بكائية بطول اليوكالبتوز
إلى الشاعر الراحل عبد الغني جرجيس
عبدالله نوري الياس
دمعة أخرى احترقت
في العيون
وحزن أخر
حبس بكاءه
في الجفون
أيقظ أسرة الموتى
واخرس أقبية الأرض بالسكون
والمشاحيف ارتدت ثيابها
والياسمين اتشح بالجنون
حزن يلمم كل هموم العصر
ويطارد أسمائنا في المتاهات
يشرب نخب البلاد
في مشهد
يختنق فيه حتى الهواء
يختنق فيه حتى الغبار
مثل الغرقى نحن
مثل الغرباء
مثل المعشوقين نحن
مثل الأنبياء
يا عبد الغني
هذا عزف أخر
على غصن التوت
فوق أصابع الريح
يملأ النايات بالصرخات
والأفواه بالرصاص
ويخبىء فناراته بإتجاه الرحيل
وينطق باسم الوتر القتيل
يمر الوقت مسموماً
يمر النهر سريعاً
تمر كل المدن الخرساء
يهمس في إذن الخجل
بوح غريب
عن قيامة ثانية للشعر
اشرب تشرب
اقرأ تقرأ
وجع الأوراق الصفراء
ونطحن معا كأس المرارة
بالسمسم والأقاح والهموم
وتخفوا فوق أصابعنا
عشبة خضراء
ويلوح في أفق الخشبة
عن ثقب أخر
في المسمار
أدماك الاحتراق
أدمانا الفراق
يا عبد الغني جرجيس
هذا الوحش الكاسر يلسعنا
يلاحقنا في الأزقة والمحطات
لا يهدأ لا ينام
لا يستكين
يتجول في أسرتنا
مثل لص قديم
وينخر برؤوسنا وأمخاخنا الثلجية
مثل جراد روسي اسود
ويفتش عن جيوبنا الممزقة
ويملأ خياشيمنا بالبرد والبارود
ويدك أسوارنا بالدخان
ويجرنا نحو تخوم القصائد العذراء
فتسموا مثل شيخ وقور
أو سماء أخرى
حبلى بعينيك
أو مثل طائر البنفسج تحوم
تنطلق من القلب الأهوج
إلى بياض الله الشاسع
قل لي
كيف الفردوس هناك
هل تنام الملائكة
وقت القيلولة مثلنا
وجوقات الرب الأزلي
تطير في فظاءاتنا المالحة
قل لي هل التقيت
بآنو وخموس وأدد
وجان دمو وعبد الستار ناصر
هل رأيت مريم العذراء
هل مر من أمام
كوخك الصغير
حلمك الغيور
بوذا الناسك أو طاغور
هل لمست ثوب الجليلي يسوع
هل سمعت شخير الآلهة
وهم يستأنفون
احتفائاتهم بك
ويطلقون بوقاتهم وموسيقاهم
في فضاء النجوم
يا عبد الغني جرجيس
الحمى هنا فاقت
أفواه المفخخات
وشعوذة الاباليس
ورؤوس الدبابيس
والحمقى هنا
باعوا حتى السراويل والقمصان
باعوا الجسد النظيف
باعوا حتى الفراغات
قل لي هل أمطرت
قصائدنا هناك
باللوز والنعناع والخروع
هل بكيت علينا
مثلما تدمعت أعيننا
بالعسل والحليب
يسلم عليك الوطن المذبوح
وكل العصافير
والقطط الشهباء
وكل القبرات
فتشظى من ريشهن
نخل العراق
وينتصر المشهد الأخير
أنت رسمت أصواتنا في المجرات
ونحن نحتنا صباحك في الصلوات
في حلم استحى من
أصبعك التبشور
فسقطت على حروفك
غيمة غريبة
وأنت تجر بقهقهاتك المثيرة
فتكسرت على جراحنا
مثل زجاج قديم
وضاعت في الهشيم.