حاضر العرب بين البداوة والدين


المحرر موضوع: حاضر العرب بين البداوة والدين  (زيارة 10584 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Thair Al Bayati

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 9
    • مشاهدة الملف الشخصي
حاضر العرب بين البداوة والدين
ثائر البياتي
الولايات المتحدة الأمريكية
كاليفورنيا
January - 2014

المقدمة
   لم يكن أرتباط العرب بالبداوة والدين الإسلامي صدفة عبثية، فالدين الإسلامي ولد من رحم البداوة العربية، وللبداوة تأثير بارز في مختلف نواحي حياة العرب قبل وبعد الإسلام، وغريبٌ أن يرى البعض ان الدين الإسلامي جاء لأصلاح الحياة البدوية وتقويمها، لأن تأثيرالبداوة كان عميقاً واصيلاً في سلوك العربي، ولهذا فكثير من تعاليم الدين سعت سعياً حثيثاً لصيانة وترسيخ قيم البداوة والقبلية التي رَوَضت تعاليم الدين، فترسخت وتصلبت تلك القيم بقوالب دينية مقدسة وثابتة يصعب المساس بها، فكان أن أثقلَت وأتعَبت المجتمعات العربية الإسلامية وأعاقت لحاقها  بركب الحضارة  في كل زمان  ومكان.  لِذا إستمر المجتمع العربي في تراجعه وتخلفه في مختلف  مجالات  الحياة،  ليصل الى ما نحن عليه اليوم  من  تردي  وأنحطاط.

   بداية، أتمنى الاّ يـُساء  فهمي  عند البعض في طرح هذا الموضوع، فليس قصدي الإساءة الى الدين كمعتقدات روحية وتهذيبية، بقدر محاولة تأكيدي على أن النصوص الدينية تعيق حركة أي مُجتمع في التقدم والتطور اذا  ما تداخلت وتقاطعت مع تفاصيل حياة الإنسان الشخصية واليومية وقيدتها بالنصوص “المُقدسة” الثابتة التي لا تُطاوع بديهية وحتمية التغيير الذي يفرضهُ الزمن والمتغيرات.
   
   كما   أود  أن أبين ان مفهوم “المجتمع الجاهلي” أينما يـَرِد في هذا المقال، سيكون المقصود منه المجتمع الذي سبق عصر الإسلام، وليس المجتمع الجاهلي الذي هو الضد للمعرفة، إذ ان عصر الإسلام هو أمتداد طبيعي للعصر  الجاهلي في القصور  المعرفي  والفلسفي مقارنة بحضارات  سابقة  ولاحقة.

   لمناقشة هذا الموضوع لابد لنا من عرض -ولو بشكل مقتضب- بعض الجوانب المتعلقة بالإقتصاد والثقافة والسياسة والإجتماع عند القبائل العربية المُهيمنة في الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام.  ولا بد من الوقوف عند بعض ما جاء به الإسلام من آيات ونصوص تناسبت وتلائمت مع عقلية ومفاهيم وحياة تلك القبائل، فتمكنت بالتالي من توحيدهم في قوة لا يستهان بها كَوَنَت منهم لاحقاً إمبراطورية مترامية الأطراف دامت لقرون طويلة، لكنها تدهورت وأنحلت ، تاركة ورائها أشلاء مجتمعات متخلفة صَعُبَ عليها مواكبة التطور  والتقدم.

حياة القبائل العربية قبل الإسلام
   لم تستمر الحضارة والمدنية في تاريخ العرب في الجزيرة العربية الا لوقت قصير، وفي أماكن محددة، حيث بقيت أوضاعهم الإقتصادية بدائية وحياتهم الإجتماعية بسيطة لآلآف السنين. ان حياة الترحال في الصحراء طلبا ً للماء والعشب لم تساعدهم على الإستقرار،  وخبراتهم لم تتراكم  ومعارفهم لم تتطور أو تزدهر، فلم يتمكنوا من إنشاء حضارة  تـُذكـَر، حيث لا مبان ٍ بـُنيت  ولا مدن  شـُيدت يـُذ ّكـِرنا التاريخ بها، وقليل  من القبائل العربية ركنت الى حياة  الإستقرار  النسبي في أماكن معينة معتمدة على التجارة والحرف الصناعية، كما كان الحال في  الحجاز واليمن. 

