السياسة في الفلسفة السريانية-3-


المحرر موضوع: السياسة في الفلسفة السريانية-3-  (زيارة 4081 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل hzail

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 42
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
السياسة في الفلسفة السريانية-3-                                   

 روابط الاجتماع 
إن الاجتماع الذي هو أساس المدينة و بالتالي أساس المملكة. يجب أن تكون له روابط وثقى لكي يكون دائماً و مفيداً، فإذا استكمل شروطه عاد إلى المدينة أو المملكة بالخير و السعادة و إلا انفصمت عراه، و زالت فائدته من الوجود بزواله، و عاد الإنسان ذئباً على أخيه الإنسان الأمر الذي هو المعول الأول و الأكبر في هدم كيان المدينة و تحطيم أسس المملكة.أما هذه الروابط فهي كثيرة متشعبة، ذكرها الفلاسفة الأقدمون كأفلاطون وأرسطو، و عددها الفارابي في معرض كلامه عن آراء أهل المدينة الضالة،إلا أنه لم يناقشها و لم يقل عنها خيراً أم شرا، أما فيلسوفنا فإنه يتحدى جميع هؤلاء الفلاسفة بفكرته، و هي صائبة جداً بالنسبة إلى العمران و المدنية و أهمل جميع تلك الروابط التي ذكرها الفلاسفة، و اكتفى برابط واحد هو أساس جميع الروابط  كما سنرى في السطور القادمة. ذكر الفارابي أن ( إن أقواماً اعتقدوا أن الاجتماع الإنساني ينشأ عن القهر، فإن القاهر يحتاج إلى مؤازرين، فيقهرهم و يسخرهم، ثم يقهر بهم أقواماً آخرين فيستعبدهم أيضاً لمنافعه و أهوائه) و إذا تتبعنا الفارابي عند استعراضه هذا الرأي نراه يهمله و يعداه إلى آراء أخرى يراها أكثر تأثيراً في ربط أفراد المجتمع البشري بعضهم ببعض، و حسناً فعل، لأن القهر إذا نجح اليوم و أدمى القلوب، و كسر الضلوع، و استعبد المناصرين و المؤيدين، لا بد أن يتغلبوا عليه يوماً فيقهرونه في غفلة من غفلات الدهر إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، لأن حقد قلوبهم و ذل نفوسهم  يستمر في الغليان السري حتى إذا ما رأوا لهم سانحة تألبوا على قاهرهم و أوردوه حتفه، و سلبوا من بين يديه ما اكتسبه من صولة و جاه و سلطان، و هذه هي أهم الأسباب التي ألجأت الفارابي أن يهمل هذا الرأي فلا يأخذ به بل يتعداه إلى غيره.

 يقول:( و هناك قوم رأوا أن الاشتراك في الولادة من والد واحد هي سبب الارتباط و أن الاجتماع و الائتلاف لا يكونان إلا به، فإذا تباينت الآراء حصل التنافر، و إذا تقاربت حصل الاشتراك و التعاون، و كلما كنا التباين أقل كان الارتباط أشد، وكلما كانت القرابة بعيدة، ضعفت رابطة الاجتماع، و هنالك أيضاً من ظن أن الارتباط أنما يكون بالتصاهر أي بزواج هذه الطائفة من إناث تلك الطائفة والعكس بالعكس، و منهم أيضاً من اعتقد أن الارتباط الاجتماعي إنما يكون بالاشتراك في رئيس واحد يجمعهم و يدبرهم).
و يمضي الفيلسوف الفارابي باستعراض الآراء دون مناقشة إلى أن يقول (و قوم رأوا أن الارتباط هو بالإيمان و التحالف و التعاهد على كل ما يعطيه الإنسان من نفسه، و لا ينافر الباقين و يخاذلهم). و جعل الفارابي و غيره أعلى هذه الروابط(العدالة) و هذا قد أعاده على أذهاننا جان جاك روسو في نظرية العقد الاجتماعي،إلا أن جميع هذه الروابط مهددة بالزوال لتصادم أهواء البشر و مصالحهم الخاصة.ففي سبيل الأهواء و المصالح يضحي البشر بالقرابة القريبة أو البعيدة، و يكفرون بكل الصلات الاجتماعية كالتصاهر و غيره، و ينكرون كل محالفة و كل معاهدة إذا  كانت مخالفة لما يضمرون أو منافية لما كانوا يأملون. يعلم فيلسوفنا كل ذلك، فلا يجعله سبباً للارتباط، بل لا يذكره مطلقاً للأخطار الكثيرة التي تحيط به، فيقدم رأيه الوحيد و الخاص، و هو عنده و عند الحقيقة، أسمى من جميع تلك الروابط التي ذكرها الفلاسفة السابقون حتى ومن العدالة نفسها، لأنها هي الأخرى مهددة بالزوال دون أن يكون رابط أشد منها وأقوى يحافظ على كيانها و يجعلها أبداً ملح الحياة، و نور العالم.

