الغساني). رحل عنا في مايس عام 2003 في إحدى مدن استراليا.
الشاعر الصامت الهادئ
لقد كان جان دمو غزير الإنتاج شعراً وكتابة ً وترجمةً، إلا أن ما نلاحظه هو انه كان مقلاَ في النشر فهو الشاعر الصامت الهادئ والبعيد عن أضواء عدسة الكاميرات والمهرجانات الثقافية، حيث لم تصدر له طوال حياته سوى مجموعة واحدة بعنوان (أسمال) طبعت وصدرت عام 1993 من قبل  فاضل جواد وهي تحتوي على (27) قصيدة، (14) منها لا تحتوي على عنوان . والمتتبع لمجمل نصوصها يركن إلى أن الشاعر ينطلق من عبثية وفنتازيا الكتابة وهذا ما نقرأه في مستهل ديوانه:
(حبيبتي
فمك حمار كهربائي
حيث أسناني تسافر مع الريح)
بما أن الشاعر كان يمتلك إرثاً ثقافيا وبخاصة في الأدب والثقافة الأجنبية، لمعرفة الجيدة باللغة الانكليزية، لذلك نراه يوظف كل تراكماته ومحمولاته القرائية في صياغة نصوص حداثوية، ضمن قصيدة النثر هذا النوع من الجنس الشعري الذي لم يلق قبولاً كبيراً في بداية ظهوره.
صدر لجان بعد وفاته مجاميع شعرية منها : (بين الشعر والحياة) و (اقذف بغنائك.. سقوطي يمتع جوهر الروح) فضلاً عن ترجمات منشورة لشعراء أجانب كبار في الصحف العراقية والعربية. كما له (حذاء في الجهة) ورواية بعنوان (يوميات صعلوك انطاكيا).
إزاحات فضاضة
بالرغم مما لاقاه الشاعر في حياته إلا انه كان شاعراً يكتب للحياة والحب والأمل، فضلاً عن تنويعاته الحياتية الأخرى من خلال إزاحات فضاضة جميلة تعمل على حشد ذائقيه المتلقي بشعر يمتلك جمالية خاصة:
(نهر اللحظات يتقرفص في حديقة الزهور
الأفواه مجمدة . الأفواه خط طويل من العذاب
اليأس. ما يشدنا إلى البعض، إلى الهواء
إلى الأصفار، هو جسامة الماضي
أن نضحك ثانية وثانية
أن نستفز الحاكمين
 أن نرفض)
بيان شعري
كتب جان دمو الشعر وعلى فترات متباينة ولعل سبب ذلك هو مزاجيته وعلاقاته بمعارفه وعبثيته أحياناَ، وبالرغم من كل شيء فانه استطاع ومع مجايلية من تأسيس بيان شعري، لم يلعن على الملأ آنذاك لظروف المرحلة التي كان يمر بها العراق.
إن مشجب جان دمو الشعري كان الشارع والحانة والمقهى حصراً ومن هنا انطلقت لحظات التألق والتوهج الشعري لديه فكتب بقلمه قصائد عن الحياة والموت والميلاد :
(أيكون الموت غياب الذاكرة
أم صفاً من طيور البطريق
ينتظر مخلصاً ما
تحت شمس بنفسجية
لن نغامر بالجواب
لأنه ما من جواب هناك).
مشاكسات وعبثيات جان دمو
كتب جان دمو مشاكساته وعبثياته شعراً غرائبياَ تركيباً وبنية، مما أدى إلى أن يصطدم بالتقليديين من كتاب قصيدة التفعيلة وبالرغم من ذلك عرفت قصائده صدر الصفحات الثقافية لبعض الصحف والمجلات آنذاك وكان له متابعيه . لقبه العديد من النقاد بالشاعر الصعلوك والمتسكع والمتشرد وغيرها من الألقاب . كان صديقاً لشعراء مثله جمعتهم عاديات الزمن في حانات وشوارع ومقاهي بغداد أمثال كزار حنتوش الذي كتب يصف صديقه جان قائلاً :
(جان دمو آخر نادي الأدباء وقد أفقر
إلا من رشدي العامل
شيخ يصبغ لحيته
بمياه الليل)
ومن يقرأ (أسماله) سيلاحظ حجم مأساته وقلقه ومشاكساته، فضلاً عن نياته وروحة الصادقة . إن حياته تؤشر حياة شاعر متفرد حالم بكل الأشياء، بما فيها فنتازيا الحياة وتداعياتها . فنصوصه تأخذنا بعيداً إلى حيث اللغة الرشيقة ضمن سياقات ذاتانية تحمل أذيال إرهاصات غرائبية وتصرفات قد يخالها الفرد على أنها خارج إطار المجاملات والصداقة، إلا انه رغم كل هذا كان جان دمو شاعرا وإنسانا يحمل في قلبه حبا كبيرا لأصدقائه كما يقول في قصيدته (إلى رشدي العامل): 
(حتى في الأنهار التي لا قيلولة لها
ستبقى موسيقى صمتك أكثر صخباً وغرابة
من جدل الرعب الذي يلفنا
وما جدوى أن يعود المقامرون إلى رؤاهم القديمة
والمجنحون إلى طرافتهم
أو الشعراء إلى خرافاتهم الخفية ؟
بين الخطوات والخطوة خطوتك بيننا
أليس هذا شيئاً إلهيا َ).
تلاعب بالألفاظ
الشاعر لم يترك شيئا في حياته إلا وتطرق إليه، فكتب قصائد من عمق الشارع والمجتمع والحياة، أثث فيها أدميته وإنسانيته، وقلقه ووحدته، فرحه وحزنه وألمه وإشارات موته . شاعر تلاعب بالألفاظ بقدر ما استطاع، ليؤكد ذاته ويمارس إنسانيته:
(ها أنذا في سبيلي إلى ممارسة إنسانيتي
الغرفة مربعة، وكذلك القلب
مع آخر سجائري يتخذ القلق مكانه الأشد توحشاً)
وفي قصيدته المعنونة (السقوط) والمنشورة في مجموعته (أسمال)، سيرى المتلقي إن ظلال الشاعر تقع على خلفياتها بوضوح، وهي من القصائد الأولى والتي كتبها ما بين حانات بغداد وكركوك وغابات الموصل، فحياة التشرد والصعلكة بادية على اغلب نصوصه، فضلاً عن قسوة الحياة. إن حياة كهذه كانت لابد أن تترك أثرها على كتاباته فكانت مليئة بالقلق وقلة التركيز بسبب الإدمان على الخمر والنحول البادي على جسمه.
( بالسر يتركز النوم
في اشد المناطق نأياً، اقذف بغنائك
أنا أيضاً كنت يوماً فريسة حاجة غامضة.
ولكنني كنت على وفاق مع متطلبات الربيع).
يكتنز الشاعر في (أسمال) لغة الحزن الشفيف واللامبالاة، مما يدل على وجود صراع خفي مع ذاته، هيمن ذلك على قصيدته ومجل نصوصه الأخرى:
(تعلمت أن أكون أنا
وان اترك للواقع، أن يتكفل ما فسد
المسافة تقتصر، والحقيقة تتآكل
الجمال غرفة يابسة
مهجورة).

