الناقد بشير ابراهيم أحمد يكتب في الزمان الدولية : حكاية شعرية يرويها بهنام عطاالله .. الخطاب السيرذا


المحرر موضوع: الناقد بشير ابراهيم أحمد يكتب في الزمان الدولية : حكاية شعرية يرويها بهنام عطاالله .. الخطاب السيرذا  (زيارة 7689 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


حكاية شعرية يرويها بهنام عطاالله ..
 الخطاب السيرذاتي في قصيدة هكذا انت وأنا وربما نحن
   


بشير ابراهيم أحمد
  / طالب ماجستير / جامعة الموصل




إن مصطلح الخطاب من حيث معناه العام المتداول في الكتابات الأدبية يحيل على نوع من التناول للغة، وهذه اللغة في الخطاب لا تعد بنية إعتباطية في داخل النص بل نشاطاً لأفراد مندرجين في سياقات معينة يمكنهم عبرها نقل رسالة إلى مُخاطَب 1 ، بشكل خطاب متكون من وحدة لغوية قوامها سلسلة من الجمل الشعرية 2 ، أي رسالة منقولة أو مقول إلى متلقي إفتراضي من قبل الشاعر 3 ، ليمثل الوسيط اللساني في نقل مجموعة من الأحداث الواقعية والتخييلية 4 ، فهو كل تلفظ يفترض متحدثاً ومستمعاً، تكون للطرف الأول فيه نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال أو نية إيصال رسالة تحمل خطاباً منبعثاً من الأنا الذاتية 5 ، ومما سبق فالخطاب هو الطريقة التي تقدّم بها المادة الحكائية عبر الشعر 6 ، بخطاب سيرذاتي شعري يمكنه عبره تقديم رواية الحياة منظومة شعراً بناءً على تشغيل الذاكرة بأقصى طاقاتها والتعبير عن هذه الأحداث بخطاب شعري سيرذاتي 7 ، ينهض أولاً على بنية الخطاب السيرذاتي الأنوي بوصفه أهم شرط من الشروط الميثاقية التي تعاينه في منطقة المتلقي على أنه نص مجنس في فن السيرة الذاتية، إذ يتنكب الراوي السيرذاتي بضميره السردي الأول مهمة رواية الأحداث التي مرَّ بها في حياته على نحو إسلوب شعري يحكي السيرة الذاتية، ويختار الطريقة التي يراها مناسبة له ولتجربته لصوغ خطاب النص السيرذاتي على وفق رؤية معينة، وتشكيل شعري منفتح على السيرة الذاتية 8 .
وهذا ما نجح فيه الشاعر بهنام عطاالله عبر صوغه للخطاب الشعري المكثف، الذي يقوم على تصريحات سيرذاتية بدءاً من عتبة العنوان هكذا أنت وأنا وربما نحن 9 ، التي تشتغل فيها الضمائر المصرحة للفعل السيرذاتي، إذ تعتمد تشكيلة العتبة العنوانية على الفعالية السينمائية لحركة الضمير المتعاطف بعد أداة الإشارة بين الراوي الذاتي والمُخاطَب المروي له ، وفرض هيمنة الضمائر التي تمثل الراوي السيرذاتي والمُخاطَب؛ بما فيها هيمنة ضمير الأنا المعطوف على ضمير المُخاطَب، إلا أنه على الرغم من ذلك فإن حالة من التوازن والتوازي والتماثل والتعادل تظل قائمة في داخل لوحة العنوان؛ لما إستدركه الشاعر في الجزء الثاني من العنوان وربما نحن ، لتكتمل اللقطة السينمائية على تصوير حالة ذاتية يمكن أن تنفرد بها الأنا الذاتية بخطابها أو ضمير المُخاطَب أو ربما ..نحن ، أي الـ أنت وأنا بإدخال الضميرين لتشابههم في الواقع السيرذاتي.
يُحّدقُ هذا البحر بوجهي»مرايا تأخذني»تخذلني»فيرمي بأمواجه أمام الخَلق» تفيض» كائناته..متخمات بالحنين»يبسط كفهُ للريح»للقادم من فجر مشلول»مقطب الجبين 10 .
تنتقل فعالية الضمير السيرذاتي في داخل النص الشعري برفقة المكان المعبر عن الأنا السيرذاتية عبر جملة يُحّدقُ هذا البحر بوجهي ، ليتفاعل المكان البحر والضمير الأنا بخلق جو سيرذاتي، يتمكن المُخاطَب عبره تصور واقع الأنا الذاتية عبر خطابها وتصريحاتها لواقعها السيرذاتي مرايا تأخذني تخذلني ، وما تعتريه الحياة من أمواج والهيجانات المترامية أمام الخَلق فيرمي بأمواجه أمام الخَلق ، وتصوير جو متخم بالحنين الحنين إلى الأرض ليغب الضمير الذاتي الصريح فيبدأ الراوي بسرد وتصوير جديد يتماشى مع واقع الحياة والواقع السيرذاتي المليء بالمتغيرات، ليشكل البحر فضاءً ومتسعاً رحباً للأنا والمُخاطَب لبسط كفه للريح وللقادم من الفجر المشلول للواقع الذي يقبع تحت الضغوطات المترامية عليه كالريح.
ها أنذا واقفُ أمام باب سواحلك»أيها البحر….»أتذكر خارطة الوطن»وأمامي تمتد حروب بلا نهاية»أخطاء وخطايا»سيوف خجلى تتزاحمُ عند البوادي»ورمال الصحارى»بنادق صدئة بدتْ كالعيون ترنو إليك»حلقاتُك تكبر..تكبر»وتخزنُ في ذاكرتي المرايا 11 .
تشتغل الأنا الذاتية مع تداعي المكان في هذه المقطوعة على طرق هواجس ذاتية ها أنذا واقفُ أمام باب سواحلك ، وتذكرات عبر الإسترجاع الذاكراتي لأمكنة سيرذاتية بعد خطابها للبحر أيها البحر…. أتذكر خارطة الوطن ، لتتجمع فيه ضمير الأنا أتذكر مع المكان ليُنتج الخطاب السيرذاتي الموجه إلى المُخاطَب، مع رسم حالة هذه الأمكنة السيرذاتية، وما تقبع تحته من الحروب، التي تتزاحم عليه وأمامي تمتد حروب بلا نهاية ، ناتجة عن أخطاء مع العالم الخارجي الآخر، وخطايا قائمة بالأفعال الداخلية، لتبدأ حالة التصوير والإستعدادات المتزاحمة عليه سيوف خجلى تتزاحمُ عند البوادي ، القادمة من الأمكنة للتزامن على المكان السيرذاتي للأنا والمُخاطَب عبر خطابها وتصويرها ورمال الصحارى..بنادق صدئة بدتْ كالعيون ترنو إليك ، لحالة المكان السيرذاتي وما تحشده الأنظار إليه، إلا أن الأنا الذاتية في خطابها تطرح الضمير والذاكرة والمرايا لتسترجع لحظة الشوق إليه.
