فاعلية العنونة في قصيدة "عكازة قديمة ... غيمة مثقوبة" للشاعر بهنام عطاالله بقلم محمد مطلك الجميلي


المحرر موضوع: فاعلية العنونة في قصيدة "عكازة قديمة ... غيمة مثقوبة" للشاعر بهنام عطاالله بقلم محمد مطلك الجميلي  (زيارة 2699 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


فاعلية العنونة في قصيدة "عكازة قديمة ... غيمة مثقوبة"


محمد مطلك صالح الجميلي


نشرت في جريدة طريق الشعب العدد (58) السنة (79) الأربعاء تشرين الأول 2013

إن أية دراسة بحثية للنص الشعري الحديث لابدّ أن تنطلق من العنونة، إذ "تشتغل عتبة العنونة بإنتاجية شعرية عالية  في سياق الإدراك النوعي لأهمية وضع العتبات النصية في معمارية التشكيل النصي، وهي تتصدر العمل على صعيد التلقي البصري والإيحاء الذهني والمحتوى السيميائي"(1)، لأن "البناء اللغوي للعنوان في شتى أشكال الخطاب الأدبي يؤدي وظائف فنية تتجاوز دائرة الوظائف البرجماتية ممثلة في لفت الإنتباه  والأخبار والإعلام"(2) .
عتبة العنوان (عكازة قديمة.. غيمة مثقوبة) للشاعر بهنام عطااللة تأتي في عتبة العنونة الشعرية، لأنها تعطي حرية أكثر للتواصل مع القارئ، إذ تجعل القصيدة من عتبة عنوانها بؤرة شعرية تشتغل في المتن النصي، ولم تخل من الترميز، ذات طابع سلبي، وإن كانت متباعدة في معانيها وصفاتها، لكنها تجسد لواقع واحد.  
ينثر الشاعر شبكة من المقاطع الشعرية على مساحة التشكيل الشعري، إذ يؤكد ما يزخر به الزمن الماضي من أحداث وما يعنيه، ويصف ذلك:
 (..... ولأن المعارك والحروب أجهضت  
زهو السنين
فمعذرة أيتها الحروب الخجلى
معذرة أيتها المعارك
 أيها الألم / الأنين) (3)
العتبة الاستهلالية هنا عتبة مهمة، إختارها الشاعر بطريقة تعبر عن رؤية منسجمة مع متن القصيدة. وتبدأ بـ (....ولأن المعارك والحروب أجهضت زهو السنين)، إذ نجد الشاعر يبثُ إشارات تعيد إلى القارئ شيئاً من السببية، فما أن يقع بصرنا على لفظتي (المعارك والحروب) حتى يتبادر إلى الذهن الويلات والدمار والخراب،  أما في الطرف الثاني يضع نتيجة ذلك، (أجهضت) والإجهاض هو القتل قبل الولادة فزهو السنين ابتلعته المعارك والحروب، فالشاعر يراوح بين لغتين هما التي ينطق بها، واللغة التي يخاطب بها، وفي العبارة الأخيرة من الاستهلال تتضح نوايا الشاعر عبر حواره الداخلي، فهو يمهد لسرد حكاية، متمثلة بما تفعله آلة المعارك والحروب، فينتقل إلى وصف المعارك والحروب فأصبحت  تمثل الألم/ الأنين.
)أما المقطع الثاني يبدأ:
ولأن...
الطائرات بلا لسانٍ
المدافع بلا قلوبٍ
الدبابات بلا أسنانٍ،
لذلك ألقت حمولتها
فوق التلال والجسور والأنهار
سفحت دماء كثيرة...) (4(
يسهم المقطع بإشارة توحي إليه العتبة العنوانية (ولأن...) فتكرار (لأن) يبدو أن الشاعر كلي العلم من خلال استخدام آلات الدمار عبر أنسنتها، فكانت الطائرات بلا لسان، والمدافع بلا قلوب، والدبابات خالية  من الأسنان، فرسم المقطع الشعري بهذه الصورة لتنبئ القارئ في رسم توقع ما آلت إليه الحروب والمعارك.  
