قراءة في كتاب (خزائن الآهات) بهنام عطاالله ومحمولاته اللغوية المحتشدة / لؤي ذنون الحاصوجد


المحرر موضوع: قراءة في كتاب (خزائن الآهات) بهنام عطاالله ومحمولاته اللغوية المحتشدة / لؤي ذنون الحاصوجد  (زيارة 2364 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


قراءة في كتاب (خزائن الآهات)
بهنام عطاالله ومحمولاته اللغوية المحتشدة


لؤي ذنون الحاصود /
 ماجستير لغة عربية - جامعة الموصل


                                
في قصيدة  (خزائن الآهات) (1) يركز الشاعر بهنام عطاالله على واقع الحياة المريرة، التي يعيشها المواطن والتي أخذت منه مأخذاً، فاستطاع أن يوظف الأدوات اللغوية في مشجبه الشعري من خلال بثها في متن نصوصه:(في قناديل الحداثة /وفي حلقاتها الأكثر رغوة/ يدخلون أفواجاً...تنكسر ظلالها/ تترنح من ثقل الأخطاء والخطايا /واستفزازات فوضى الشوارع/ في صيفٍ قائضٍ/تكدست التفاهات في عربات الجند/مثل أفكار داكنة /مثل عرافاتٍ خرجن من دهاليز الأرض/مستترات بالأبعاد والمراثي/وأمامي حشود تنفلق نحو المجهول/ مسلات مفخخة نصوغها بالدموع/تنساب كالمرمر بين الدروب/فخاذ تتزاحم كالمرايا/وغابات تمشط شعرها الخرافي).(2)
يبدأ الشاعر القصيدة بحرف الجر (في) الذي يعطي للقناديل سمة الحداثة، وهي صورة شعرية تتوسع إلى أن تكون في حلقاتها الأكثر رغوة، وعملية دخول متمثلة بـ(يدخلون أفواجاً)، في تكثيف شعري وصورة ذات البؤرة والرؤية والأفكار، التي تؤدي إلى الحركة في عملية دخول كالأفواج، وبذلك يتيح عمل تحطيم وكسر ظلالها، في طاقة درامية ذات محمولات لغوية تحتشد فيها الدلالات داخل منظومة الأفعال، وهي (تترنح من ثقل الأخطاء) وتتوسع شعرياً في حركة بطيئة، تتسبب في ثقل هذه الأخطاء وعرض لصورة ذات حركة بطيئة لتدخل في حراك أخر تستفز فوضى الشوارع، في صيف قائضٍ، ذا تشقق مريب في فعالية شعرية رسمها الشاعر من خلال مستويات النص، عبر حقيقة النص الشعري والتمركز في البعد الدلالي، داخل اللغة الشعرية بتشكيلها لهذه الصورة التي تسلحت بقوة التعبير، والتي أدت إلى الحضور الشعري بهذا المستوى داخل الفضاء، الذي كان مليء بالعلامات والرؤى في حركة المفردات وتعالقها في مساحة توظيف النص في صورة شعرية متميزة تخرج إلى مسلات مفخخة تصوغها الدموع بشكلها الإنسيابي، وفي تشبيه إلى الدروب التي تدل إلى حاضرة المكان وتصوير ووصف رائع للغابات وهي (تمشط شعرها الخريفي).
ثم تتخذ الأقاليم حالة التدثر، بصيغة شعرية تمثلت بـ (الحيطة والحذر)، لصورة شعرية متتابعة منتجة (سهول تنوء أمام مزاغل التاريخ)، في تعاطي الحساسية الشعرية وتعزيز فكرة البناء الشعري، عبر هذه الصورة التي تعطي المشاعر تركيز في سياقات الألفاظ داخل النص، من خلال عملية تشابك دلالي وشعري، تتشكل عبر لغة عززت الفكرة في مجالها، ليكون إعلانها شائعة الشتائم:(أقاليم تتدّثرُ بالحيطة والحذر/وسهول تنوء أمام مزاغل التأريخ/ ترفل بالغبطة والبهجة/وفي فمها زوبعة ثكلى) (3)
هنا تشتغل الحساسية بدلالتها اللغوية وإشارة تطلقها على الفناجين المقلوبة متعرية أمام التأريخ، تلفظ الذات الشاعرة هذه المرايا في كشف الصورة، عبر زمنها التاريخي في أقصى الإمكانيات التعبيرية لتتعرج وتكون طلاسم تنحني أمام الشاعر، عبر منعطفاته المتفجرة من الأوردة السدوم، في لحظة شعرية كشفتْ الأهمية اللغوية، التي توظفت داخل النص لتكون هي من ترشق ألسنته بسهام من نار، في إتصال دلالي وقراءة مفتوحة للرؤى والأفكار من خلال سياقات متنوعة مختلفة:(إعلان يتيه بين الشتائم /فناجين مقلوبة لعرافة هرمة/تتعرى أمام التأريخ /تعكس وعورة الواني/وتعرجات طالعي/طلاسم إنحنتْ أمام منعطفاتي/فجرتْ في أوردتي سدوماً/لتساوم تيجاني الساقطة /وهي ترشق السنتي بسهام من نار).(4)
