بين البيت والمنزل عمكا: النص وثقافة ما بعد الحداثة


المحرر موضوع: بين البيت والمنزل عمكا: النص وثقافة ما بعد الحداثة  (زيارة 6288 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ياسين النصير

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 1
    • مشاهدة الملف الشخصي


بين البيت والمنزل

عمكا: النص وثقافة ما بعد الحداثة


ياسين النصير
   

1
  عندما يتحول الوطن إلى بيت، أو مأوى، تتحول كل المدن والبلدات والضواحي والهوامش وحتى المنعزلات إلى بيت، ونعني بالبيت/ المأوى هنا، الطاقة الروحية التي تشد ألإنسان إلى شيء مبهم، غامض، يبقى يلاحقه أينما يحل،فالبيت/المأوى ظاهرة ولودة تتجاوز السكن إلى التأثيث الفكري، وعبثا نختصرها بالحنين إلى بيت الطفولة، فهو التكوين الملتصق بالذات والشيء الذي يعاد تصويره كلما مررنا بمتشابه.  ومن هنا أيضا لا يمكن أن نتحرك ذهابا إلى أصقاع العالم وعودة دون أن يرافقنا تكوين البيت، على المبدعين أن يتعاملوا مع أي فضاء، وأي مكان، على أساس أنه بيت لشيء ما يسكنه، مهما كان نوع المكان أوالفضاء، فسمة البيت كائنة في أي تكوين فضائي، وهذه  السمة لا تعني إلا أن شيئا حيا يولّد لغة ويشحن المكان بسماته، فالمكان بالنسبة لأي شيء مأوى، وللمأوى حالات واشكال وهيئات لا تعد ولا تحصى، حالات تتمظهر مع الشيء وتأخذ ابعاده، وتصبح جزءا من مأوية الشيء، ولا يوصف الشيء إلا بمأواه، فالمحارة لاتعني غلافا للكائن الذي يسكن فيها، إنما هي كينونة كاملة للشيء الساكن ولمأواه، فمأوية المكان هي سمته، وشحنته، واللغة جزء من هذه المأوية، وبدونها لن يكتشف أحد دلالة أمكنته وفضاءاته وخزائنهما السرية.
إلا أن ثمة حال يجب الانتباه إليها، وهي أن تعد المكان الذي تتعامل معه بيتا، متى ما يكون مرتبطا بالعمل فيه، بمعنى لن يكون اي البيت مأوى لك ما لم تعمله، او تشتريه، او تشرف على بنائه، أو تسكنه ارثا، او يعود إليك منحة، فملكية الشخص للمأوى/البيت تعني ملكية البيت/ المأوى للشخص ايضا، وإلا ليس من بيت يولد لغة ولا من شخص يعيد بناءه مستقبلا، ويكون البحث عن البيت بحثا عن الذات ووجوده يعني وجودا للذات، هكذا وجدنا رحلة الراوي وهو يبحث عن بيته/مدينته فهما بيته ومأواه، وعليك أن تعد كل الامكنة التي تفتقد لصفة المأوية الدائمة منزلا، والمنزل لا يستحق البحث عنه، فالبيت كينونة تمتلك خصوصيات ساكنيه وبُناته، بينما المنزل يفتقد للمأوية إلا بحدود انه سكن مؤقت، والمؤقت هذه لا تعني تشكيلات ثقافية خاصة بمن يسكنه، فغرفة السجن ليست مأوى، بل منزل تغادرها بعد انقضاء مدة المحكومية، لأنها معدة لسجناء آخرين، وتسمى منازل لانها مغلفة باُطر وأبواب نوافذ، ومكورة، وبنيت على أساس انها مكان للحجز مع أن كل ساكن يترك جزءا من حياته فيها ويحمل جزءا من لغتها معه، هذه الامكنة لا تعتبر بيوتا، بل منازل، شأنها شأن الامكنة التي تبنى على الطرقات، او المحطات التي يمر بها المسافر، او البيوت ذات السكن المؤقت، كالفنادق، أو السكن الجماعي، كما لا تعد المقاهي بيوتا ولا أمكنة العمل بيوتا ولا حتى بيت الجيران لك بيتا.