   كانت القبيلة عند العرب هي الوحدة السياسية الأساسية، يديرها رئيس القبيلة، يربط بين أفرادها برباط العصبية القبلية بحسب مبدأ: “أنصر اخاك ظالما أو مظلوما”، الذي جعل الخصومات والقتل والثأر من خصالهم، فأصبحت العادات السيئة كالغزو والغدر والنهب و السلب من صفاتهم ومن شيم الرجولة ورمز من رموز الفحولة.  وإلى جانب هذه  العادات السيئة كانت لهم  عادات حميدة كالكرم والسخاء وإيواء الغريب وحماية من يلتجأ لهم طالباً الأمان. وَتـَمـَيـَز َالعربي بحبهِ لذاته، فـَرَفعَ من شان قبيلته عالياً، وفضلهما على الآخرين، كما ورد  على  لسان  شعرائهم،  تحت مؤثرات الحياة  الصحراوية القاسية، التي برهنت قوتها وتغلبها على الكثيرمن التعاليم الدينية السمحة، فهي بذلك لم تـُمـَيز بين شاعر مسيحي أو وثني، لا بل كانت العادات القبلية أقوى من نواهي الدين أحياناً، ولنقرأ عن بعض شعراء العرب المسيحيين تحديداً، كأمريء القيس وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد وعمرو بن كلثوم:

امرؤ القيس في الثأر
   قيل ان أباه طرده لأسرافهِ في شرب الخمر، فهام في البراري وحيداً، يتصيد الحيوانات، يأكل من لحمها ويشرب الخمر، حتى أتاه خبر مقتل أبيه وهو يشرب، فشرب كثيرا ً في ذلك اليوم وبعد ان صحا، أقسم ان يمتنع عن الصيد وشرب الخمر لحين يثأر لأبيه، وقال قولته المشهورة
ضيعني صغيراً وحمـَّلني دمه كبيراً، لأصحو اليوم ولا أسكر غداً، اليوم خمرٌ وغدا ً أمرُ
ويكاد لا يخلو ديوان أي شاعر عربي من قصائده في الفخر والأعتزار بالقبيلة والنفس
طرفة بن العبد
اذا القومُ قالوا مـَن ْ فتى ً؟ ….. خـِلتُ أنني عـُنيت ُ فـَلم ْ أكسل ْ ولم أتلبدِ
عنترة بن شداد
وفي الحربِ العوانِ ولدت ُ طفلا ً ….. ومن ْ لينِ المعامعُ قد سُقيتُ

عمرو بن كلثوم
اذا بلغ َالفطامُ لنا صبيـــــــــا ….. تَـخرُ له ُ الجبابرة ُ ساجدينا
ونشربُ ان وَرَدنا الماءَ صَفواً ….. ويشربُ غيرنا كَدراً وطينا

   ولم يتساءل الشاعر، ماذا  كان يخسر لو شرب غيره الماء الصافي أيضا؟ أو لم يـَمتـَثل الى أقوال نبيه، في التواضع والتسامح، حاله كحال الشعراء المسيحين الآخرين، فالنعرة القبلية كانت أقوى وأصلب من التسامح الديني الذي كان يفترض ان يكون مؤثراً في قصائدهم.

