المقابر الجماعية


المحرر موضوع: المقابر الجماعية  (زيارة 743 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الستار نورعلي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 173
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المقابر الجماعية
« في: 22:01 01/09/2013 »


المقابر الجماعية




عبد الستار نورعلي



في هذا الزمن المشحون المتأجّج بالحماقات
يقفز السنجابُ الأحمق سريعاً فوق شعر الثعلب
ليسكنَ في خلايا الرأس.

الرياح المارقة من بين فوهات الصواريخ
تتساقط على اسفلت الشوارع الهشة
المعبأة برائحة الفقر والخمول،
وأسمال الأرغفة المحترقة بنار الحروب،
والمعجونة بالغبار وشروى نقير وأجساد المذبوحين.

في هذا الوقت يستمر الصراخُ المحمَّل بالليزر
والصواريخ العابرة للقارات،
ليقذفَ حِممَ الموت والخراب فوق المنائر ،
ويستبيحَ الحمامات والعمامات في وضح النهار.

الأخوة الأعزاء، ذوو النشامة والكرامة والنخوة والقهوة العربية
المطبوخة بالهيل المعتّق،
يتسارعون متزاحمين في أزقة النعيق
ورفع العقائر على مصاريعها ....
وآخرون يلطمون على الصدور العاطلة العارية
أمواجاً ...... أمواجاً ......
السيوفُ الحادة ذات النصال المسنونة جيداً بمبرد القصاب
تهبط سرايا فوق الرؤوس الحليقة مثل طائرات   F16
المغيرة على الفلوجة.

الدماء تتفجّر فوق العيون والخدود الشاحبة،  
ثمناً لشراء الراحة وطرد الروح القلقة.
القاماتُ القصيرة والطويلة تتشح بالسواد
فيهرب الغربان هلعاً.

السواد .....
السواد ......
في كلِّ مكان،
على الوجوه والحيطان،
ومن قمة الرأس حتى أخمص القدمين،
وعلى الأبواب والجدران المتهالكة.

الخدودُ الشاحبة الغائرة في عظامها،
من أثر الجوع والحرمان والدخان والخوف،
والغبار الذي يملأ الشوارع المليئة بالمطبات،
ومن الغرف المغلقة دون نوافذ،
كلُّـها تنذر بموت أكثر درامية من زعيق الديناصورات التي رحلت،
وأخرى تنتظر على الأبواب والشبابيك
لتتسلّلَ عبر الأعتاب والقضبان إلى غرف النوم الخاوية الباردة .

الأشقاء الكبار مشغولون بالتنقل بالطائرات المكوكية المكيفة بالدفء وبالتبريد،
وعلى الفضائيات المولولة الناعقة،
وصفحات الصحف المولية أدبارها ،
والابتسامات العنقودية على مسرح الكلام المنمّق،
من أجل نصب مائدة الوليمة،
ليطلق كلُّ واحد قذائفَ اللسان في وجه الآخر بدلَ الملاعق !

كلٌّ يبكي على ليلاه،
وليلانا تبكي عليهم.

المدنُ، التي ولولتْ في حضرة المقابر الجماعية وشقّت الصدور،
مشغولةٌ بالتحضير لحفر مقابر جديدة،
على أرصفة الشوارع والأسواق وأزقة الفقر
وأبواب المساجد المحاصرة التي أُنتُـهكتْ زمناً ،
واستعادت انتهاكها في نشيج الرايات المرفرفة
وسط لهيب الحناجر.

الراياتُ الحُمر والخضر والسود
مزوقةٌ بالكلاشينكوفات و"بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة"!*

عاشقو الموت الخالد الدائم يتصدرون مواسم الصراخ،
في الأزقة التي ألفت واستلذّتْ بمنظر الطيور،
وهي تذبح فوق أسلاك الكهرباء،
والعصافير التي تشوى على مواقد الشاربين
في الأقبية السرية التي لم تكتشف بعد.
المشاهدون يستلذون بقرقعة عظامها الرخوة
تحت الأسنان المدجّجة بقذائف الرعب .

النسانيسُ الأنيقةُ في الصالات الفخمة خلف محيطات الغزو والدم
ترقص طرباً من غناء القذائف،
فوق الأعشاش المليئة بأعواد الأشجار الرقيقة الجافة العارية عن الغصون.

أذانُ الفجر يصرخ عالياً....
فلا المصلون وصلوا،
ولاالمنارة باقية،
ولا الأشقاء قادمون .

العيونُ الحادة، التي تخفي خلفها شجرَ الحماقة والزقوم،
نذرتْ نفسَها للموت من أجل المقابر الجماعية الماضية والمقابر اللاحقة
والفوضى الضاربة أطنابها في العواصم الكبرى!
مدنٌ يستبيحها مَنْ هبَّ ودبَّ، قادماً من زوايا المدن المستباحة الهاربة،
والمدن الفاتحة أشداقها لتبتلعَ الأخضر واليابس.

في هذا الزمن الموتور المتلاطم المتقلّب
الواقف على قرنٍ واحد للثور الهائج المائج الأعمى،
تترنّحُ الأشجارُ تحت وطأة الكلام يميناً وشمالاً ،
وتنزلق الطرقاتُ في شعاب الضياع.
العروشُ تخفي رؤوسَها، خشيةَ أنْ تتطايرَ تيجانُها
من هول حمم البركان وصدوع الزلزالِ العميقة.

"لا يُصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم
ولاسراةَ إذا جُهّـالُـهم سادوا" **
فهم يتصادمون بالمناكب العريضة والهزيلة وبالصراخ والعويل .....
المناكبُ العريضة والصاخبة الصوت اختبأتْ تحت جلد الهزال.
فتحَتْ أبوابَـها مشرعةً أمام النسر
ذي الأسنان الحديدية والألكترونية،
وتعرَّتْ دفعةً واحدةً.  
فلا حجةَ بعد الآن للذي يتعرّى قطعةً..... قطعةً .....

البيوتُ تتفجّر.
الشوارع تُحفَـر.
المنائرُ  تتهاوى.
العمائمُ تتطايرُ عن الرؤوس مضمخةً بالدم.
ولا من سميع ولا من مجيب ..!

الجلودُ التي تُشوى،
والوجوهُ التي تحترق،
والسقوفُ والحياطينُ التي تُدكُّ فوق رؤوس أصحابها،
هي خمرةٌ في كؤوس القبائل التي ساومتْ
في أسواق البيع والشراء ....
باعت،
ولم تشترِ،
ولنْ تشتري !

أما البكاءُ فإرثُ القبيلة التاريخيّ،
مثلما المقابرُ  الجماعية،
والصراخ المدوي،
واللطم والتطبير .....

* تضمين من قصيدة نزار قباني: "هوامش على دفتر النكسة"
** تضمين لبيت منْ دالية الشاعر الجاهلي الأفوه الأودي

عبد الستار نورعلي
الخميس  2004.04.08