2
 نحن بصدد نص مكاني واسع وكبير هو "عنكاوا" لا اقصد النص المكتوب، فالمكان له نصه الطوبوغرافي الخاص الذي يتألف من لغة الأشياء، وقراءتها بصريا تستدعي الذاكرة، ومن هنا فعنكاوا ليست كما كتب عنها سعدي المالح وما رواه الرواة ومدونات التاريخ عنها، إنما هي البيئة والاشياء والناس والحياة اليومة  والاسواق والجغرافيا والطرقات والأزقة والمواصلات والجبال وكل الأمكنة التي تغذيها أو تتغذى منها، فإذا بنا في بقعة جغرافية ممتلئة بالمعلومات توصل اربيلا بما تجده فيها، وتنهل من اربيلا عندما لايكون فيها، هذه الديمومة المصحوبة بلغة الرواية هي الفاعلية الفضائية لأي نص يعتبره الرائي بيتا، واعتبار عنكاوا بيتا يعني العيش في ديمومة شحناتها التي لم تنطفئ ولن تنتهي مادام هناك من يعيد تركيب الأشياء وفق سياقات النص الجديد "عمكا".من هنا فـ "عمكا" نص يتناسب وثقافة ما بعد الحداثة، اي يعاد تشكله عبر الزمان والمكان، "في الطريق كنت واثقا من نفسي من أنني سأتعرف على بيتنا وسأقصده مباشرة" تأتي المعرفة ذهنية ومن الذاكرة فراوي عنكاوا ما يزال يحمل شحناتها، هذه المعرفة المضمرة بعد هجرة سنين طويلة تولد احساسا بجغرافيا المكان فهو لا يتحدث عنها بل يتحدث لها ثم يستمع لما تتحدث به عبر القديسين عن نفسها، ما يتحدث عن المدينة في داخله، يتحدث عنه ايضا، والفرق بين ان تتحدث عن المدينة وان تستنطقك المدينة هو تشكلات النص في كل معايشة جديدة لها. ليؤكد ليس حياة الشخصيات التي مرت عليها فقط، إنما لإعادة تشكيل ثقافة الشخصيات وهوياتهم، ومن ثم يدمجهما بالهويات الانسانوية العامة، البحث عن البيت في عينكاوا هو البحث عن عينكاوا في البيت،وفي الذاكرة، وبالتالي يشكل البحث عنهما بحثا في تاريخ الامكنة عبر الازمنة والتواريخ والتشكيلات الاقتصادية والدينية والثقافية، من هنا ليس ثمة ثيمة محلية مغلقة، هذا ما يحاول سعدي المالح بثه لنا عبر الراوي الذي يتقمص شخصية المؤلف، بل هناك دمج عالمي للهويات مع الاحتفاظ باجزاء كثيرة من خصوصياتها المحلية، نحن في سوق العولمة الثقافية، وننتمي لهذه السوق عبر اندماج أمكنتنا فيها، فما نجده من بضائع وأشكال هي نفسها موجودة في أمكنة عالمية، ونستطيع الانتقال عبر الفضائيات إلى أية زاوية في العالم، فخصوصية اية هوية تعني انها ضمن الهويات وليست منعزلة عنها. عينكاوا واحدة من المدن التي تمتلك تراثا وتاريخا وحضورا قديما وآنيا، قادرا على البث المستمر، وثمة فروق كثيرة بين ان يكون للراوي بيت فيها جاء ليبحث عنه، أوان يكون له منزل فيها سبق وأن سكنه، فالبيت حقيقة وجود لذاته ولمن يسكنه، والمنزل حقيقة كيان يتغير بتغير ساكنيه، لا يكون البيت بيتا إلا لمن ابتناه وأصلحه وعرف تربته ومادة