و إليك ما يرتئيه الفيلسوف في هذا الموضوع قال: " بما أن نواقص البشر تنقلب إلى كمال باجتماعهم، فهم بحاجة إذا إلى الألفة التي بها يكون الأفراد الكثيرون بمثابة أعضاء جسم واحد، و كل فرد يستهدف ذلك الكمال، فإنه يستهدف هذه الألفة طبيعياً، و أساس هذه الألفة هي ( المحبة) و قد برهنا في كتاب(فرقطيفون)الأول، أن العدالة هي أعظم من جميع الفضائل الاجتماعية، إلا أن المحبة هنا هي أعظم منها و أفضل، و يظهر من هذا أن المحبة هي أفضل من العدالة بطبيعتها، والعلم تلميذها و الطبيعة معلمها ، و البرهان على عظمتها هو، أن المحبة لو كانت موجودة بين البشر لما ظلم بعضهم بعضاً مطلقاً، و لو كانوا كذلك لمااحتاجوا إلى شريعة عادلة تبطل الظلم و تمحق الظالمين، و الشاهد على أنه حيث توجد المحبة توجد العدالة أيضأً، لأن المحب لا يظلم محبه، و لا توجد العدالة حيث توجد المحبة، لأن كثيرين يكيلون لمبغضيهم صاعاً بصاع، و لكن عندما يكونون مرغمين، فالمحبة إذاً هي أفضل من العدالة".
إننا نرى فيلسوفنا يهمل جميع الروابط التي ذكرها الفلاسفة من قبله فلايذكرها، و لا يورد منها غير (العدالة) فقط ، و هذه هي عندهم و عنده أيضاً في بعض تعاليمه الاجتماعية، أسمى جميع الفضائل البشرية، إلا أنه يضع إزاءها(المحبة) و يقارن بينهما مقارنة بارعة فيفضل المحبة عليها ببراهين واقعية صريحة، فالمحبة لديه لو وجدت بين البشر لما احتاجوا إلى العدالة، لأن المحبة ذاتها تنشر بينهم الألفة و العدالة، و هي وحدها ملح الأرض، و نور العالم، فلو سادت المحبة في العالم لنا احتاج إلى شريعة أخرى و لا إلى قانون اجتماعي أو سياسي، بل لما احتاج إلى مشرع و حاكم و منفذ، و هذه لعمر الحق أسمى التعاليم البشرية، بل أنما هي من التعاليم السماوية كما يعلمنا السيد المسيح نفسه. لم نقرأ لأحد علماء الاجتماع و السياسة، أنه علم هذا التعليم، و فضل المحبة على العدالة، بل نراهم جميعاً يبسطون الآراء المختلفة المتباينة. و كل منهم يعتقد أن الآراء التي قدمها هي أصح و أسمى جميع آراء زملائه العلماء، إلا أن فيلسوفنا هذا يتحداهم جميعاً و يصرح أن المحبة هي وحدها أساس كل اجتماع بشري سعيد، و بدونها لا يمكن أن يكون بينهم لا ألفة و لا سعادة، فالشريعة مهما كانت عادلة هي عاجزة عن تقويمهم و تهذيبهم و كبت عنجهيتهم البشرية العارمة، و يشبه رأي فيلسوفنا ما بشر به الفيلسوف الروسي الشهير (تولستوي) الذي علم أن(المحبة) هي أساس سعادة البشر، و سلام العالم، و صرح أن المحبة عندما تسود في العالم لا يحتاج العالم حينئذ أي قانون آخر أو نظام أو شريعة أو حاكم  أو منفذ، و هذه هي آراء فيلسوفنا بعينها، و هو السابق، و تولستوي اللاحق، والفضل للسابقين.