شاعر يفرّط بالحياة دونما أسئلة
يقول الناقد العراقي على حسن الفواز عن جان دمو انه:
(وحده يفرّط بالحياة دونما أسئلة،انه يدرك لعبتها السرية ويدرك افقيتها المروعة، يمارس ازاءها كل التوحش والتوغل، ربما تمنحه عشبتها القديمة التي أضاع كلكامش من اجلها اسطورته وشهواته. جان دمو/ الشاعر، مارس هذا الامتياز بإفراط. بددّ الحياة من حوله، بعثرها مثل أوراق حقيبة مهملة، لم يقتنع بالزمن الأخلاقي الذي يؤطر الكائن بالآخرين وأشيائهم (السلطة/الشارع/ المقهى/مركز الشرطة/الفندق/المرأة /الحزب) كل ما يؤمن به هو علاقة كائنه بكينونته، تلك التي تضمر وجعا خفيا أو صوتا يكتم هوسه تحت جلد مباح لأوهام العابرين ،كان يسخر بمرارة،يضحك احتجاجا أو توهما ،لغته تبدو كلاما منثورا دونما اقنية تدفعها الى المعاني أو الوضوح الى الشأن العمومي ،ليس من شأنه أن يكون واضحا أو مهذبا أو منتجا للمعاني،،ربما ليقين مرعب أن الكل حوله ينتجون معاني ضالة ومشوشة، ولا حاجة لان يكون شبيها بأحدهم.
ويضيف الفواز :الإنسان في جان دمو هو أكثر حضورا من الشاعر الذي يكتب من دون أن (يصفن) كما هي عادة الشعراء وكأن الكلمات مكدسة في فمه وإنها تنزلق كلما أراد لها أن تكون مناورة شعرية ،قيل انه عاش مع مجموعة كركوك (سركون بولص، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي، يوسف الحيدري، صلاح فائق ،جليل القيسي) من دون أن يتورط معهم في صناعة الوعي المضاد، أو مشاركتهم في اكتشاف طرق أخرى للحرير أو الهند ، هو اكتشف الطريق مختصرا الى جسده، تمرد عليه بنوع من المازوخيا ،منحه طقوسا هائلة من اللذات والسكرات والنسيان والقسوة ،لا شأن له بصناعة أية علاقة عضوية مع الخارج/الواقع الذي لم يألفه ولم يطمئن إليه .كل ما يعرفه عن الخارج/الواقع هو مجموعة زوايا وشوارع ومقاه ووجوه ،وحدها هذه الكائنات/الأقنعة تعرف جان دمو،ترصد يومياته وتحولاته ونومه وصحوه ورحلاته لكنها خذلته حينما تركته وحيدا يموت، ربما كان موته عجولا بعد أن فقد (رقابة) هذه الأقنعة الحميمة، هو لم يألف العيش خارجها وبعيدا عن ضجيجها وشتائمها وهوسها المرعب بالحياة و كل عوامل الموت الطاعنة في خلاياها. يقول جان دمو:
نحو العبور ميتا/أساهم في تطوير الأسبوع/اسجن نفسي في ميناء السرير/استطرف قدوم الرمل ،ونواحه في جذور جبهتي).

