فاروق مصطفى يوشم القمصان المتدلية برائحة الدفلى


المحرر موضوع: فاروق مصطفى يوشم القمصان المتدلية برائحة الدفلى  (زيارة 2283 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 129
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



فاروق مصطفى يوشم القمصان المتدلية برائحة الدفلى



فهـد عنتـر الدوخي


في الليالي المتأخرة, كركوك تنادم مصطبته الوحيدة أمام القلعة, وحلمه الذاهب عشقا معجون برائحة الدفلى وطعم أزهار الخباز, فاروق مصطفى الفقير الكركوكلي توجعه نغمة شرسة, وهديل الغمام يوشم القمصان المتدلية بطابع بريدي ظل يرقب الأفاق لعله يأتيه بخبر يقين عن الذين لازالوا يتوسدون آلام الإغتراب,هل تعصف بهم نوبات الشوق الى (تعليم تبه)؟؟ ليرزموا ماتبقى لهم من إستذكارات ويعودون طلقاء يحفهم ألق الأيام في (كاور باغي), عائدون من مدن المنفى الى دروب تتوشحها حدائق (عرفه),و كعادته يترنح عشقا على أرصفة ( جرت ميدان)و وذاكرة المكان الهاطلة في القلب توقضه بذاك الكبرياء فارسا يستعد لملاقات الشاعر المهندس (طيب جبار) وبذاك الهدوء يسير بخطى الفراشات يسبر أغوار التاريخ بعقل عاشق حتى الثمالة وفي جيده فكرة معلقة( أطراس المدائن )السعيدة تفتح أبوابها لتوزع الشاي للذين مروا كراما, يتوغل بين أسماء وواجهات, يقلب أفق الماضي بعنوان رحلة حفرت في أديم الزمن أوجاعا إمتدت من ( شاطرلو) حتى الجزائر جنوبا , وتتلاحق المسافات وتخذله نغمه طائشة(ليالي الأنس في فينا,نسيمها من هوى الجنه), يشبر الفضاءات بروحه الأنيقة طائرا يفتش في أروقة الدنيا عن حانة تروي ظمأ الأيام وفتاة تجيد التحدث بأربع لغات, وزهرة يناظرها من نافذته العتيقة التي تحاذي المقهى التي خذلتها الأيام لتصبح فرنا, أديبا, شاعرا يرسم وجع الذكرى بقصيدة مهداة الى حبيبة ظل يخفي أوجاعها حتى ترامت دموعه من رأسه شوقا اليها وهو يتسكع في أقاصي الدنيا, وعندما إستولت عليه نوبات من الصمت وهو يداري وجعه إذ لم تسعفه جرعة من نبيذ معتق مختوم بفرمان أجداده ,حطت على كتفه يمامة أندلسية تعج منها روائح كنثار الدفلى الذي تستبد في مساءات طفولته كادت أن تنسيه ملامح وجهه وبريق الكلمات التي يرسم بها لوحاته وعذوبة السحر الذي يلتقط آماله , والصعاليك الذين ظل حلمهم مؤجلا ليستحالوا الى دراويش في تخوم (إمام قاسم) إنقطعت عنهم وشائج الأمل بعد أن غادروا مرغمين لتوديع صباحات( المجيديه) هربا الى مخادع الخلاص وتثويرا لعقدة ما فتأت تكبر حتى إنفجرت وأوشمت كل الأمكنة بسيل من الأحلام والذكريات والقصائد والنغمات حتى أمست قافرة بعد أن شد الرحال عنها ندمائها وبعد أن طووا سير وتراجم وأبحاث وقصص وتواريخ,وووووو, تحت عباءة إمرأة تستقل ركنا من (قلعة كاور) توزع الهوى والجمال والفتنة من قلب ندي , وتستعطف ظرافة هؤلاء الذين بطشت بهم لوثة الشعر والموسيقى واللقاءات التي طالما بعثت الحزن الجميل في أروقة النفس حتى شاخت تستجدي المارة من أقوام تدافعت عند تخومها بحثا عن قصيدة مرمية على قارعة(ارابخا القديمة) ورائحة المقهى المهجورة في (شاطرلو) تزود حقائب الصغار الفارين من جشع الباعة بإستراحة وهمية, وبالأسود والأبيض تنتفض صورهم العالقة في نفوسنا, من أصدقاء المحلة الواحدة, وكنوز الجيرة وأشجار الليمون التي تتدلى على حافات الأضرحة والسواقي وأفياء الزيتون قرب مقام (سيد علاوي) مرورا بكل الأزمنة التي طحنت كل الآمال وأرخت بغايا التسلط أن ترمي بإسفافها حتى (إمام قاسم), وأنت يا فاروق مصطفى الشاهد الحي الذي دون كل أحاديث المساءات , وحلقات الذكر, والمدائح النبوية,وألعاب العيد والسفرات المدرسية, ودواوين الشعر وقصص أجاثا كريستي و مجلة الآداب اللبنانية,وغادة السمان, وكوكب الشرق أم كلثوم وناظم الغزالي ومن وضع يافطات جديدة لأسماء طالما دوختنا ونحن نرددها مذ كنا في أبهة الطفولة,(لوركا, محمد صابر محمود, جليل القيسي , جان دمو,سركون بولص ,عبد اللطيف بندر أوغلو)وبروحه التي تنبض بالحكمة والشباب يستجيب لنداءات طلابه, أصحابه الذين أصبحوا أصدقاؤه لينزل من صومعته كقديس ليجاري أهواءهم وليمنحهم شئ من كبرياءه ونبوغه..
