القس يوسف آل قليتا..من رموز الحفاظ على لغتنا ونشرها
مطالبات بترسيخ مكانته العلمية والمعرفية والإشارة لجهوده المبذولة في حقل اللغة
عنكاوا كوم /الموصل/سامر الياس سعيدقال لي محدثي هلم بنا نتتبع آثار ذلك الشيخ المعروف بالقس يوسف آل قليتا فقمنا بجولة في مدينة الموصل نتتبع من خلالها خط سير هذا القس الوقور وهو ينحدر من بيته في منطقة باب البيض للوصول الى الدواسة فهنالك كنيسته التي احب ورعيته التي رعاها على مدى سنوات طويلة انتهاءا برغبتنا في إن نضع أكليل من الزهر على ضريحه فاصطدمت هذه الغاية بالكثير من المعوقات التي سنأتي على ذكرها لاحقا ..
وهكذا كانت تلك الجولة التي اختفت منها تماما ملامح البصمات التي تركها القس قليتا رغم ان اسمه تكلل من خلال الكثير من الجهود التي بذلها في سبيل الحفاظ على الجواهر من الكتب التي تلالات بحروف من أحرف اللغة السريانية دون ان تبرز في الجانب الاخر اية بصمات يمكن ان تعيد للأذهان ما كان يبذله قليتا في سبيل هذا الامر الذي استدعى منه ان يجاهد في سبيل استقدام مطبعة ليمارس عليها ما كان يطمح اليه في سبيل إعلاء شان اللغة ..ورغم توالي الازمان خصوصا على وفاته التي حدثت قبل اكثر ما يزيد عن ستون عاما وبالتحديد في 24 شباط من العام1952 الا ان الشماس
الفاضل بهنام حبابة وحينما يمر ذكر الاب يوسف قليتا في اغلب الأحاديث التي تجمعني وإياه أجده وهو يعود الى ما قبل هذا العام الذي شهد رحيل القس قليتا ليستذكره وهو يجوب شوارع منطقة الدواسة في أولى بداياتها مرتديا معطفا طويلا ويتميز بلحيته البيضاء التي تنحدر لتنسدل على هذا المعطف الأسود ..ومن ابرز ما يقال في حق القس يوسف قليتا ما دبجه يراع الاب بولس بهنام (المطران)حينما كان يصدر مجلته التي تحمل اسم (لسان المشرق ) ففي العدد الذي صدر من المجلة والخاص بشهري كانون الثاني وشباط من العام 1952 وتحت عنوان وفاة قسيس فاضل كتب الاب بهنام :في يوم
الاحد المصادف24 شباط الماضي لاقى ربه الاب الفاضل والرجل العامل يوسف قليتا رئيس الطائفة الاثورية في الموصل عن ثمانين عاما قضاها بالعمل المضني والجهد المتواصل وبناء على جهوده المشكورة في حقل اللغة الارامية السريانية وقياما بالواجب نحو هذا الرجل العامل نطلع قراءنا الاعزاء على شيء من تاريخ حياته المليء بالعمل والنشاط ..
ويورد الكاتب في مجلة لسان المشرق سيرة شخصية للأب يوسف قليتا يذكر فيها بانه من مواليد العام 1872 واسم ابيه هو ايليا ال قليتا ويضيف الكاتب بان القس قليتا احب لغته منذ نعومة أظافره فدرسها على يد أساتذة يجيدونها ونال منها حظا وافيا ويضيف بان القس قليتا درس ايضا الانكليزية فأجادها اما عن سيرته الدينية فيذكر الكاتب في سياق المقالة التي تناولت حياة الاب يوسف قليتا بأنه رسم شماسا سنة 1894 بوضع يد مطران رستاق شمسدين حنان يشوع ومنذ ذلك التاريخ بدا ولع الاب قليتا بالعمل المتواصل في طبع الكتب السريانية ونشرها وكان يجيد الإنشاء السرياني
البليغ..
وفي سنة 1917 نال الشماس قليتا تفويضا عاما من لدن الجاثليق مار بينامين لطبع الكتب السريانية وتصحيحها وقد أثنى الجاثليق المذكور على عمل القس قليتا بالنسبة لهذا العمل ومما قاله في التفويض الممنوح والمؤرخ في 16 تموز سنة 1917:
( بناءا على همة ولدنا الشماس يوسف ال قليتا مار بهيشوع الذي يحوز غيرة كاملة بالاعمال الصالحة وهمة ونشاطا في التقوى ومخافة الله واطلاعا كافيا وأمانة بالعلوم الكنسية واللغوية منحناه تفويضا عاما لتصحيح كتبنا السريانية وطبعها ونشرها )..