   ولم تتغير الحالة كثيراً في العصر الإسلامي، اذ بقي الإعتزاز بالنفس والقبيلة فوق كل إعتبار، فلنقرأ بعض من أبيات الشعر في الفخر من قصيدة لأبي العلاء المعري في العصر العباسي:   

تعدُ ذنـــوبي عندَ قــوم ٍ كثيــــــــرة ٌ….. ولا ذنبَ ليَّ الا العلا والفضائـــــــلُ
وقد سارَ ذكري في البلادِ فـَمنْ لهمْ ….. بإخفاءِ شمسٍ ضـَوءها متكامـــلُ
وأنـي وإن كنت ُ الأخيــرَ زمانــــــهُ…..  لآتٍ بما لمْ تستطعهُ الأوائـــــــــلُ

   فلا غرابة ان ينتقل الأرث البدوي الثقيل في التفاخر وتوهج الذات عند العرب من جيل الى جيل، فكأنه إستقر في صميم أعماقهم، فالأنا الجاهلية لم تتحضر، بقيت طاغية في نفسية العربي، وسمة المغالاة بعزة النفس والقبيلة أستمرت  وأصبحت من الصفات المحببة له، ولنا  في قصة الخليفة المعتصم  بالله في فتح مدينة عمورية  مثالا ً على  ذلك:

   يفتخر كثير من العرب المسلمين بقصة الخليفة المعتصم بالله، في فتح مدينة عمورية، أحدى معاقل الرومان، في  اواسط  أسيا.  فبحسب الرواية،  أستجاب  الخليفة  لسماعه  قصة إستغاثة  أمرأة عربية مسلمة قيل َ  أنها صرخت بأعلى صوتها، “وامعتصماه” على أثر ضرر لحق بها من قبل الأعداء عندما وقعت في أسرهم في عمورية. فناداها الخليفة من سامراء وهو على بعد الآف الأميال بأستجابته المشهورة، لبيك أيتها العربية المسلمة. ولتحقيق وعده، حـَشـَّد َ جيشا ً جراراً ليضرب حصاراً شديداً على عمورية ويحتلها بعد قتال عنيف، لتصبح قصة إحتلالها مفخرة ومضربا للأمثال عند العرب. وفي هذه المناسبة أنقل بعض من أبيات من قصيدة لأبي  تمام،  من  أصل مسيحي أيضا ً، عنوانها ،  يوم الفتح العظيم، يفتخر فيها بمعركة عمورية :
 
السيفُ أصدقُ أنباء ً من الكـتــبِ ….. في حَدِه الحدَ بينَ الجدَ واللـــــعبِ
يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّوريَّةَ انْصَرَفَـــتْ ….. مِنْكَ المُنَى حُفَّلاً مَعْسُولَةَ الحَلَـبِ
تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللهِ مُنْتَقِـــــــــــــم ….. للهِ مُرْتَقِبٍ فِي اللهِ مُرْتَـغِـــــــــــــبِ
خَلِيفَةَ اللَّهِ جازَى اللَّهُ سَعْيَكَ ….. عَـن جُرْثُومَةِ الديْنِ والإِسْلاَمِ والحَسَــبِ
تـُمثل قصة عمورية وإفتخار العرب بفتح حـُصـِنها  مثالاً في التعصب، يجسد فيها العرب وخليفة المسلمين حرفيا ً المبدأ السابق ذكره:  “أنصر أخاك  ظالما  أو مظلوماً "