في هذا المقطع الآتي يحول الشاعر كامرته إلى صورة الإحساس والعواطف والخيال، والتقاط صورة لتكون فيها الجيوش محتشدة للهجوم، فهي تتوسع دلالياً لأخذ النبرة الشعرية في عملية وصف لهذا البلد الجريح (العراق)، وهو تحت رحمة الأمم المتحدة وقرارتها، داعياً إلى إخراج العراق من بند الفصل السابع، الذي سلب حرية المواطن في العيش والحركة، وأخذت منه الأوراق بروزناماتها وشتات التواريخ الغبية، فأخذت الذات الشاعرة من الألم والحزن والظلم، الذي مر على العراق والذي يعيشه – الشاعر- بوصف ما هو إلا خزين شعري داخلي وظفه داخل السطور الشعرية، إلى أن يتابع الشاعر نصه فيقول معاتباً:(جيوش محتشدة للهجوم/وأخرى تقف عند عتمة /الأمم المتحدة للدفاع/تستجدي رفع الفصل السابع /من أوراق الروزنامات/وشَتات التواريخ الغبية).(5)
ثم يتخذ الشاعر من الوقوف على عتبات الخوف عملية مقايضة لآخر ملوك الزمن، في وصف شعري لهذه البلدان، بأن وصفها كـ(أمراء الطوائف والولايات المنفلتة)، في حساسية شعرية داخلية للذات الشاعرة، أدت هذه الصورة في وعي وأسلوب كشفت فيه الدلالات والتشكيل الشعري ليخفف ما في داخلها من حزن، ولتعطي للنسوة المطر الصحراوي وهنَّ يبعثرن الأمواج لهذا الشعر، مع دغدغة الصباحات في صورة نهود مقوسة، من خلال شبكة فنية شعرية تشكلت الحال في إطار دقيق تسعى إليه الذات الشاعرة، ووصف آخر لشمعدانات وأضويه في إضاءة تؤشر الجنون، وتعطي الصبيات (تركن) تفاهاتهن في دفاترهن على درجة الحدائق بين طين الفناء، والزمن الذي دخل في طبيعة ليل المكيدة، التي انطوت على رؤية شعرية اشتركت فيها الدرامية بالتجلي والحضور، بمفارقة تنص على رمل الذاكرة وخزانة الصحراء.
هنا المفارقة جاءت في صورة اشتركت فيها الذاكرة والصحراء وتبادلت الأدوات، أن يكون للذاكرة/الرمل علاقة ما بينها وبين الصحراء بالخزانة، على عكس الواقع بأن الرمل هو للصحراء والخزانة للذاكرة.
 ثم تتجلى مفارقة أخرى لتكون الآهات (تمغض) من قبل الزمن المتمثل بالأيام، ولتدخل الغيوم بزخرفها عملية الخوف، لتؤسس استجابة فاعلة رغب فيها الشاعر، لتكون هذه الحالات ذات حيوية شعرية، ينفتح بها هذا البعد الدلالي على أفق المتن النصي، عملا أدبياً للمركزية بذات اللغة الشعرية واشتغالها التعبيري، في قوة التمركز لآليات التشكيل الشعري، في أن (تتهجى أسماء الموتى) في ضوء واضح، معتمدة بذلك تسمية النهارات وتعددها واحداً واحداً، ليأتي المكان (الكرادة) وهو مكان في مدينة بغداد عمد الشاعر إلى أن يسرح فيه مع الريح ويتخطى الطقوس، وليكون للكنسية وقداسها حضور للمرة الأخيرة في هذه الحياة:(نقفُ على أعتاب الخوف/نقايض آخر ملوك الزمان /أمراء الطوائف والولايات المنفلتة/من أجل عطايا وهبات /نسوة بقامات الأساطير /يرتبنَ عطرهن الصحراوي/يبعثرن أمواج شعرهن/يُهذبن صمتهن الآيل للنهوض /مع دغدغة الصباحات/نهودٌ مقوسةٌ /دنان من نبيد العمر /شمعدانات وأضوية/كريستالات تؤثث الجنون/صبيات تركن التفاهات في دفاترهن /على درج الحرائق/بين طين الفناء /بعثرن شعرهن بالأوجاع/هاجت العيون في ليل المكيدة /عجنَّ أحلامهن برمل الذاكرة /وخزانة الصحراء .../أهات تمغضها الأيام /غيوم ترفل بالزرقة/تزرع الخوف في العيون/أتهجى أسماء الموتى/في وضح النهارات/واحداً ... واحداً .../فتسرح مع الريح/تتخطى الطقوس/عند الكرادة .../وفي قداس الشهادة الأخير) (6)
كما يظهر للجسد حضوراً واضحاً عبر المقطع الأخير من القصيدة، في تعبير الشاعر وهي وجوه رحلت، وأخرى مازالت ترى الموت بعيونها، ويتخللها الخوف، وهي تسعى إلى إيقاد الأسئلة الثكلى، متداخلة إلى كل الجهات في عملية (يداهم):وجوه رحلت وأخرى مازالت/هكذا يتمطى الموت/بين العيون الغافية/فيدخل الخوف/عمداً بين قاماتنا/ يوقد الأسئلة الثكلى ويداهم كل الجهات).(7)


إحالات
(1)هكذا أنت وأنا وربما نحن، بهنام عطاالله، مجموعة شعرية، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 2012.ص 39-44
(2) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 39-40
(3) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 40 - 41
(4) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 41
(5) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 41-42
(6) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 43-44
(7) هكذا أنت وأنا وربما نحن. ص 44



  
قراءة نشرت في العدد 77 من جريدة طريق الشعب الثقافي 5 ت1 2013