منذُ عقود كسيحة..»أيها البحر الأبيض»عقارب التاريخ ما زالت تدون هدير الأمواج»أسمعُ صوتك في كتاب الجغرافيا»ومساطب التلمذة الأولى»في كتب التاريخ»وطبشور الأطفال على السبورات»في الخرائط المعلقة على الجدران 12 .
تتداخل هنا الأزمنة والضمائر والأمكنة، لتخلق خطاباً سيرذاتياً يحكي عن الواقع السيرذاتي للأنا الذاتية منذُ عقود كسيحة..أيها البحر الأبيض..عقارب التاريخ ما زالت تدون هدير الأمواج ، التي أخذت عقود كسيحة من الزمن بالترامي عليه وسلب خيراته، جاعلاً من البحر عبر خطابه رمزاً للمكان السيرذاتي المشترك، ليوظف الشاعر دلالة البياض لأمكنته بتوجيهه للخطاب مع البحر، لتتداعى بعدها الضمائر والأمكنة والأفعال وطبشور الأطفال على السبورات ، و الخرائط المعلقة على الجدران ، لتحكي هماً عن الأمكنة السيرذاتية وما ينتاب الأنا الذاتية على هذه الأمكنة عبر خطابها وإستذكاراتها التاريخية والجغرافية.
هكذا أنت وأنا.. وربما نحن..،»نتجول في أبدية الرب»نعلن الآن تعويذة للقصيدة القديمة»حين تغدو خرائطك متعبة»وخطوطها تتقاسم الوجوه»المُحدقة فيها»مثل شفراتٍ يقظة
تومض بالرحيل» نحو المنافي القصية 13 .
يسترجع الشاعر في خطابه السيرذاتي توظيف العتبة العنوانية للقصيدة والديوان هكذا أنت وأنا.. وربما نحن ، ليستعيد التوازن والتوازي والتعادل بين الضمائر، وإبراز هيمنة ضمير الأنا الذاتية على تشابه الظروف الفردية والجماعية التي أخذت أبديتها بالتكرار نتجول في أبدية الرب ، والتصريح عن رفضها عبر الخطاب السيرذاتي للأفعال الصادرة عن أشخاص تقودهم غايات شخصية نعلن الآن تعويذة للقصيدة القديمة ، لتأتي الأحداث عقب حدوث الأفعال القديمة، لتتكاثف شدة التشابه عبر الخطاب بين الأفراد وأمكنتهم التي بدت متعبة حين تغدو خرائطك متعبة ، بأفرادها وتقاسيم وجوههم وخطوطها تتقاسم الوجوه المُحدقة فيها ، التي أنهكتهم الأحداث الدائرة ضمن هذه الأمكنة، التي أخذت تتفرد بحدتها مثل شفرات يقظة تومض بالرحيل بالرحيل نحو التيه دون الرجوع نحو المنافي القصية .
ذات حسرةٍ..»سأحمل كتبي على موجك»وأدخلُ معها صخب البحر»أعلقُ عليها كل خياراتي
بدءاً من طوفان المعنى»وإنتهاءً بالمصير المنزاح»منفذاً كل قراراتك ومرارات الألم»مدارات الرياح 14 .
تختلق الأجواء عبر هذا الخطاب للتعبير عن حالة الأنا السيرذاتية وما تحمله من التحسر ذات حسرةٍ على الأمكنة السيرذاتية وما يدور على واقعها، ليدخل الضمير الأنوي سأحمل ، مع الكتب وما تحمله من الكلمات والأفكار على موجك، لتتشارك فيها الأنا والكتب مع هذا الصخب العاج في هذه الأمكنة وأدخلُ معها صخب البحر ، وترك كل الخيارات الأخرى بما فيها المصير، وما تعانيه الأنا الذاتية من مجهول المصير المنزاح، المجهول في هذه الأمكنة الدائمة التغيير لأشيائها.
عند شاطئيكَ.. أيها البحر»جئتك حاملاً دهشتي»ألوذ بها من توجسات الآتي»منزع قوس بيننا.
أنت وأنا تخطينا مفازات الجّمر»وها نحن نهرول فوق المجهول»الأيامُ تبتلع ظلالنا عنوة»نوافذ مغلقة وبيوت تبتكر الشناشيل»هكذا أنت وأنا… وربما نحن،»أكثر خضرة من أوراق الشاعر إليوت 15 .
تتضح حالة الأنا الذاتية عبر الخطاب الشعري وتوجيهه للمُخاطَب عند شاطئيكَ.. أيها البحر ، وإندهاشها والشعور بنوع من حالة الإرتياح النفسية عبر توظيفها للضمير الأنوي جئتك ، إلا أن هذه الدهشة لا تتسم بكمالها؛ تلوذ من المجهول القادم ألوذ بها من توجسات الآتي ، المليء بالمتغيرات التي لا تلبث له حالة من الهدوء والسكينة، لتعاد لقطة التوازي والتعادل عبر جملة أنت وأنا تخطينا مفازات الجّمر ، وما نعانيه من العقبات والسير نحو التيه والمجهول وها نحن نهرول فوق المجهول ، والأمكنة الصاخبة بالأحداث والنوافذ التي بدت مغلقة نوافذ مغلقة ، ليتراجع الخطاب إلى لحظة التوازي والتعادل بين الضمائر هكذا.. أنت.. وأنا… وربما نحن ، وما نمتاز به من الخضرة، والتي تتقارب من خضرة أوراق إليوت .
مثاباتك أيها البحر»أطلتْ على حدائق النسيان»فهي تهذي مثل انشوطةُ حبلى»مقطوعة» الجذور موصدة الأبواب»ننتظر من يجمعها للرحيل»لمنْ يحتضن كومة الرماد»في مجمرة الليل
فلا شيء غير الرماد»ولا شيء يبقى … سوى أنشودة الخراب 16 .
ليتكاثف الخطاب السيرذاتي الموجه مع البحر مثاباتك أيها البحر أطلت على حدائق النسيان بالكشف عن الحالة التي يقبع تحتها الجميع المتشبهة بـ انشوطةُ حبلى مقطوعة الجذور موصدة الأبواب ، لتبدأ الأنا الذاتية بتوصيف الحال ككل وما يعانيه الجميع من المتغيرات الحاصلة في أمكنتهم الواقعية، وتشبيهها بكومة الرماد ومجمرة الليل، لما يجري فيها من الأحداث فلا شيء غير الرماد ولا شيء يبقى …سوى أنشودة الخراب ، التي حولت هذه الأمكنة السيرذاتية إلى رماد.[/size]

