بعد إكتمال بعض الإجراءات الروتينية التي شرحتها في الجزء السابق،مثل توقيع عقد إيجار الشقة بالأحرف الأولى (أنا وزوجتي)،حضرت الكيس ووركر السيدة سيمون الى شقتنا بموجب موعد مسبق وأحضرت معها مجموعة مستندات تخص موعدنا مع الفود ستامب والسوشيال نمبر،وقعنا عليها وثبتنا المواعيد الخاصة بذلك،واتفقنا معها على ان كفيلنا سيحضر ليقلنا بسيارته الى الدوائر المعنية قبل نصف ساعة من الموعد المحدد،لكي نوفر عليها عناء حضورها لشقتنا،الأمر الذي يجعلها تتوجه مباشرة الى دائرة الفود ستامب او غيرها لتجدنا بأنتظارها.
كما تحدثت سيمون عن اشخاص سألتقيهم في المنظمة،يتخصص كل منهم بعمل معين مثل التربية والمدارس أو الصحة أو العمل...أو كورسات اللغة وماشابه.
وقبل حلول موعد مراجعتنا لدائرة الفودستامب،قمنا بجولات جديدة في مدينتنا (ناكسفيل)وبعضهم يدعوها (نوكزفيل)..والفضل لله ولكفيلنا السيد عثمان الذي بذل معنا جهداً خارقاً وممنوناً في إذابة جليد الغربة وإدخالنا في (فورمة)وطننا الجديد..
تسوقنا في (ولمارت) بالبطاقات التي منحتنا إياها المنظمة والتي يبلغ رصيدها (400 $)تقريباً،لأنها غير قابلة للسحب (الكاش)فلابد إذن من الاستفادة منها وابتياع مانحتاجه من ملابس ومستلزمات أخرى ولاسيما للأولاد لأني آثرت عدم جلب حقائب كثيرة من العراق فقد اكتفينا بأطقم قليلة من الألبسة ولذا كانت حقائبنا أربعة فقط وجهازي كومبيوتر محمول (لاب تاب)علما ان عدد أفراد عائلتي خمسة أشخاص.
كذلك اكتشفنا (ستور) محلاً كبيراً يدعى (دولار جنرال)لكنه اصغر حجماً من (ولمارت)قريب من مجمعنا السكني وفيه أشياء كثيرة بأسعار مناسبة تدفع نقداً لأن بطاقاتنا لاتعمل فيه.وكنا نسير مشياً على الأقدام اليه،وفي إحدى المرات التي كنا نتسوق فيها بهذا المحل سمعت كلمات عراقية بين أم وابنتها تنهمر في أذني فلاحت مني التفاتة الى مصدر الصوت وسلمت عليهما وكان التعارف مع ام عبد الله واتضح انها جارتي في نفس المجمع ولها عام أو أكثر قليلاً في ناكسفيل وقد حضرت من الأردن مع ابنتها وابنها...وقد وعدتني بزيارة لشقتي للتعرف على العائلة.
برغم خروجنا للتنزه مرتين او ثلاث مرات سيراً واجهتنا الأمطار الصيفية برذاذها الجميل خلال تلك النزهات،مما جعلنا نتمسك بحمل مظلة واقية للأمطار كلما عزمنا على الخروج...وأثناء تلك النزهات بدت ملامح المدينة الجميلة وخطوطها العامة تتضح أكثر وأكثر،فالهدوء سيد الموقف والنظافة والترتيب وجودة الطرق وبساطة الناس وتكامل الخدمات وكثرة الباركات (الحدائق العامة)بل حتى المدارس والجامعات والكليات منتشرة بكثرة،والشيء المهم ايضاً هو سلوك الناس المحافظ (لاوجود للخلاعة او المظاهر المخدشة) والجميع أو الأعم الأغلب يقابلك بإبتسامة حتى ينشرح صدرك وتنسى على الفور التقطيبة والتجهم والوجوه العابسة الكئيبة التي كنا نحاط بها في بلادنا.
البيوت متباعدة بمعنى لاوجود للاكتظاظ العمراني هنا،وحتى المحال التجارية لاتقع على حافة الطرق بل تبعد ما لايقل عن عشرين او ثلاثين متراً،إذا تترك مساحات لوقوف السيارات أمام كل محل او متجر او مؤسسة.وهالتني المباني التي انشئت الكثير منها من الخشب!
في صباح يوم أمس حضر كفيلي عثمان الى منزلي وابلغني ان مسجد ناكسفيل خصصوا لنا مبلغ (50)دولاراً للتسوق في محلات العربي (الحلال)،وطبعا يوجد أكثر من مسجد وحسينية للمسلمين في ناكسفيل وهنالك تعاون وتضامن جيد بين المؤمنين وسعي لدعم كل عائلة مهاجرة تصل الى المدينة،وطبعاً لايقتصر دعمهم على المبلغ المذكور آنفاً،لكنه يتعداه الى أشياء أخرى لن أتحدث عنها لأني لم انلها حتى الآن،كي لايكون وصفي خيالياً أو مبالغاً به،لكني سأتحدث بإسهاب عن ذلك حال تحققه.
وبعد ذلك خرجنا الى احد المحال الصينية حيث تباع الأسماك والأطعمة البحرية المختلفة،لكون العراقيين لايطيقون الابتعاد عن التهام (السمك)كما هي عادتهم.
كان المحل مليء بالأسماك من شتى الانواع،هامور،شانك،بحري،نهري،روبيان،وأسماء كثيرة لاأحفظها،بعضها طازج (يلبط)في احواض زجاجية كبيرة والبعض الآخر مسترخٍ فوق مكعبات الثلج التي حفظته من التلف.
