هل كانت العناية الإلهية وراء إختيار أباء الإرسالية الكلدانية في لندن لرتبة الأسقفية؟
أبرم شبيرافي الحقيقة ترددت كثيرا في تسطير هذه السطور بعد أن قرأت القرار السنهادوسي للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في إختيار الأب الفاضل حبيب هرمز ججو النوفلي راعي الإرسالية الكلدانية في لندن لرتبة الأسقفية من بين عدد آخر من الأباء الأفاضل للكنيسة، لا بل وقد يجد القارئ اللبيب بأن تطرقي لمثل هذا الموضوع الكنسي غريباً بعض الشيء وأنا غارق في الكتابة عن عالم السياسة والمسألة القومية. ومع كل هذه المطبات يقفز تساؤل عن ماهية هذه العناية الإلهية في هذا الإختيار وأين تكمن في هذا الموضوع. لا شك فيه رغم بساطة إيماننا المسيحي بكل أفرع كنيستنا المشرقية ولوتروجيتها وقراراتها السنهادوسية إلا أن هناك أعتقاد سائد في إيماننا المسيحي هو أن العناية الإلهية دائماً هي التي تحوم في المجامع السنهادوسية وتدفع المشاركين فيها إلى إتخاذ القرارات الصائبة وتحديداً في إختيار ورسامة الأساقفة والمطارنة. لقد حفزني قرار إختيار الأب الفاضل حبيب النوفلي لرتبة الأسقفية أن اعيد شريط ذكرياتي ومعايشتي لهذه الأرسالية في لندن ولم أجد مخرجاً للكتابة عن هذا الإختيار إلا الإعتماد على العناية الإلهية في تفسيرها وعلاقته بالسوابق المماثلة. حيث كان هناك قرار سنهادوسي آخر مماثل في عام 2002 عندما أختير الأب أندراوس أبونا رحمة الله، الراعي السابق لنفس الإرسالية لرتبة الأسقفية ومن ثم بعد رسامتة من قبل قداسة البابا الراحل يوحنا بولص الثاني تم تعيينه من قبل مثلث الرحمات مار روفائيل بيداويد معاوناً بطريركاً للكنيسة، فكانت الرسامة من قبل قداسة البابا لرتبة الأسقفية الثاني من نوعه، كما أعتقد، في تاريخ الكنيسة الكلدانية بعد رسامة مار يوحنان سولاقا بطريركا على الكنيسة في منتصف القرن السادس عشر.
على العموم ليست الإرسالية الكلدانية في لندن هي القاسم المشترك بين الإختيارين بل هناك قواسم آخرى قد لا نجد أو قلما نجد مثيلاً لها. كانت بداية خدمة الأسقف مار أندراوس أبونا، رحمة الله، في أبرشية البصرة للكدان للفترة من عام 1967 لغاية عام 1971 وها بعد أكثر من أربعة عقود تأتي رسامة الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي لأبرسية البصرة والجنوب ليتم مواصلة خدمة الرب في هذه المدينة. لقد كانت صلتي القوية والمباشرة مع الأسقف الراحل عاملاً مؤثراً في التفاعل معه في مختلف المجالات الثقافية والفكرية وبالتالي سهولة إدراك ومعرفة طموحاته المختلفة في تطوير كنيسته وإرساليته والتقرب وبشكل متفاعل مع رعيته في لندن والذي لم يكن ممكنا في هذه المدينة الكبيرة التي ينتشر أبناء رعيتها في أرجاءها البعيدة والمختلفة إلا بمواصلة الجهد والعمل الدؤوب في تطوير أرساليته بالإعتماد على مصادره الذانية. بعد إنتقاله إلى جوار ربه كنت قد كتبت مقالة عنه ونشر في موقعنا العزيز عنكاوة دوت كوم ووصفته بمطران الصعوبات والتحديات لأنه أستطاع حل الكثير من الصعوبات التي كانت تواجه الإرسالية في لندن لا بل وتطويرها. إضافة إلى ذلك فقد كان موفقاً تماماً في الإستفادة من الفرص الكبيرة التي توفرها مدينة لندن عاصمة العالم الثقافية والفكرية وترسيخها لتعزيز دوره وفاعليته ليس بين أبناء رعية كنيسته بل حتى خارجها، فعمل بكل جهد في إصدار النشرة الكنيسة "القيثارة" بالرغم من الموارد المالية الشحيحة والتي كانت توزع مجانا. كما كان فاعلاً وحاضراً في الكنير من المناسبات والندوات والحلقات الدراسية ولم يستقر به الحال إلا بعد أن رسم برتبة الأسقفية ونقل إلى بغداد.
جاء الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي ليكمل المسار بنفس الإصرار والهمة فأنهل من مناهل العلم والثقافة والصحافة في لندن الكثير منها ورسخ مكانة إرساليته الكلدانية بين رعيته وحتى خارجها.
بعد رسامة مار أندراوس أبونا، رحمة الله، أسققاً ومعاوناً بطريركياً أنتقل من لندن إلى بغداد – العراق وها هنا تتكرر العناية الإلهية في إنتقال الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي من لندن إلى البصرة – العراق. وقد يبدو أمر هذا الإنتقال مسألة أو أجراء كنسي رسمي مطلوب تنفيذه من قبل المعنيين به، ولكن في طياته يدرك أبسط إنسان على هذه البسيطة المخاطر الجمة الذي يعينه هذا الإنتقال من مدينة لندن بكل إستقرارها وأمنها ورفاهيتها إلى بلد كان ولا يزال يطغو عليه أعمال القتل والعنف والخطف والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإعتيادية. لقد سجل الأسقف الراحل أندراوس أبونا سابقة تاريخية وكنسية في قبول الإنتقال من بلد متحضر ومتطور ومستقر إلى بلد القتل والخطف والفوضى ولا أدري فيما إذا كنت صائباً أم مخطئاً في القول بأنه من الصعب جداً أن لم يكن مستحيل لأي رجل دين يقبل نقل خدمته الكنسية من أوربا إلى العراق في مثل هذه الظروف المميتة. وها اليوم يعود قرار المجمع السنهادوسي للكنيسة الكلدانية وينقل الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي من لندن إلى العراق ويكرر السابقة التاريخية لتلك التي بدأها الأسقف الراحل مار أندراوس أبونا.
سطرت هذه السطور القليلة لأجل الترحم على روح المرحوم الأسقف مار أندراوس أبونا وكذلك لأجل الصلاة لأجل الأب/الأسقف الفاضل حبيب النوفلي في أن يوفقه ربنا يسوع المسيح في خدمة كنيسته في البصرة. وحسناً فعل المجمع السنهادوسي الكلداني في إختياره لأبرشية البصرة آملاً أن تكون الرعاية الإلهية دوماً مع جميع رجال كنيستنا المشرقية بكل تفرعاتها.