المرأة والزواج في الجاهلية 
   لم يُحدد المجتمع الجاهلي عدد الزوجات، وزيدت عدد أنواع الزيجات على عشرة، وكان يجوز الجمع بين الأختين، ويحق للأبن ان يتزوج بزوجة أبيه في حالة وفاة الأب، وأنحصر الطلاق بيد الرجل، وكذلك كان الأرث حكرا عليه.  رغم ان المرأة كانت مهانة وتعتبر عاراً عند بعض القبائل العربية، الا انها حظت بمكانة لا بأس فيها في قبائل أخرى، وشاركت ولو بشكل محدود في السياسة والتجارة والحروب، فمثلا ً كانت زرقاء اليمامة، فارطة الذكاء، حادة البصرومستشارة قومها، والشاعرة بـَسوس التي سُميت حرب البسوس بإسمها، وأشتهرت هند زوجة أبي سفيان وأم معاوية بسداد رأيها واهمية موقعها قبل الإسلام وبعده، وَعـُرِفتْ عائشة بنت أبو بكر الصديق وزوجة الرسول محمد بقيادتها لمعركة الجمل، وحـِفظها وروايتها لأحاديث كثيرة عن الرسول، وكانت خديجة بنت خويلد تاجرة عمل الرسول محمد في تجارتها وأصبحت زوجته ومن أولى المسلمات، وهناك شاعرات عربيات مرموقات كالخنساء شاعرة جاهلية عاصرت الإسلام وإشتهرت برثاء أخويها اللذين قُـتـِلا في الحرب، وأم الأغر وأم الصريح وأم الضحاك والخرنق، أخت طرفة بن العبد وأخريات
والمرأة عموماً في وقت مجيء الإسلام كانت تصنف من الدرجة الأدنى في مختلف مناطق العالم كالهند والصين وبلاد فارس واليونان والرومان، وفي حال زواجها تنتقل جميع ملكياتها الى زوجها ليصبح هو الآمر الناهي صاحب الحق والتصرف بها، ولا زالت الى يومنا هذا تسري بعض الممارسات الرومانية في كثير من دول الغرب وأميركا، فالمراة بعد زواجها تكتسب لقب زوجها، بتغـيير أسم عائلتها إلى إسم عائلة زوجها، وفي بعض قبائل الهند كانت المرأة تُحرق وهي حية مع جثة زوجها بعد مماته، وفي الصين وبلاد فارس كانت المرأة تـُعـَد بحساب المواشي لغرض خدمة الحقول والمزارع

الدين في الجزيرة العربية قبل الإسلام
   كانت الوثنية قبل مجيء الإسلام هي الدين السائد في الجزيرة العربية، وهو الشرك بالله وإتخاذ الأوثان وسيطاً للتقرب إلى الآلهة، فـَعـُرِفت القبائل بأصنامها المختلفة، كاللات والعزى وهبل ومنات الثالثة وغيرها، وفاق عددها على ثلاثة مئة صنماً، والى جانب الوثنية وُجـِدت اليهودية في يثرب وخيبر واليمن وفي مناطق أخرى، وإنتشرت المسيحية مبكراَ في اليمن والحبشة وبين القبائل العربية كتميم وطي وبني كلب وربيعة وغيرها وكانوا على قسمين: النسطورية واليعقوبية، وبتوسع وإنتشار الإسلام أنقرضت الوثنية وبدأت الأديان الأخرى تنحسر في الجزيرة العربية حيث قال الرسول محمد: لا يجتمع في الجزيرة دينان.

الدين الإسلامي سبب المزيد من الحروب
   رغم ان الإسلام خفف عند مجيئه من حالة الأقتـتـال الدائر بين القبائل العربية، الا انه لم يوقف عادة القتال المتجذرة في حياة العربي، بل زاد من حدتها وجبروتها، فالرسول بمجيئه جمع شمل العرب بقوله: "وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم اذ كنتم اعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا". فتوحد العرب بشهادة: “لا إله الا الله، محمد رسول الله”، وتحت راية “الله أكبر” والقتال في سبيله
    وهكذا كَونوا قوة كبيرة وهجموا على أغنى وأكبر الأمبراطوريات، فدحروا أمماً كان لها شأنٌ قوي ومكانة مرموقة كالروم والفرس واحتلوا أجزاء مهمة منهما كالشام والعراق وفارس وشمال أفريقيا، وأمتدوا في فتوحاتهم ليصلوا الى بقاع الصين والهند وعبروا البحر ليصلوا الى إسبانيا ومشارف أوربا، فـَحـَلت الفتوحات الإسلامية الواسعة محل الغزوات القبلية المحلية، جالبة معها غنائم أكثرمن أموال وكنوز ومواشي ونساء، فناصَرَ العرب دينهم الجديد الذي بفضله أنتعشت حياتهم الإقتصادية ووُعِدوا بجنة ونعيم وحياة خالدة  بعد مماتهم وللشهداء منهم أرقى درجات الجنة، فتمكن العرب من إنشاء أمبراطورية واسعة الأطراف، لم يكونوا يحلمون بها من دون الدين الإسلامي.