إنشائه وارتبط بالحاجة إلى أن يكون امتدادا للرحم، بينما لا يتعلق المنزل بساكنية بمثل هذه الوشيجة الرحمية، فالمنزل قطعة عابرة في الزمن انشأ ليتغيرمن يسكنه، بينما البيت قطعة من الجسد/الذات، انشأ لتوارث ساكنيه، ما يصيب الجسد يصيبه والعكس كذلك، فالبيت يورث للأحفاد هكذا تحدث الجد عن الأرض، بينما المنزل لايورث، بل يستأجر، ولا نسأل عن الطابع الرحمي في اصلاح الخلل اثر عطب او خطر يحدث فيه، بل نسأل لماذا يتعطل اصلاح البيت/الجسد، حينما لا يكون ثمة من ينتمي إليه ؟
في كتاب سعدي المالح ثمة بحث عن تاريخ الجسد/البيت، فجسده بيته، وليس ثمة أي بحث عن منزل سكنه وعن التاريخ الذي تشكل فيه، ولأنه معني بذاته وهي ذات الجسد وذات البيت، نجده يوزع كتابه على فصول، يستهل الفصل الأول منه بمدى التاريخ الذي شكل الجسد/البيت وتعتبرالمسيحية والأرض قاسما مشتركا بين الجغرافيا والناس، ولأنه بيت بتاريخ استعار تاريخ كل من سكنه وغادر، وسكنه ومات فيه، وسكنه وتحول عنه، وسكنه وكتب عنه، وعبر مئات الارشيفيات والمدونات يستجمع سعدي المالح تشكل تاريخ جسده/ بيته، فوجدناه جسدا لقوم لهم تراث، ولأرض لها تاريخ وكيان متعاقب الوجود.
هذا الكتاب مكتوب بحميمية من يتتبع خطوات تاريخ بيته، وهو هنا "عنكاوا" هذه المدينة التي خلقتتها السماء والارض، زرعا وترابا وناسا وتكوينا، تستحق ان تكون بيتا للجميع وهي كذلك مادام الأموات يأتون إليها والاحياء، مدينة مرت عليها أجيال"أمم" وأرّختها باعمالهم كما أرّختهم  بوجودها فيهم، ونشأ بين الاثنين حكاية الجد الذي يحكي لحفيده من على ظهر حماره قصة هذه الارض، ولأن عنكاوا رحما لمن بناها وإرثا لمن يفلحها، ارتبطت بالزرع والمنح والديمومة، فالزرع وحده قرين الأنبياء، والحبل السري الذي يوصل رحم الأرض برحم الساكنين، ولن يكون للزرع معنى دون ارتباطه بالأرض السماء، كل الأنبياء كانوا، إما رعاة أو زراعا، وعمل الإنسان حوّل الارض الخصبة إلى بيت رحمي، يشد الأبناء بعضهم لبعض ويوصل ما انقطع من التواريخ ، فالزرع سجل والحصاد تدوين، وما الاديان إلا جزء من هذه الرحمية الدائمة التدوين، ديانات مشبعة بحضور القداس في الارض .
للبيت سلطة على ساكنيه، بينما ليس للمنزل سلطة على من يسكنه، سلطة البيت هي الموقع الباث المهيمن على من فيه، هي الهوية المتحولة إلى علامة، هذا بيت فلان وهذا بيت مقدس، وهذا بين علان، ليس مرد هذه السلطة المال أو الوجاهة أو النسب،، فالبيت لايطلب مالا ولا وجاهة ولا نسبا، بقدر ما يطلبها المنزل، حيث فراغه من انتمائية بُناته يصبح مكانا عاما لمن يستأجره، فالسلطة وظيفة البيت/ الأم وهو ما توطنه لابنائها من ارث الشحنات المكانية التي ترافق سكانه اينا رحلوا وأقاموا...
