صراع الهويات ...!
في كل النقاشات التي تثار حول التسمية او الوحدة القومية، تنطلق كلمات او مصطلحات كقذائف المدفع وكحواجز تقف امام المتحاورون او توضع عنوة كتحدي صعب التجاوز والعبور، ومن هذه الكلمات القومية، الهوية، الحضارة، التاريخ، التسمية المقدسة، ولان المتناقشون او المتحاورون او المتحاربون للاستيلاء على الاسلاب (اذا كان قد بقى منها شيئا) الايديولوجيون ينطلقون من الحقائق المطلقة ولا يقبلون الا بما امنوا به ولا يهمهم مصير الانسان وحقوقه، فلندخل قليلا الى هذه الكلمات التي ذكرناها ونعرف معناها ونرى كيفية انطباقها علينا.
القومية هي دعوة ايديولوجية تدعو الى ان الاشخاص الذين يتكلمون لغة واحدة ولهم تاريخ مشترك وارض مشتركة وعادات وتقاليد مشتركة واضاف لها المرحوم ستالين المصالح المشتركة، فانهم يجب ان يناضلوا ويعملوا سوية من اجل اقامة دولتهم الموحدة والمستقلة والغير خاضعة لاحد، لانهم يشكلون شعبا واحدا وامة واحدة، علمان ان هذه الدعوة انبثقت او تطورت بالاصح مع تطور الطبقة البرجووازية الاوربية (المتوسطة) لا بل ان الدعوة القومية هي نتاج هذه الطبقة بامتياز، اي ان الدعوة القومية عمرها بحدود ثلاثمائة عاموليست منذ زمن سنحاريب ونبوخذنصر، صحيح ان مشاعر الود كانت قائمة قبل ذلك بين المتكلمين بلغة مشتركة وخصوصا عند لقائهم في موقع غريب او بعيد، الا ان الدول قبل شيوع الدول القومية لم تكن قائمة على اسس الدعوة القومية، بل على التوريث او القوة او الاستيلاء، اما في زمن الاشوريين والكلدان فايضا ومثلهم مثل الدول التي كانت قائمة قبل اقل من اربعمائة عام، فكانت دولتهم قائمة على القوة والضم والاستيلاء، وهذا الامر لا يعيبهم لان من خلفهم بالفين من السنين مارسه وكأنه امر طبيعي، اذ تطبيق المبداء القومي على الفترة الاشورية والكلدانية غير ملائم وغير صحيح وليس امرا طبيعيا وينم عن جهل كبير بمسار التاريخ الانساني.
اما الدعوة القومية الاشورية او التي اتخذت هذا الاسم لها فتأثرت بما حدث في اوربا والنجاحات التي اتت نتيجة هذه الدعوة، وهذا الامر ينطبق على العرب والكرد والفرس وحتى الاتراك اصحاب السلطة والقوة، وكانت مرامي القوميين الاشوريين التخلص من الظلم والاضظهاد العثماني شأنهم شأن الكرد والعرب، وهم لم يخصوا نضالهم بطائفة منهم بل كانوا يعلنون نضالهم لحميع الاقسام (لانهم امنوا على الدوام بأنهم امة واحدة)، وفشلهم في تحقيق حلمهم ليس معناه انهم كانوا على خطاء، في دعوتهم بل ممكن انهم لم يدرسوا خطواتهم ولم يشكلوا تحالفاتهم بشكل سليم. اذا بماذا يختلف الاشوري عن الكلداني بالصفات التي منحت او التي اعتبرت اسسا واجب توفرها للقومية لكي تكون واحدة، هل يختلفون باللغة، انا وحسب اختلاطي بمن يقول انه كلداني، وانا اعتقد انني اختلطت بكل العشائر او اهل مختلف القرى والمناطق التي خرجوا منها الكلدان، من سينايي (اهل سنندج في ايران) والقوشنايي وتلكبنايي وعنكاوايي وشقلونايي ودهوكنايي وصبنايي ومنكشنايي وعقرايي ومركايي وهربولنايي وحسنايي (الاخيرتين في تركيا) والمعذرة لمن لم اتذكره الا انني ذكرت كل اللهجات الرئيسية التي ينطق بها من يسمى انفسهم بالكلدان، بكل مثل هذه اللهجات التقيت ولم احتج في يوم من الايام لمترجم لكي يترجم لي عنها بل فهمتها وتكلمت بلهجتي الصبنيتا(القريبة من اللهجة التيارية) معهم وفهموها، ولم اشعر انهم يتكلمون بلغة اخرى بل شعرت انهم ينطقون بعض الكلمات بصيغة اخرى او كلمات هي اساسا مرادفات موجودة في قاموسنا اللغوي وكل وحسب منطقته، فانا والكلداني الهمزاني او الارادني نتكلم بنفس اللهجة، والكوماني الكلداني والاشوري يتكلمون بنفس اللهجة، اذا عامل اللغة المختلف انتفى، لان اختلاف اللغة يتطلب تعلمها لكي تفهمها، ولكنني لم اتعلم لغة لكي افهم وهذا ينطبق لكل ابناء شعبنا من الكلدان والاشوريين فهم يتفاهمون بسلاسة ويسر بلغتهم المشتركة.