ولذلك كان المقطع الثاني نتيجة حتمية للمقطع الأول، لذلك ألقت حمولتها فوق التلال والجسور والأنهار، إذ يبرز المكان لدى الشاعر بوصفه عنصراً مهماً بسبب نوع الحكاية، وما ذكره في بداية المقطع، وهو يرسم صورة الإنسان فوق تلك الأمكنة مذهولاً مذعوراً، فاختيار الموقع المكاني، إشارة بأنها لم تفرق بين أحد.. ليكشف من صورة المأساة عبر آلة التدمير لتصور حجم الخراب والدمار على نحو ما في الصورة الفوتوغرافية.  
  ثم ينتقل في بداية المقطع الثالث بوقفة شعرية غير بعيدة عن آلة الحرب والموت، عبر استهلال لينقل الطقس الشعري، ويقول:
)شكراً لأمي  
التي بكت مطراً
على خنادقنا الشقية
ورممت خوذ الجنود الصابرين) (5(
يستعين الشاعر بالمفعول المطلق (شكراً) لتشاركه في صنع لوحته الدرامية وتفعيل قدرة القارئ في المتابعة والتشويق، عبر بكاء ممطر، والمكان حاضر(على خنادقنا الشقية)، ويستمر في عرض لوحته بقوله: (شكراً لأبي الذي رحل) ليؤكد صورة القهر، وعلى الرغم من ذلك يستمر النص لديه ويقول:
)لكني إلى الآن مازلت
أرمم مثاباتي..
أصوب حدقاتي نحو الشمس
مثل بندقية قديمة
تثاءبت سبطانتها..
غابت مشاجبها..
من كثرة الحروب العرجاء
الحروب التي  فاجأتنا
 بعطورها البارودية
 وشظاياها التي فطمت
في جسدي شهوة الألم
وحسرة الذكريات) (6(
 في هذا المقطع تتضح نوايا الشاعر، لا سيما بالاستدراك في موقفه عبر ترميم مثاباته، وتصويب حدقاته نحو الشمس، وهو في الوقت نفسه يمثل مفارقة يستخلصها القارئ، إذ أصبح مثل بندقية قديمة قد أكل الدهر سبطانتها ونفذ عتادها بسبب الحروب العرجاء، وتبين ذلك في الوصف رغبة الشاعر بإقامة مقارنة بين مقطع وآخر عبر كثرة النعوت، والذي يبدو من هذا النص الشعري، هناك أزمة تثور في داخل الشاعر، إذ يرى بلده قد أثقلته المعارك والحروب، ولهذه الأزمة أسبابها جعلت الشاعر أن يهز نفسه فتساقطت زهرات فكره وقلبه عبر مقاطع شعرية رائعة، فكان  أكثر استجابة لما يخرج عن نفسه فكانت المخيلة ترش نداها.
وفي المقطع الأخير يؤكد دلالة العنوان بوصفها المنطلق الأول الذي يمهد للقارئ الصورة الدلالية، يقول:    
)هي دائماً..
محمولة على عكازة قديمة
أو غيمة مثقوبة..
مازالت تسقط رصاصاً وألماً
في ذاكرتي
كي يبقى الأطفال
يرسمون السلام والنخيل والحندقوق
في كراريس المدرسة..
بلا صور المدافع
والدبابات
 والبنادق
و…
و…
و…) (7)
 وفي المقطع الأخير تكون عنونة (عكازة قديمة..غيمة مثقوبة) صالحة لتكون دلالة، وساهمت هذه الدلالة في مجمل النص الشعري، إلّا أنها تعززت في هذا المقطع  لتكون أكثر إستجابة وتعلن استنفاد طاقتها في لتحقيق فضاء قرائي للنص ودعم دلالته.

الهوامش:
1.الفضاء الشعري الأدونيسي، د. محمد صبر عبيد، دار الزمان للنشر والتوزيع،ط1، دمشق،2012 :205-206.
2.وظيفة اللغة في الخطاب الروائي الواقعي عند نجيب محفوظ، دراسة تطبيقية، عثمان بدري، موفم للنشر والتوزيع، الجزائر، 2000 :29.
3.هكذا أنت وأنا وربما نحن، بهنام عطاالله، تموز للطباعة والنشر، سوريا ، دمشق، 2012 :74.
4.هكذا أنت وأنا وربما نحن: 74-75 .
5.هكذا أنت وأنا وربما نحن:  75 -76.
6.هكذا أنت وأنا وربما نحن:  76-77.
7.هكذا أنت وأنا وربما نحن:  77.