مـَــوْصـَــلــة آشور
بعد عَجز بعض الطائفيين أمام الكمّ الهائل من المصادر التاريخية التي تؤكــّـد استمرارية الهوية الآشورية أرضا وشعبا منذ سقوط نينوى وحتى مجيء جواسيس فرنسا وبريطانيا (ما نسميها بـ"البعثات البشيرية")، سمعنا مؤخـّـرا موّالا جديدا وهو أن كلمة "آثورايا" (آشوري) كانت تعني "الموصلــّـي" وذلك اعتمادا على استنتاجات مزاجية شخصية تعبــّـر عن حالة التخبــّـط الذي يعيشه بعضنا تأثرا بمواعظ رجال الدين، وتفتقر إلى أبسط المعطيات المنطقية والعلمية بحيث مهما حاول مطلقي هذه المواويل، لن يجدوا مصدرا تاريخيا واحدا يؤكــّـد بأن "آثور" كانت تعني "الموصل".
أما تاريخيا وجغرافيا فلا يمكن الجزم بأن "آتور" كانت الموصل لأن المنطقة التي كانت تسمّى "آثور" ليست متطابقة بحدودها وموقعها مع موصل اليوم ولا موصل الأمس. وفي كتابه "آشور المسيحية" (Assyrie Chrétienne) يضع المؤرّخ جان موريس فييه خارطة المنطقة (بعد المسيح) التي تضمّ نوهدرا وصولا إلى العمادية وزاخو، بالإضافة إلى حدياب (أربيل) وبيت كرماي (كركوك) ويسميها "خارطة آشور المسيحية".
ومنطقيا ليس هناك أي عربي من الموصل لــُــقّب بـ"آثورايا" (آثوري) لو سلمنا جدلا بأنها كانت تعني "موصلــّــي". لا بل أطلقت عبارة "آثورايا" حتى على أهل نصيبين (في ما يسمّى حاليا "تركيا") وذلك وارد في تاريخ يوحنا الآمدي (505 – 585م)، حين احتل الإمبراطور أنستاس (Anastasius) مدينة دارا (بين ماردين ونصيبين) عام 556 م، حيث روى المطران المذكور ما يلي حرفيا :
سَلبَ المدينة بشكل يصعُب تقديره، وسبى سكانها، وترك فيها جيشه وحاميته، وعاد إلى بلاده وبحوزته 385 غنيمة من الذهب والفضة من ثروات كنائسها، وسلمها إلى "الآثورايي" (Atourayeh) * - فهل هذا يعني بأنه سلمها إلى أهل الموصل ؟؟!!
أما الأسماء العربية للموصل فلا نجد فيها إسم "آثور" أو "آشور" بل أتت بالترتيب التاريخي التالي : حصن عبورياء، خولان، الموصل، أرداشير، الحدباء، الخضراء، البيضاء، أم الربيعين، مدينة الرماح.
وبالتالي فإن ذكر عبارة "آثورايا" كانت تعني الإنتماء إلى آشور بكينونتها التاريخية والجغرافية والثقافية، لذلك أستمرّت "آثورايا" على لسان القوميين الآشوريين أمثال كيواركيس الأربيلي الذي نشرنا قصيدته حول "البطاركة الآشوريين من الجنس الطيــّـب"، أما إذا بقيَ البعض مصرّا على قولبة هذه العبارة بالجغرافية وحدها للتهرّب من أصولهم وقوميتهم، إذا سنسلم جدلا ونقول نعم، كلنا "آشوريون" بانتمائنا الجغرافي كون آشور "أمــّــة تامـــّـــة" وأهلا وسهلا بالجميع.
* Ecclesiastical History of John Bishop of Ephesus”, By Jessie Payne Margoliouth, 1909, Part III, Book VI"
آشور كيواركيس – بيروت