في البيت يصنع الإنسان تاريخ الامكنة، والذكريات جزء من هذا التاريخ، ما ان تغادره حتى ينتزعها البيت منك، لتبقى ضمن احجاره وهوائه وشحناته وتركيباته، ولأن الذكريات موطن الروح، تعلّم  الذاكرة بالمسافات فيما بينها وبين من سكنها: هنا جلسنا، وهنا ولدنا، وهنا توفي الأب، وهنا تمت خطبتنا، وهنا تزوجنا، وهكذا تصنع المسافات لغة الذاكرة وتحدد بشحنات الفضاء العام الذي انتقل معنا خلال رحلاتنا مع ما تبقى منه مضمخا في احجار البيت وهوائه وترابه وفضائه، فالمسافات في الذكريات تقيس ما بين نقطتين الأولى معلمة في البيت، واضحة ولها شواهد، والثانية ترحل معنا، إلى اصقاع العالم ومجاهله، نستعيدها باللغة، ونحاول تجديدها بالذكرى ثم إعادة توطينها الذاكرة خوفا من أن ينقطع الحبل السري بين النقطتين. هكذا هي الهجرة دورانا حول مركزين، وسياحة بين مفازتين، رحيل ثم عودة، وقد لا تتم عودة الجسد لكن الذاكرة ما تزال تحتفظ بالنقطتين والمسافات التي صنعتها الرحلات والذكريات.
أما في المنزل فلا يكتب إلا تاريخ المنزل، حيث يتحول عبر الذ نقطة إلى سكن وليس إلى انتمائية سكنية، فالساكن فيه عابر لغيره، إذ ليس للاشخاص الذين سكنوه اية علاقة بأحجارة ومسافاته ونقاطه وتفاصيله، ومن جاء إليه ومن رحل عنه إلا بعض الذكرى لمن ولد فيه، هذا فيما إذا اعيدت حكايته الكبرى، المنزل لا يحوي على الذكريات الفردية، ولذا لا تاريخا جماعيا لمن يسكنه إلا ضمن التواريخ العامة للمنطقة، بينما يمتلك البيت وحده ثلاثة تواريخ:  تاريخه الذاتي، وتاريخ منطقته وتواريخ سكنته.
يكتب سعدي المالح عن بيته الكبير"عنكاوا" بكريات سردية مشبعة بالمثيولوجيا، حسنا أنه هنا يستثمر ثقافته، ولكنها لا تعينه دائما ما يعيد الحياة إليها عبرعلاقاته مع أمكنة أخرى واشخاص وحوادث،ف المثقف إذ يعيد ترتيب ذاكرته نجد الإعادة تقترن بعشرات التواريخ المستقيمة والدائرية، تلك التي عاشها وتلك التي استحضرها وتلك التي نبهت إليه وتلك التي نشأت من تداخل بعضها ببعضها، وبجموع مفردات هذه الذاكرة نجده متتبعا اثرها في خارطتين كبيرتين: أربيلا مكانيا وفضاء واسعا احتوى العالم ضمن تصور أهلها، والمسيحية دينا زمنيا متقلبا ومتجولا، واضحا وغامضا، مختصرا على فئة ومنتشرا كالريح، وانتقالة المكان من البدائية ودياناتها إلى المسيحية وافاقها استغرق رحلة بشرية كاملة، هذه الرحلة هي جزء من تعميم مثيولوجيا الثقافة،،فالثقافة صناعة مكانية قبل ان تكون زمانية، ومن هنا تكون الزراعة والتوطين والانتماء للبيت الكبير وللمعارف ولمن يحرس "عمكا"- الأسم القديم لعنكاوا-  شركاء في صناعة تاريخ البيت، القديسون وحدهم يحرسون هذا التاريخ ويديمونه فهم البقية بالرغم من موت اربيلا في عنكاوا وحدود شخصيتها وجغرافيتها، القديسون هم حراسها وهم من يعرف  من يغادرها ومن يدخلها، وها هو الراوي ياتي سائلا عن بيته، فإذا به يواجه القديسين كدليلين  له و"لعمكا"، هذه السيرورة الدائرية مكانية، حتى الموت فيها يكون دائريا وضمن أبعاد الفضاء الخاص بالمنطقة، وسعدي الراوي الذي يتلبس شخصية مدون التاريخ ومؤرشفه، لم يكن حياديا في الوصف، بل منطلق من فكرة أن:  ما يكتب عنه هو بيت - ـه- حتى لو لم يجده.