البداوة العربية تروض تعاليم الدين ونصوصه
   ولكي نكون موضوعيين ولغرض توخي الدقة، نلاحظ ان الدين الإسلامي حاول من خلال بعض فرائضه وأحكام شريعته معالجة بعض الممارسات والأمور السيئة التي كانت سائدة في المجتمع العربي، كالإقتتال والخصومات بين القبائل العربية، والعصبية القبلية والثأر وحب الذات وسوء معاملة المرأة ونظام الزواج وبؤس الحكم القبلي وأستبداده وما شابه، ولكن في كثير من نصوصه إلتزم وعَمـقَ الكثير من الممارسات البدوية، ومنذ البدء روضت البداوة مختلف أحكام الدين، لتصبح تكريسا ً للعادات البدوية والقبلية التي سادت قبل ظهور الإسلام، ولنأخذ  بعضاً منها: 

تحول الغزو والقتل والسلب والنهب إلى مشروع إسلامي مبارك
   أصبح الغزو والقتل والسلب والنهب البدوي بفضل الإسلام مشروعاً إسلامياً مباركاً، فالدين الإسلامي منذ مجيئه شـَرَّعَ بآياته نظاماً لتوزيع غنائم الغزوات، وبذلك أصبح لله ولرسوله حق شرعي في عائدات غنائم الحروب من أموال ٍومواشي ونساء، كما  في قوله في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَإبنِ السَّبِيلِ.. . وبذلك أستبشر العرب بالإسلام واستبسلوا في الجهاد في سبيله.

أستمرار وتكريس  قتل النفس البشرية بمختلف  العصور  الإسلامية
   نـَـصَت آيات القرآن على تحريم قتل النفس البشرية، ولكن في واقع الحال أستمر القتال في مختلف عصور الإسلام  كما كان في العصر الجاهلي، ولكن بتخريجات شرعية وبحسب نصوص الدين، كما في قوله في سورة الأنعام:  “ولا تقتلوا النفس التي حَرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"، ولكن يا ترى ما هو معيار الحق عند العربي؟ فالعرب تغنوا بسفك الدماء وقتل بعضهم البعض لأتفه الأسباب، وفي توضيح مفهوم الحق في القتل وردت حالة القصاص كما في قوله في سورة المائدة: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”. والآية مطابقة مع المبدأ اليهودي الذي ورد  في التوراة  بألفِ عام قبل مجيء الإسلام والذي ورد في قوانين حمورابي الذي هو الآخر سبق كتابة التوراة  بأكثر من ألفِ عام.

   غاب عن فكر كثير من الناس ان مفهوم الحق نسبي، يـَسهل على الفكر القبلي  تطويعه، فكل قبيلة متعصبة لابد ان تقتنع ان الحق بجانبها في كل خصام، فما  كان حقاً عند أمير المؤمنين الإمام علي أبن أبي طالب، كان باطلاً عند خليفة المسلمين يومذاك معاوية بن ابي سفيان، فتقاتل الإثنان وما كان حقاً عند بني أمية كان باطلاً عند بني هاشم أو بني العباس، فإستمر خصامهم. وما كان حقاً عند الأمين كان باطلاً عند أخيه المأمون، فتقاتل الأخوان إلى أن تم تصفية الأمين جسدياً. وهكذا أختلفت وتناحرت الطوائف الإسلامية بدعوتها الى الحق وأستمرت حروبهم بأسم الدين والله، ويكفي ان نعرف ان ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة قـُتـِلوا غدراً، وقُـتِـلَ  أسباط  الرسول   وأولاد  الخلفاء  الراشدين  وَمُـثـِل  بأجساد  بعضهم أبشع تمثيل.

