الشاعر والاتكاء على المسلة الأزلية بقلم شوقي يوسف بهنام


المحرر موضوع: الشاعر والاتكاء على المسلة الأزلية بقلم شوقي يوسف بهنام  (زيارة 2118 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



الشاعر والاتكاء على المسلة الأزلية


شوقي يوسف بهنام
الموصل


 لقراءة الموضوع في جريدة الزمان الدولية وموقع الف ياء متابعة الرابط الاتي :
http://www.azzaman.com/?p=53802

سنقرأ نصاً واحداً هو (مطر اليقظة) المنشور ضمن المجموعة الشعرية (هكذا أنتَ وأنا وربما نحن) للشاعر بهنام عطاالله، راهنا ً- وبعدها ننتقل إلى نصوص أخرى في محاولات لاحقة . لا شك أن اليقظة هي حالة عدم السبات أو النوم . أو هي الخروج منهما وبدء الحياة من جديد. وفي هذا النص يطرح الشاعر هما ً ذاتيا ً لكنه ممتزج بهم جمعي. وهذا الهم يتجلى بالذات الإنتمائية؛ إن صح التعبير . أعني البحث عن جذور الانتماء وتشكل الأصول وبلغة علم النفس الشعور بالأنا أو الهوية ولكن بلغة علم الاجتماع الشعور بالـ (نحن). الشاعر إذن ينتقل من السؤال " من أنا إلى من نحن " . المطر هو حالة إنذار لهذا السبات، وكأنه اقتحام لحالة السبات التي انتابت " الـ (نحن) . هذا المطر إذن هو الدخول في مرحلة جديدة وهي الشعور بهم من نحن . لنرى كيف عالج عطا الله في نصه هذا ألهم الذي كان مصدراً للأرق لديه . يقول الناص (الشاعر) :
(مسلة ..
ما زلنا نصوغ نصوصها
من بقايا القديسين
ومن ضوء المصابيح
خرافة بيضاء
لا تمحو من ذاكرة الكون
عطورها تجتاح أناشيدنا الهاطلة
مع مطر اليقظة) (المجموعة ص 17)                                  
نحن نعرف أن المسلة عمود رخامي عرف في الحضارات القديمة لتسليم التعليمات والتشريعات من الآلهة إلى الناس. ومسلة حمورابي في حضارتنا العراقية القديمة أنموذجا لهذه المسلات. الشاعر ينطلق من هذا المفهوم ليستثمره أو يوظفه في حقيقة الجذور الإنسانية لانتمائه. فهو يتكأ عليها لأنها مصدراً لتاريخه الجمعي. إلا أن ما يميز هذه (المسلة) إنها حاضرة في كيانه الراهن. فهو لا يزال يصوغ نصوصها  بمعنى أن نصها الأصلي ما يزال هو المهيمن على وعيه الراهن . إنه غير منقطع عنها بل هو استمرار لها . ومن هنا جاءت هذه المشاركة الدائمة في صياغة نصوصها . ولستُ معنيا ً هنا بتحديد هوية هذه المسلة، إلا انه، وعلى ما يبدو، أنها تقف بمثابة حاجز لخروج الـ (نحن) إلى النور والحرية . ولذلك دعاها أو سماها " خرافة بيضاء لا تمحو من ذاكرة الكون "
خرافة بيضاء قد تكون رمزاً لبراءة المسلة ونقاء أصولها وليس إلى أصولها الباطنية ذات البعد الشيطاني على سبيل المثال. من هنا أزليتها في ذاكرة الكون . ومن هنا ديمومة عطورها وعبقها على أناشيد الشاعر الذي ينتمي إلى هذه الخرافة البيضاء، ولكن تتزامن مع مطر اليقظة لقوة تلك الديمومة وخلودها. وصورة الوجود تسير على متوالية هذه الديمومة . يقول عطا الله :
(هكذا كل شيء يمضي ملونا
في أحضان الكلام
وأغاني الفجر
أصابع النهارات
والفوضى المربكة)  (المجموعة ص 18)                          
تلك إذن هي صورة الكون عند الشاعر. ولا أقصد الكون بالكون الفيزيائي بل بالمحيط الإجتماعي التاريخي الذي يحيط بالشاعر. وقد أوجز كل ذلك التاريخ بالفوضى المربكة. الشاعر يعيش فوضى تاريخه الجمعي وتشتت هويته الانتمائية. والشاعر يعيش محنة البحث عن الذات، أو ذاته الجمعية على وجه التحديد. يقول الناص :
(إنه بحث دائم
عن كلمات رشيقة
مثل رشاقة أمي
الساقط من نبض الفردوس
فهي بهجة تهندم أسمالي
ُتهندس أعضائي ... ترتبها
قطعة .. قطعة
ُتهذب بصماتي
على مسلة أوراق مهملة
حرائق تلوذ في معطفي الشتوي
لئلا يبتل بماء النهر
من عطرها المؤثث بالضجيج
ابتسامة ثكلى
وقامة تطوف على شامة النهد
شعر كأمواج المحيطات
يقايض مودتي
يدغدغ نبضي
ُتبعثر أبجدياتي
مطراً للندم وأخرى تركن
فوق قصيدة لم أحلم بها
أكممها بما تتسع أجنحتي)  (المجموعة ص 18- 19 )
لا أريد أن أعلق على رمزية الأم في هذا المقطع من النص . لا أريد القول ان الشاعر متعلق تعلق اوديبي بالأم. بل سوف أنقل تلك الرمزية إلى الوعي الجمعي الذي ينتمي إليه. ولا أريد كذلك أن أحدد هوية هذا الوعي الذي يقصده الشاعر. من هنا كانت هذه الأصول الفردوسية الخفية العجيبة لهذه الأم، وهي تصوغ شخصية الشاعر وأبجديته وصورتها الراهنة التي تميزه عن الذوات الأخرى. ولعل عنوان المجموعة قد يساعدنا على البحث عن الجواب، فهو بحث عن هوية أخرى وحضور آخر ولكنه حضور مغرق بالإشراق ومفعم بالسعادات. وهذا البحث الدائب عن هوية هذا الوعي الجمعي دفع الشاعر إلى القول في المقطع الأخير من النص على النحو التالي :
(يستيقظ وهجي
فمنذ عصور
كان مجدي يتبعثر كالسدوم
يتوسل لمدن الصحو
يقرأ طالعها / يغزو بواباتها
إنها دائما
ترتب خرابي وبقايا صمتي
في أقاصي الكلام)  (المجموعة ص 20)        
فهنا نقطة الإنطلاق لدى الشاعر. إنها لحظة، ثورة، هياج، تمرد، إجتياح لما ساكن، خامد، هامد في سبات في هذا الوعي، إنه يتكئ على تلك المصابيح والشموع التي تطلقها المسلة بين حين وآخر لأنها غائرة في أعماق هذا الكون الفسيح . هنيئا لك يا عطا الله هذا الاتكاء على مسلتك الأزلية هذه.
  

•   بهنام عطا الله، هكذا أنت وأنا وربما نحن، دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية،2012.
نشرت القراءة في جريدة الزمان الدولية العدد 4676 في 7 كانون الأول 2013


 لقراءة الموضوع في جريدة الزمان الدولية وموقع الف ياء متابعة الرابط الاتي :
http://www.azzaman.com/?p=53802