ومنذ ذلك الحين حاز قليتا على مطبعة جهزها بالاحرف السريانية في اروميا وانبرى بتصحيح الكتب ونشرها .. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى التي انتهت في العام 1918 نزح مع زهاء الخمسين الفا من ابناء الطائفة الاثورية من أورميا وساماس وحطوا رحالهم في بعقوبة ..وفي مقدمة كتاب اللؤلؤة للصوباوي الذي طبعه القس يوسف قليتا كتب الأخير عن قسوة ذلك الامر مشيرا بانه ترك في اورمي اكثر من الف مجلد أربعمائة منها قديمة جدا وكانت هنالك 14 مخطوطة مكتوبة على جلد غزال وتتراوح قدمية تلك الأسفار بين 200سنة الى الالف قبل زمننا وقد تلفت كلها في الحرب العالمية
الأولى .. اما في استقرارهم في منطقة بعقوبة فقد مكثوا فيها لمدة سنتين اما قليتا فهبط الى بلاد الهند ونال هناك مساعدات كثيرة من أخوانه هناك من اجل إنشاء مطبعة جديدة في الموصل وواصل قليتا نزوحه حتى استقراره في الموصل حيث وصلها برفقة 30 الف وكان ذلك في العام 1920 حيث انتشروا في مركز المدينة وخصوصا في منطقة الدواسة وما جاور مدينة الموصل من مناطق جبلية شمالية وعاد قليتا الى الموصل سنة 1921 عائدا من الهند بعد ان توفق في جمع مبلغ لإنشاء المطبعة التي كان يمني النفس بانشاءها للحفاظ على جواهر اللغة السريانية حيث جهز المطبعة بأحرف هذه
اللغة وباشر بطبع الكتب ونشرها ولابد من الإشارة الى الكتب التي قام القس يوسف قليتا بنشرها في ارومية وهي كتاب (اللؤلؤة) وهو من تأليف عبد يشوع الطوباوي حيث نشره في العام 1908 كما قام بنشر ( الكتاب المقدس) بحسب الترجمة البسيطة (فشيطتا ) ونشر الكتاب في ارومية سنة 1910 كما نشر كتاب (المجمع المختصر لقوانين السنادوست) للصوباوي سنة 1917 وكتاب الفردوس(فرديسادعذين) للصوباوي سنة 1918 اما في الموصل فقام بإعادة طبع كتاب (اللؤلؤة) سنة 1924 ونشر معه مقالة المؤلفين السريان واسماء المؤلفين للصوباوي واسماء جثالقة المشرق كما اعاد طبع كتاب الفردوس للصوباوي
وكان ذلك في سنة 1928.
وفي سنة 1927 زار الموصل المطران مار طيمثاوس مطران ملبار الهند الاثوري لأمور كنسية فرسم الشماس يوسف قليتا كاهنا في الموصل في يوم 14 ايلول حيث تزامن ذلك مع الاحتفال بعيد الصليب وفوض المطران مار طيمثاوس للقس قليتا إدارة طائفة الاثوريين في الموصل وأطرافها فبذل القس يوسف قليتا كل جهد في هذا السبيل وانشأ مدرسة أهلية لبني قومه أدارها بنفسه عدة سنوات وتخرج منها كثيرون من المتعلمين ..كما ذكرت في بداية الموضوع فان كل بصمات القس يوسف قليتا تبدو غائبة عن المدينة التي شهدت جهوده المتميزة لاسيما في نشر الكتب وطبعها حفاظا على لآلي لغتها
السريانية بالإضافة الى رحيل الكثير ممن يدينون لقليتا بالفضل في تعليمهم شتى العلوم والمعارف في المدرسة التي كان يديرها فعلى سبيل المثال قمت بزيارة لموقع مسكنه في محلة باب البيض فبدا مسكنه مغايرا بسبب حلول عائلة فيه ولم يحتفظ بالكثير من المقومات التي كان عليها ذلك المنزل لاسيما تصدره لموقع متميز في تلك المنطقة من الجانب الأيمن من المدينة وهذا فيما يختص بمسكنه الدنيوي فرغبت بان ازور قبره فكان ذلك امرا صعب المنال فالكل يعلم بان قبره مجاور لقبر القنصل البريطاني مونك الذي قضى على يد منتفضين موصليين في مركز مدينة الموصل وسميت تلك
المقبرة بمقبرة الانكليز حيث تبدو التسمية شائعة لدى الموصليين القدماء الا انها اليوم تحولت الى ثكنة تستقر فيها احد أفواج طواري الشرطة لذلك فأمر زيارتها يستحيل الا باستحصال موافقات تصدر من قيادة الشرطة في المدينة وغالبا ما تأتي تلك الأوامر بالرفض نظرا لأوضاع المدينة التي لاتخفى على احد لذلك سأختتم مقالتي بالمطالبة بإعادة الاعتبار لهذه الشخصية المتميزة التي لم تلقى أية إشارة للجهود التي قدمتها فحاول كثيرون طمسها والمطلوب ان نعيد الاعتبار من خلال إبراز تلك الجهود بإقامة متحف يحمل اسم هذه الشخصية اللغوية على ان تكون مدينة
الموصل حاضنة لهذا المتحف الذي يحتضن مقتنياته وكتبه وكل ما تعلق بآثاره التي تركها شعلة تنبض بالإشارة الى لآلي لغتنا الأصيلة ..