برغم من ايماني ان الكلدان والاشوريين في عصورهم القديمة كانوا شعبا واحدا، وتكلموا لغة واحدة، قد تكون بلهجات مختلفة ايضا، الا انه امر ليس بذي بال امام اكثر من الفين من السنين من هذا التاريخ المشترك (اذا الغينا تاريخ الامبراطورية الاشورية برمته وتاريخها في المرحلة الكلدانية)، تحت قيادة واحدة وهي قيادة المستعمر الواحد بعد سقوط اخر عاصمة كبيرة لشعبنا وهي بابل عام 539 ق م وقيادة كنيسة المشرق لحين الانقسام الثاني عام 1552 ، وحمل تراثها، والذي يدعي الطرفان انه تراثهما، واذا كان الكلدايي يفتخرون بتراث المبدعين الجدد من الابناء مثل توما ادو واوجين منا وادي شير وغيرهم من جهابذة الملافنة فان الاشوريين يعتبرونهم منهم وقد كتبوا بلغتهم ويفتخرون بهم ايضا .
ونعود الى الازياء والرقص الشعبي والالحان الكنسية والاغاني الشعبية والقصص التراثية، اليست موحدة، فاين الاختلاف القومي واين الهوية المختلفة، الهوية تتجسد بهذه الامور، فانا عراقي ولي هويتي العراقية وافتخر بها، ومن جراء هذه الهوية انا اتشابه وامتلك خصائص او متأثر بامور نتشابه فيها كلنا نحن العراقيين، وانا من شمال العراق فانا واهل المنطقة لنا مشتركات معينة قد لا يشاركنا فيها ابن الجنوب، وانا مسيحي وانا اتشارك مع المسيحيين كلهم في قيم مسيحية عامة معينة، على الاقل في الصلاة الربانية، وانا من كنيسة المشرق، فانا وكل المنتمين لكنيسة المشرق نتشارك في قيم معينة على الاقل في الايمان بطبيعتين واقنومين في السيد المسيح، وانا ابن بيباد قريتي واتشارك مع اهلها في امور كثير على الاقل في اكلة خمسا البيبادي وهلم جر من الهويات التي امتلكها، ولكل هوية خصائص معينة ومن هذه الهويات فانا والذي يدعي انه كلداني نتشارك في هويات متعددة ومنها الهوية العراقية والشمالية والمسيحية، ولكن اهم هوية نتشارك فيها هي الهوية القومية، ان تجليات الهوية القومية من اللغة والتاريخ والتراث والعادات والتقاليد والارض كلها واحدة، فبماذا نختلف انا والكلداني، نختلف بالتسمية التي نحاول ان نطلقها على انفسنا، اذا كذب من قال اننا شعبان واننا قوميتان واننا امتان، اننا واحد ولكننا نحمل تسميات متعددة والحل هو في حل الاشكالية هذه، وليس هنالك من مقدس الا الانسان، ومن اجل هذا الانسان ومن اجل ضمان مستقبله علينا ان نعمل، اما الا يديولوجيون من الطرفين فهم مستعدون ان يزيلوا الانسان من قاموسهم من اجل هذه التسمية او تلك.
اذا كان حامل التسمية فقيرا وغير ملم بلغته وحقوقه غير مضمونة ومظطهدا، عندها يخضع الانسان لكل مغريات الحياة، فالانسان السوي يتطلب الحياة وليس الموت، ويريد ان يتمتع بكل ما يتمتع به غيره وان لا ينتقص من حقوقه اي شئ ولاجل ذلك قد يتخلى تدريجيا عن لغته ويندمج في الذين يتمتعون بكل الحريات والحقوق لكي يكون مثلهم، اما الرابضين في قلاعهم الحصينة فلا يهمهم هذا بل هم مستعدون للتضحية باخر اشوري وكلداني من اجل التسمية المقدسة.