ترتبط الزراعة بالبيت، ارتباطها بالقوت، وارتاط القوت والبيت بالحياة، يعد ارتباطا غريزيا ووجودا كيانيا، لذلك كان كل الانبياء إما رعاة أو مزارعين، ولم يحدث ان نشأت قرية دون زراعة، ولم يحدث ان نشأت حضارة دون ديانة، ولذلك تجد المدن الدينية حية ولها عمقها الفكري والتراثي، لكن المدينة القاضمة للزراعة، المانعة للخصب، والمستهلكة للقوت، والمتحولة إلى سوق هي المدينة القاضمة للحب وللحياة، لذلك كانت المدينة مرفوضة من قبل كل الشعراء، بما فيهم مفكري ما بعد الحداثة، لانهم عايشوا فكرة التشظي للمدينة  بتغليب الهوامش والأجزاء والثانوي، هذا يعني أن سعدي المالح وهو يكتب عن عنكاوا، يكتب عن تشكلاتها الاقتصادية والعمرانية يوم كانت قرية تزرع، ومساحات فارغة وشواهد من أنصاب الحجارة، عاشها القساوسة والكهان وعامة الناس، وانتقالاتها عبر التاريخ، ثم تحولها من الزراعة  إلى العمل، ومن العمل إلى الهوية بعد وضوح علاقتها بأربيلا، وها هي تبحث عن ذاتها عبر حكايتها ومدونتها، وتميزت عنكاوا بأنها غيرت علاقة الأديان بالناس، حين اتسعت ثقافتها، وتنوعت مداخلها، ودخلت في إشكالية معرفية مع غيرها، بصياغات حروب واتفاق ونزاع وتداخل اجناس، عندئذ تغيرت المدينة من سياقها  التراثي القديم إلى سياق السوق الحديث، لينهض عبر المدونات تاريخا وسلالات من بقي ومن رحل، ونجد عنكاوا الممتلئة باللغة التاريخية والمنبثقة من ذاتها كمكان خاص، ومن أربيلا كغطاء  جغرافي وتاريخي كبير، تستحضر عبرها كل تواريخ المنطقة، ولذلك بقيت اسما ومدونة متجاوزة كل الكوارث والحروب، وفي مثل عمقها الحضاري لابد لاية مدونة حاضرة او غائبة ان تمر عليها فهي كما يصفها سعدي " بيت مقدس"  والبيت المقدس له علامة مع كل بيت ثابت السكن  ومنزل متحول السكنية..
 بين الأنا والإله والقديس نشأت عينكاوا، هذا المركب الثلاثي للنشأة لم يوضع بمواجهة بعضه البعض، بل جاء متداخلا، حضورالانا- الناس-  اقدم من حضور الإله، وحضور القديس أقل تاريخا، فالأنا هنا هي المكان، هي البيت/الفضاء، ولما حط الإله فيها نازلا من سمائه، اصبح له بيت، مثل بقية البيوت، لكنه بيت مقدس، ولما جاء القديس سكن بيت الله،  افضل هذه المساكن بيت الناس، خاصة إذا كانت الناس مهاجرة ثم عائدة بعد غربة، فتضيع في درابين البيت بيت الزمن المعاصر، بيت الحداثة والعمران ومتغيرات الطابو والأرث، وظهور الابناء الجدد الذين تربوا في الحروب والاحقاد وهم يوزعون ويتوزعون على بيوت الله  والقديسين ومن خلفهم يتراكض الدعاة ليقنع هذه الجماعة او تلك للانتماء إلى طريقتهم وليسكنوهم بيوتهم المؤقتة - الملاجئ والمنعزلات- ولم يفعل ذلك سعدي المالح الباحث عن الاصل للبيت الارض التي تستقبل مني السماء فتورثها الزراعة والقصباء والابناء، بل كان احد ضحايا الاضطهاد فهاجر وهُجرت اسرته واغتربت ثقافته، هذا الابن الباحث يبحث بين كنيسة واخرى، بين  بناية واخرى، وإذا به يجد علامات لبيته موزعة في كل البيوت، وكأن البيوت بيتا واحدا، وإذا بعنكاوا المدينة تستعيد بابل، وأكد، وأور، وآشور، وأربيلا، وتستعيد سعدي نفسه، وتسكنهم جميعا في بحبوحة العيش ضمن أربيلا. لتصبح اربيلا فضاء للمكان وفضاء للراوي.