جان دمو ظاهرة حياتية متميزة
وأخيراً لا يسعنا إلا أن نستعرض ما قاله الناقد العراقي عدنان حسين عن هذا الشاعر، والذي يؤكد إن جان دمو: (يشكل ظاهرة حياتية متميزة! أكثر من كونه ظاهرة شعرية متفردة في الوسط الثقافي العراقي، بل انه ببساطة كان يؤثث الأمكنة الثقافية العراقية، فلا معنى لمقهى حسن عجمي ولا اتحاد الأدباء والكُتاب من غير جان دمو وأصدقائه الحالمين). فرحيله كان فاجعة كبرى، ذلك لأنه لم يحقق شيئاً من أحلامه الصغيرة أو الكبيرة، سوى الشعر، لقد غادرنا وهو صافي القلب وحيداً فريداً إلا من الحب، الذي لف ضريحه . سيبقى جان دمو ظاهرة فريدة وعلامة مميزة في المشهد الثقافي العراقي، كونه أصبح محطة أنظار عدد كبير من الأدباء والشعراء مدة ربع قرن من الزمان.
 
السقوط
( بالسر يتركز النوم
في اشد المناطق نأياً، اقذف بغنائك
أنا أيضاً كنت يوماً فريسة حاجة غامضة
ولكنني كنت على وفاق مع متطلبات الربيع
تعلمت أن أكون أنا
وان اترك للواقع، أن يتكفل ما فسد
المسافة تقتصر، والحقيقة تتآكل
الجمال غرفة يلبسة
مهجورة.
أتعجل مقدم الفجر .. سقوطي يمتع
جوهر الروح
لم أتعلم أن أتغيب طويلاً)

* القيت في مؤتمر الادب السرياني (مؤتمر اوجين منا) الذي اقامه اتحاد الادباء والكتاب السريان في اربيل 2013

المصادر:
1.   د. بهنام عطاالله، وهج القصيدة يقظة الذاكرة، جان دمو بن فنتازيا الكتابة وإثراء الرؤى، دار تموز للطباعة والنشر، دمشق/ 2012.
2.   جان دمو، أسمال، مجموعة شعرية، دار الأمد، بغداد، 1993.
3.   على حسن الفواز ، ثمة من يكتب الغياب دائماً، جان دمو" اكتشف أن تحت مياه الجرح كناراً موقع جهة الشعر الالكتروني.
4.   بعض المواقع الالكترونية الأخرى.[/size]





غير متصل اخيقر يوخنا

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 3495
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
د بهنام عطالله
شلاما دمارن

 لن نغامر  بالجواب لانه ما من جواب هناك
تعلمت ان اكون  انا

جمل قصيرة في تركيبها
تعادل كتب في شرحها
تشكر على تعريفك بشاعرنا جان دمو



غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاخ العزيز ابو سنحاريب المجترم

تحية طيبة

شكرا لك مرورك الكريم .. من واجبنا هو اظهار ابداعات شعبنا مهما كانت اتجاهاتهم واتطلعاتهم لكي نظهرها للعالم ونبيت لهم اننا شعب يحترم الادب والفن والعلم والمعرفة وما زلنا كما كنا منذ القدم ..
تسمي لك .. دمت

د. بهنام عطاالله


غير متصل bakhtma

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 41
    • مشاهدة الملف الشخصي
موضوع اكثر من رائع د. بهنام الرب يباركك دائما واتمنى لك التوفيق .


غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شكرا اخي الحبيب لمداخلتك الجميلة وتشجيعك ومتابعتك للموضوع..تحياتي..
بهنام عطاالله