وحدها شجرة الرمان


المحرر موضوع: وحدها شجرة الرمان  (زيارة 2072 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مروان ياسين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 149
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
وحدها شجرة الرمان
« في: 22:01 12/11/2013 »


وحدها شجرة الرمان


رواية للكاتب العراقي سنان انطون
مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية سحقتها الحروب


                                                                                                           مروان ياسين الدليمي


خلال الاعوام العشرة الاخيرة طالعتنا العديد من العناوين الروائية التي انشغلت بموضوعة الحرب بما انطوت عليه من  مساحات واسعة داكنة سلبت الكثير من عمر المجتمع العراقي منذ مطلع  العقد الثامن من القرن العشرين والى مابعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.
جماليات الفوضى
يأتي هذا النص الروائي  ــ وحدها شجرة الرمان ــ ليضاف الى تلك القائمة من الاعمال،فالحرب تتموضع هنا في خلفية الصورة المشهدية لتكون مرجعية واقعية يتشكل من ضراوتها السياق السردي العام للرواية،عبر تواريخ محددة تترشح من دخانها،ولتتداخل تداعيات الاحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ــ ماضي، حاضر، مستقبل ــ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ــ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ــ لتقطيع مسار الزمن الطبيعي.من هنا بدا شكل تبادل المواقع الزمنية مهيمنا في البنية السردية للأحداث كما نظَّر له الشكلانيون الروس في نظرية (التحريف الزمني) لقطع التعاقب الطبيعي للأحداث .
لم تكن حكاية جواد كاظم الفنان التشكيلي ــ وهو الشخصية المحورية والساردة للأحداث بنفس الوقت ــ الاّ ذريعة أراد الكاتب سنان انطون من خلالها أن تكون أداته الاساسية لمعالجة موضوعة الحرب بسردية عالية ومميزة،من دون أن يذهب بعيداً في خنادقها وساحاتها إلاّ في مساحات ضيقة جداً.ذلك لأنَّ الشخصية في البنية السردية تشكل محورا أساسيا عادة مايضعها الكاتب في مقدمة اهتماماته،فمن خلال فاعليتها تنمو حركة الاحداث وتتطور،وبنفس الوقت تنعكس عليها.وهكذا تبقى العلاقة ديالكتيكية بينهما "فالشخصية تقع في صميم الوجود القصصي،فهي اشبه ماتكون بقلب السرد النابض،وتتقاطع عندها العناصر الشكلية كافة بما فيها الاحداثيات الزمنية والمكانية" 1
تضاد الامكنة
كماإحتلت دلالة المكان عناية فائقة في هذه الرواية خاصة وأنَّ حضور المكان  " يشكل عنصرا اساسيا في العملية السردية،بوصفه يمثل الارضية الفكرية والاجتماعية التي تحدد مسار الشخصيات التي يذكر فيها وقوع الاحداث،ضمن زمن داخلي نفسي يخضع لواقع التجربة في العمل القصصي " 2 .
تمظهرت مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية مركونة في زوايا وامكنة مُغلقة على الحياة(المغيسل/محل غسل الموتى)خاصة وأنها مازالت أماكن بكر لم يطأها السَّرد:"أول ماوقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسة كانت دكة المرمر التي يُغسلُ عليها الموتى،والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا حيث يوضع الرأس،كي يسيل الماء،وكيلا يتجمع.كانت الجدران والسقف مطلية بلون ابيض مائل للصفرة،لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع خصوصا في السقف،تتقشر وتبدو كأوراق خريفيةعلى وشك السقوط.توسّطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن كبس أبي الزر على الجدار،نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صُفَّت في الزاوية،وفوقها بمسافةٍ نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لاشعة الشمس بإضاءة المكان،تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان ابي يحبها كثيرا وبجانبه مصطبة يجلس عليها احيانا أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون،في صغري كنت آكل ثمار هذه الشجرة حين يقطفها أبي ويعود بها إلى بيتنا بنهم.لكنني توقفت عن ذلك بعد أن أدركت بأنها تشرب من مياه الموت " .
ولأن المكان في العمل الروائي لايمكن للكاتب إلاّ أن يوليه الاهمية التي يستحقها بأعتباره " الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه لذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من اخلاقية ساكنيه وافكارهم ووعيهم " 3.
من هنا رسم المؤلف مكانا آخر( كلية الفنون الجميلة )ليقابل(المغيسل /مكان غسل الموتى)ويتقاطع معه من حيث المعمار والسِّعة والانفتاح والوظيفة.  
ومابين تناقض وتقاطع هذين العَالمين وانقسامهما،يتأرجح جواد، فالمغيسل بات دلالة على:الماضي /الموت /السكون.وكلية الفنون الجميلة  دلالة على: الغد /الاحلام /الحبيبة ريم.
ومن خلال حضورهذين العالمين،افرغ انطون ماجاءت به الحرب من ذاكرة تراجيدية،ليس من السهل نسيانها والهروب منها، فأستحالت الى كوابيس تعزف لحنها الجنائزي المرعب والموجع في ذاكرته .
جواد لم تمنحه الحياة فرصة أنْ يحيا أحلام يقظته،فلاحقته الخسارات واحدة بعد الاخرى،أولها كانت مع مقتل شقيقه الاكبر امير ــ الذي كان قد تخرج من كلية الطب ــ في معركة تحرير مدينة الفاو عام 88 في نهاية الحرب العراقية الايرانية،ثم السفر المفاجىء لحبيبته ريم خارج العراق من دون أن تخبره،مع اشارة إلى انها من طائفة غير طائفته.وليعلم فيما بعد،انَّ سبب مغادرتها كان لاجراء عملية استئصال لثديها بعد أن استفحل فيه مرض السرطان.لينتهى به الحال عاطلا عن الحياة والعمل لمّا اشتدت أحداث العنف الطائفي بعد العام 2003 .
وبعد فشل سفره الى الاردن وعودته مرغما من الحدودالى بغداد وجد نفسَهُ العاجزة تقوده بكل احباطاته الى محل عمل والده،للعمل مرة أخرى في مهنة غسل الموتى كما كان يريد له والده " لايكتفي الموت منّي في اليقظة، ويُصِرُّ على أن يلاحقني حتى في منامي،ألايكفيه أنني أكد طول النهار معتنيا بضيوفه الابديين وبتحضيرهم للنوم في احضانه ؟هل يعاقبني لأنني ظننتُ بأنني كنتُ قادراً على الهرب من براثنه ؟
1-   مقاربات في الرواية والاقصوصة،بشير الوسلاتي وسعيدان سوسة .
2-   جماليات المكان الدمشقي ،شوقي بغدادي ،مجلة عمان ،العدد 34 سنة 1988 .
3-   الرواية والمكان،ياسين النصير .