عقدان ونيف إنقضت وأنا أتسكع في دروب هذه المدينة(كركوك), جئت اليها أواخر الثمانينات, تدفعني رغبة الفضول لسبر ملامح وجهها الوضاء مقرونة بأسماء ظلت ترفد الذاكرة بهذا الإطراء العجيب, فاروق مصطفى أحد هذه الأعلام التي لونت الأدب الكركوكي بهذه الميزة, رفعته من محليته الرصينة الى أفق العالمية, منحته هذه العذوبة, وعبدت طرق إنطلاقه نحو المديات الأرحب, إنه عالمها الجميل المزدان بكل آيات الثراء الإنساني والإجتماعي, وحاضنته مدينة الفقراء بكل آدابها وفنوها,وملتقياتهاوبساطة أهلها وسحرها الموجع,مدينة الفقراء التي توائم تحت ظلها أبناء بلدي إذ إحتضنتهم بصبر والدة تخشى على أبناءها من الأذى .ويلوح بإطلالته المهيبة ليخرج لنا مشهدا شعريا كتبه في أول إشراقات عطاءه:
أيتها المصاطب الشائخة,
النابحة الهزيلة الأعناق,
جسد يليق بنسغ شيخوخته القانطة,
وأنت تفتحين غسقا يمر.
الى شتاء يمن كتابا ذبيحا
تقرؤون فيه مراثي تركل
لأطفال الذكرى وغاويات الغمام
ذاكرة المكان كركوك..ص97
كل شئ جميل خطته انامله وكل نسمة عطر حلقت في فضاءه كتلك السطور التي تحمل بين جنباتها بشرى انتزاع الغيث من رحم السماء لأطفاء سعير الارض ومنح ثراها سعه من الاخضرار والنماء, قصائدموشحه بألق الصدق والموسيقى وجدتها عند بابك سيدتي القلعة الرابضة على كتف الزمن يلوح بها الأديب المهيب فاروق مصطفى وجدت دثارا سومريا, عالما يزينه السحر وتستبدبه قبلات أميرة من قصور ملوك العصور الوسطى, أعثر عليه في قصيدة نثرية وألحظ أثرا يلتمع كسيف سنحاريب في مرابع نينوى , إنه كتاب مفتوح تزينه دماثة الخلق, وصفاء النفس وإستقرار النبض,وجدت في سفرك فراشات تنافس تحليقك في سماء اللغة والتصوف والنبوغ,
الشتاء ذو الياقة المجعدة
يتصعلك الطرقات
الطرقات المتروكة لأصابع النسيان,,
في حقائبه قمصان من الماء,
يحلم أن يغوي الدفلى..
طرائس المدائن ص/13
لازلت أحتفظ بدهشتي وفرحي يوم وضع على طاولتي الأديب فاروق مصطفى أغلب اعماله وقد وثقها في كتبه التي تحمل عناوين رائعة ومعبرة وترى أنه يسرد حكاية رائعة وراء كل عنوان عظيم أومقالة وربما قصيدة أو إمرأة:
على مصطبتي الوحيدة
ينز المساء نعاسه اللذيذ
وأنا في إنتظار الوصيفات السبع
يهبطن سلالم قلعتهن السمحاء
وربما الأميرة تمطر
بغمائم المرآة في زينتها الباذخة
وربما علق ثوبها الفضفاض
بأعشاب أدراج بيتها المنيف...
مصطبة وحيدة أمام القلعة/ص5
وأخيرا ألتمس ألف عذر لأسوقه لأستاذي الأديب الكبير فاروق مصطفى عن كل غلط أو سهو أوعرض لم يف بالغرض, مع عميق شكري مقرونا بآيات العرفان والإمتنان لقامة كركوكلية عراقية وضعت في مكتبتنا أكثر من خمسة عشر مؤلفا, تنوعت مضامينها بين قصيدة التفعيلة
والقصيدةالنثرية والمقال الأدبي والقصة القصيرة والريبورتاج الصحفي والخواطر, والترجمات الأدبية. ناهيك عن عشرات المخطوطات التي يحتفظ بها والتي لم تر النور لأسباب عديدة.

*تعليم تبه, كاور باغي, عرفه, جرت ميدان.. من محلات كركوك القديمة
*شاطرلو, إمام قاسم, سيد علاوي, من محلات كركوك القديمة..
*تم التعريج على مؤلفات الأديب فاروق مصطفى في متن المقدمة