وفي حكم “المرتد عن الدين” أقَـرَ كثير من علماء المسلمين قتل المرتد رغم وجود آيات كثيرة تخالف حكمهم، وتؤكد على حرية المـُعـتَـقـد، كما جاء في قوله في سورة البقرة: "لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وفي سورة الغاشية: "وَذكرْ إنما أنتَ مـُذكرْ، وَلستَ عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ان علينا إيابهم ثم ان علينا حسابهم" ولكن كالعادة تفسيرات كثيرة من فقهاء المسلمين تميل لحكم القتل، ما يتفق مع الأستبداد البدوي  وموروثُ  سفك  الدماء.


البداوة تُحاصر المرأة بإسم الدين  
   تمكنت القبلية العربية من فرض حِصارها على المرأة بأسم الدين وتعاليمه لتجعلها أكثر تخلفا مما كانت عليه في عصور سابقة للإسلام، فرغم ان الإسلام   حرر المرأة نسبياً من بعض قيودها وأعطاها قسماً من حقوقها   كما في حالة الزواج (يحق لها رفض الزواج شرعا )، والإرث ( لها بعض الحق)، والشهادة  (نصف شاهد) في القضاء، والتملك (لها حق التملك)، والعمل وغير ذلك، بما يرفع من مكانتها وقدرها نسبة لما كان سائداً وسابقاً لذلك العصر، ولكن أختلف الأمر  بمرور  الزمن عندما  فرضت القبلية سلطانها على المرأة  بأسم الدين، لتبقى في سابق عهدها في الظلم والإستهانة، يتحكم الرجل في مصيرها، يحجبها عن المجتمع والتطور. وعلى أي حال فتخلف المرأة يعكس تخلف المجتمع عموماً، ولنتمعن في قول الشاعر حافظ أبراهيم في قصيدتة المشهورة عن المرأة، نذكر بعض أبياتها:

الأم مدرسة اذا أعددتهـــــا ….. أعددتَ شعباً طيب الأعــراقِ
الأم أستاذ الأساتذة الألــــى ….. شغلت مآثرهم مدى الآفـــــاقِ
في دورهن شؤونهن كثيرة ….. كشؤون رب السيف والمزراقِ
من ليّ بتربية النساء فأنها ….. في الشرق علــة ذلك الأخفاقِ