الهوامش
1 ــ المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، دومينيك مانغونو، ترجمة محمد يحياتن، منشورات الإختلاف، ط1، الجزائر، 2008 ص38.
2 ــ المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب ص35.
3 ــ تحليل الخطاب الأدبي، إبراهيم صحراوي، دار الآفاق، ط1، الجزائر، 1999 ص10.
4 ــ خطاب الحكاية، جيرار جينيت، ترجمة محمد معتصم وآخرين، منشورات الإختلاف، ط3 ــ الجزائر، 2003 ص 38ــ39.
5 ــ إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، محمد الباردي، مركز النشر الجامعي، ط1 ــ تونس، 2004 ص1.
6 ــ تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1989 ص7.
7 ــ مرايا نرسيس الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة، حاتم الصكر، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، بيروت، 1999 ص140.
8 ــ التشكيل النصّي الشعري ــ السردي ــ السيرذاتي، د. محمد صابر عبيد، كتاب الرياض 179، ط1، 2013 ص418.
9 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن، بهنام عطالله، تموز للطباعة والنشر، سوريا، دمشق، 2012 ص 113ــ 118.
10 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص113.
11 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص114.
12 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص114ــ115.
13 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص115.
14 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص116.
15 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص116ــ117.
16 ــ هكذا أنت وأنا وربما نحن ص117ــ118.