ان تسمية حضارة او مدنية باسم شعب معين تعني ما انتجه هذا الشعب من الافكار والمخترعات وسبل عيش، ولذا فبرغم من ان الحضارة الاشورية تعتبر من الحضارات التأسيسة الا ان تجزأتها الى حضارة اشورية وحضارة كلدانية هو امر مجحف وغير موضوعي وتجاوز على كل الحقائق، فالاسرة الكلدانية لم تحكم الامبراطورية الاشورية الا ما يقارب الخمسة وثمانون عاما، وهذه الفترة غير كافة ابدا لانتاج حضارة مميزة عن حضارة الشعب والاسر الحاكمة السابقة، واذ كانت بابل قد انتجت بعض العلوم فانها لم تكن في زمن الاسرة الكلدانية، بل في ازمنة اقدم، وما ميز بابل في زمن الاسرة الكلدانية هو جنائنها اما ادعاء البعض ان الاسرة الكلدانية نزعت الى السلام بينما نزعت الاسر الاشورية الحاكمة في اشور ونينوى ونمرود ودورشيروكين الى الحرب والقتال فهو هراء يكذبه دخول نبوخذ نصر ابن نبو بلاسر الحاكم المعين من قبل الملك الاشوري على بابل نفس الحروب التي دخلها اسلافه من حكام مثل سركون الثاني واسرحدون واشور بانيبال، بل والتمثيل بقساوة اكثر بالاسرى، اذا اين الخلاف الذي انتجته حضاريا الاسرة الكلدانية الحاكمة وهذا يزيد من انهم كانوا شعبا واحدا لكون اتجاهاتهم العسكرية ومخططاتهم تتجه نحو اتجاه واحد، اما اذا كان البعض يعتقد وبدون مبرر ان الشغب الاشوري قد تكلدن بمجرد تغيير الاسرة الحاكمة القصيرة العمر على اساس ان الناس على دين ملوكها، فالامر مقبول من ناحية تأكيد وحدتنا على الاقل.
التاريخ الكلداني العظيم، لا غبار على العبارة ولكنه نفس التاريخ الاشوري العظيم على الاقل منذ سقوط بابل عام 539 ق م ولحد انقسام الكنيسة المشرقية، انهم نفس الاشخاص الذين نمجدهم ونفتخر بهم ونطرح اسمائهم لاثبات اننا انتجنا حضاريا امرا مهما برغم من عدم امتلاكنا للسلطة السياسية، فلنراجع الاسماء التالية ( برسرابيون الكاتب، برديصان، ططيانوس، شمعون برصبعاي، ابرم، نرسي، اسحق بن الحنين، حنين بن اسحاق، ال بختيشوع، ثابت بن قرة،اورهاي المدينة، نصيبين المدينة، الدير الكبير، عوديشو الصوا، خامس القرداخي، كوركيس الاربيلي وو غيرهم من الاسماء والاحداث مثل مذابح الاربعين عام ومذابح المغول، اليست هي نفسها هذا التاريخ، فاذا كان التاريخ المشترك احد دعائم الوحدة فاين الانقسام في تاريخنا، اليس هو نفسه؟
الاسم المقدس، هنا مربط الخيل، فهناك تسميات ثلاثة، استعملت تاريخيا وهي الاشورية والكلدانية و السريانية، والمشكلة في المقدس انه لا يقبل الحوار، فالمقدس من الله وكل ماكان من الله، فهو كامل تام الكمال، لا يأتيه باطل من خلفة ولا من امامه، انه غير قابل للمناقشة، للتحوير وللتبديل ( وان كان لتحقيق مصلحة الشعب)، فالكل امام المقدس مستعدون لافدائه بالغالي والرخيص وهو الحد الذي عنده تراق الدماء رخيصة، فالمقدس هو الشرف والشرف عند الشرقي اخر المطاف، وتصطف جيوش المتحاربين والمقاتلين حذرة مستعدة فالويل والثبور لمن يقترب من الحياض المقدسة وهو هنا الاسم، لاننا منذ زمن بعيد ضيعنا الحياض ليس للاشوري او الكلداني، بل للاخر الذي لا يتسمى باي من هاتين التسميتين، ونحن مستعدون لتضيع الاكثر ولا نتنازل ولوبشئ للكلداني سارق نضال وجهد الاشوريين ولا للاشوري الذي يريد ان يزيل اسمنا وهويتنا وحضارتنا الكلدانية المقدسة. ولاذكر لكم هذه الطرفة المعبرة، قامت قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1974 بتأسيس منظمة اسمتها بلجنة شؤون المسيحيين واسندت رئاستها الى المرحوم كوركيس مالك جكو، فالتحق بها بعض الشباب المندفع وقالوا انهم يريدون استرجاع نينوى، فقال لهم المرحوم كوركيس يمعودين احنا ضيعنا كوري كفانا وانتم تطالبون بنينوى (كوري كافانا قرية المرحوم كوركيس مالك جكو). [/b]