 ثم يعدد الفيلسوف أنواع المحبة الطبيعية و الإرادية، و يؤيدها أساسا لكل نجاح، و تألق في الهيئة الاجتماعية،
 و ذلك من الوجهة الخلقية العامة:
 فيطري جميع أنواعها، و يجعلها حافزاً للنظام الاجتماعي، و سبباً للعدالة في العالم،إلى أن يصل إلى نوع آخر، و مع كونه (محبة) إلا أنه مذموم و مرفوض عند جميع علماء الاجتماع و يجلب على صاحبه بغضاً من الخلية البشرية كلها، و هو ما يسميه الناس (حب الذات) أو (الأنانية) فهذا النوع من المحبة مذموم و مكروه عند كل فرد من أفراد الهيئة الاجتماعية، يقول الفيلسوف: " من طلب كل الخيرلنفسه وحده، يفقد نفسه و الخير الذي يتصوره معها، لأن من كان كذلك لا يحب أحداً، ولا يحبه أحد، بل يجلب لنفسه أعداء كثيرين يتربصون على أذاه، و يتحفزون للإيقاع به، و ينتظرون سقوطه، فمن كان محباً لنفسه وحدها، و يريد الخير لها وحدها، ويريد الخير لها وحدها، فإنه يفقدها و يفقد كل خير معها، و عندما يتأمل الرجل الحكيم هذه النتائج العادلة، يكتفي بإحراز الخير العادي الضروري، ويعرض عند الإكثار من الغنى العالمي، لأن الرجل لا يبتاع الفضيلة بالغنى، وكثيرون من البائسين يعملون أعمالاً أجدى و أفضل، و كثيرون من الأغنياء هم ممقوتون عند اله و الناس".
تظهر الأنانية البشرية المتطرفة، عندما يجهد الإنسان نفسه في حيازة الخير وحده، و منعه عن أخيه الإنسان، و قد وصف لنا الفيلسوف الأنانية في كلماته هذه وصفاً دقيقاً، و أيد أن (حب الذات) و عن كان (حباً) بالاسم إلا أنه مجلبة للذل و الهوان، و سبب أساسي في سقوط الإنسان مهما كان غنياً و عظيماً.
 و بعد مرورنا على تعاليم فيلسوفنا نجد (المحبة) أساساً لكل الخيرفي العالم، و رابطاً رئيسياً من روابط الهيئة الاجتماعية، فإذا فقدت الإنسانية المحبة، فقدت كل خير، و تجردت من كل فضيلة، و ضربت الفوضى أطنابها في كل ناحية من نواحيها، فلا تفيد العدالة، و لا تجدي الشريعة، و لا يستطيع الحاكم مهما كان حكيماً و عادلاً من إصلاح فساد الهيئة الاجتماعية، و حينئذ تتفشى الانقسامات في العالم، و تنشب الأنانية و حب الذات أظفاراً حداداً في جسم الهيئة الاجتماعية، إذ تكون منقسمة على ذاتها "و كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب".

عن كتاب: الفلسفة المشائية في تراثنا الفكري
بحوث أدبية. فلسفية. تأريخية. اجتماعية
تأليف: المطران مار غريغويوس بولس بهنام

عن موقع حضارتي السريانية