نظافة المحل وأناقته ذكرتني بعلوة الأسماك في مدينتي العراقية، التي لاأتذكر إنني مررت يوماً بها الا وتلوث نصف بنطالي بالأوحال او اتسخت ملابسي من المياه القذرة التي تطفو في شوارعها كبركة آسنة.!
إبتاع صديقي سمكة كبيرة تشبه (العلافي)الشهيرة عندنا..فيما اشتريت انا سمكتين مثلثتين تشبهان الزبيدي العراقي،وقد قام العامل بتنظيفهما وفتحهما من الظهر حسب طلبي،ورفضت تقطيعهما لقطع صغيرة حسب أوامر زوجتي التي لاتقبل القسمة على أثنين!
في الظهيرة كانت وجبة (مطبك عراقي)شهية..(مكانكم خالي ياجماعة)،لكنني لم التذّ بها،مادام حال بلدي وشعبه بهذا القدر من السوء.أعانكم الله وسهل أمركم جميعاً.
بعد ظهر البارحة فتحت بريدي الالكتروني بعد تفعيل خدمة النت،كان احد الأصدقاء وهو عضو في (منتديات عينكاوة)ويدعى (ساحر بغداد)قد ترك لي رسالة ومعها رقم هاتفه الجوال،لم يكن يعرف انني وصلت الى امريكا فقد كنا نتراسل او نتبادل المعلومات عبر موقع (عينكاوة)لكننا لم نلتق ابداً...على الفور اتصلت به،وقد فوجيء الرجل فصرخ بي أين انت الآن؟..قلت له:في ناكسفيل،قال انا في ناكسفيل..اعطني عنوانك سريعاً،فأنا قادم اليك فوراً!!
وهكذا كان،فقد حضر ساحر بغداد الى شقتي وتعرفنا على بعض وبعد كلام ونقاش وملاحظات ونصائح،حضرت الكيس ووركر ومعها المترجمة العراقية السيدة (أم علي)وهي من أصول مسيحية..تصوروا أم علي مسيحية؟!!...وساد جو من المرح بسبب الروح الجميلة للأخ ساحر بغداد الذي لن افشي اسمه الصريح لأنه لم يخولني بذلك...واكتملت الجلسة بحضور السيدة ام عبد الله التي التقيت بها سابقاً في (دولار جنرال)كما أسلفت،وقد أعطتني خارطة كاملة عن الوجود والتمدد العراقي في ناكسفيل،كما أخبرتني هي وساحر بغداد عن قصة عرس عراقي و(زفة)رائعة بالسيارات شهدتها شوارع المدينة قبل أيام قليلة جداً،وفيها (ذبّ الشباب العراقيون لحماً)!!!
وفي صبيحة هذا اليوم الثلاثاء،بتوقيت اميركا (20 آب)،ذهبنا (انا والعائلة كاملة)الى دائرة الفود ستامب،التقينا بسيدة محترمة سألتني بضعة اسئلة من اهمها هل تمتلك مالاً أو احضرت معك نقود الى اميركا..فأجبتها بالنفي،لأن عكس ذلك قد يؤثر على صرف المعونات الغذائية..ثم شرحت تفاصيل البطاقة التي سنتسلمها خلال (اسبوع او 8 أيام)تقريباً عبر البريد..وكنا نتحادث انا وهي عبر هاتف ذي ثلاث خطوط،حيث تقع مترجمة عربية على الخط الثالث دون ان نراها...وقعنا على اوراق انا وزوجتي،ثم قادتنا نفس السيدة الى مكتب آخر للتسجيل على برنامج (فيرست فاميليز)وهو يخصص مساعدات نقدية (كاش) لاأعتقد انها تتجاوز (300$)شهرياً وهي تمنح لكل العائلات التي لديها اطفال اذا كانت مسجلة عبر برنامج المساعدات (RCA)،وطبعاً نصحني الكفيل بهذا البرنامج لأنه يدوم 8 أشهر بعكس البرنامج الآخر (ماج كرانت)الذي يستمر لستة اشهر ولايعطي اية مبالغ نقدية.واعود الى الفيرست فامليز فهو يستمر لخمس سنوات تقريباً (60 شهر)،لكنهم اخبروني انني بمجرد حصولي على عمل ثابت ومنتظم لابد من اخبارهم بذلك كي يتم تخفيف حجم المساعدات وبضمنها الفود ستامب،ولاتسألوني عن قيمة هذا الأخير لأنهم اخبروني أنني سأعرف ذلك بمجرد وصول بطاقته اليّ عبر البريد وسأتمكن من صرف حصص شهري آب وأيلول بشكلٍ متواتر معاً...ولا أعرف لماذا تذكرت حرص حكومتنا الوطنية بصرف مبلغ (25)الف دينار عن قيمة مواد الحصة التموينية غير المستلمة لأفراد الشعب العراقي.
بهذا القدر سأكتفي من سرد التفاصيل،برغم إني لم أكمل بعد أسبوعي الأول..لكنني أعدكم بالعودة اليكم مجدداً بمجرد حصولي على معلومات مفيدة لكم اصدقائي وأخوتي..لأني لاأنوي هدر وقتكم جزافاً...وحقيقة فوجئت بعدد قراءات موضوعي السابق وعدد الردود والتعليقات وأستميحكم العذر لوجود بعض الاخطاء المطبعية كما أعتذر لعدم مقدرتي من الرد على جميع الأخوة الذين دوّنوا مشاعرهم الصادقة والطيبة تجاهي،ولاأمتلك سوى التضرع الى الله تعالى بأن يحفظكم جميعاً ويجنب الشعب العراقي كل مكروه ومن الله التوفيق والسداد.