   فالشاعر يؤكد ويطابق في قصيدته الرائعة رأي الفيلسوف الأندلسي الكبير إبن رشد عندما أكد قبل تسعة قرون أن عـِلة تخلف المجتمعات العربية هو أستهانة رجالها بنسائها والحط من قيمتهن وتصغير دورهن الكبير في المجتمع!. فما بالنا  اليوم  في تخلف المرأة العربية ، عندما لم نعد نسمع من خِلالهِ عن المراة العربية التاجرة أو الشاعرة أو المستشارة أو القائدة، لا بل نسمع ان المرأة تُعاقَب اذا قادت سيارة، ولكن يسكت عرب اليوم عنها اذا إمتطت حماراً او بعيراً!، وتُحاسَب ان ظهرت بلا حجاب أو سافرت من دون ان يرافقها مـَحرَم.
أستمرار أنواع مختلفة من الزيجات تحت غطاء الدين والشرعية
   أستمرت أنواع مختلفة من الزيجات والنِكاح والممارسات الجنسية غير الشرعية في العهود  الإسلامية كما كانت في العصر الجاهلي، ولكن بتخريجات شرعية وأغطية دينية.  فرغم ان الدين الإسلامي وضع كثيراً من التحديدات والضوابط للزواج غير ان سهولة تأويل وتفسير آيات القرآن وتطويعها  للإرادة  البدوية كان سهلاً، ما ساعد على أستمرار الكثير من الممارسات الجنسية باسم الدين والله. فالدين الإسلامي خَـصَ موضوع  الزواج بآياته  وَنـظـمه  بإحكام  شريعته ، فحَدد عدد الزوجات بأربعة على أن يتوفر العدل،  وهذا أمرٌ مستحيل، وأبقى الباب مفتوحا للإكثار من الزوجات، فهناك نساء اليمين ولا حدود للزواج منهن، فهن أسيرات حروب وغزوات، وما أكثر الغزوات، يتزوج المسلم منهن ما يشاء ولكن بشكل شرعي، وفي واقع الحال أستمرت بعض من أنواع الزيجات في العصور  القديمة الى يومنا وبصيغ شرعية، كزواج المتعة، وهو زواج مؤقت يمارسه الشيعة كما في العراق وأيران، يقابله زواج المسيار للسنة كما في السعودية، ويُسمى بزواج المنار في مصر، وهناك زواج السفر، لحل إشكالية وجوب توفر مـَحرم مرافق للفتاة عند سفرها لفترة الدراسة أو ما شابه، وهناك زواج السياحة والأستجمام، وَشُـرِعت أنواع أخرى من التمتع بالنساء في قصور أمراء المؤمنين التي كانت تغص بالجاريات والغانيات والمسبيات.

القبيلة تسيطر على حكم المسلمين بأسم الدين 
   أثبتت القبلية سطوتها  وقوتها  في تسييس الدين وتوسيع  تعاليمه بما يحقق سيطرتها  على الدولة ونظام  الحكم. جاء الإسلام بنظام الشورى في الحكم بحسب سورة الشورة: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" وبحسب آيات آخرى بنفس المعنى تـَوَجـّب َ ضرورة التشاور والتباحث في الحكم بأمور المجتمع العامة غير المنصوص عليها بوضوح في الآيات القرآنية، فجرى العمل بالشورى في السنوات الأولى من حكم الخلفاء الراشدين الأربعة بعد وفاة الرسول، مع وجود بعض الخلافات، ولكن تمكنت القبلية من السيطرة على الحكم بإسم الدين حال تأسيس الدولة الأموية، وبتدبير من معاوية بن أبي سفيان، والي الشام وخليفة المسلمين، فأبوه كان من أسياد قبائل قريش وأشراف العرب في الجاهلية، ما  جعله يرى الحق مع قبيلته في حكم العرب والمسلمين، ومنذ ذلك الحين أصبحت الخلافة الإسلامية وراثية أو ملكية رغم عدم إستعمال إسم “الملك”، فتعاقب على الحكم  أولاد  وأحفاد  معاوية،  وفي طيلة  فترة حكمهم الذي دام أكثر من تسعين عاماً، لم يتوقف الصراع القبلي  والعائلي بينهم وبين العباسيين والعلويين فكان النصر لاحقاً للعباسيين وأنتقلت الخلافة الوراثية لبني العباس التي إستمرت أكثر من خمسة قرون.  وطيلة فترة حكمهم لم يخف الصراع العائلي بينهم وبين العلويين، ونتج عن ذلك تأسيس الدولة الفاطمية وبعدها الدولة العثمانية على نهج سابقيها في الحكم العائلي المستبد. وفي كل عهد مارست القبلية شتى الوسائل في أستخدام الدين ومعتقدات الناس لديمومة سيطرتها، فمثلاً روج أتباع الأمويين ان تولي أسيادهم للحكم جاء وفقاً لقضاء الله وقدره المحتوم وعملاً بحكم سورة النساء: "يا ايها الناس أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وهكذا أستمر الإستبداد القبلي في حكم المسلمين بإسم الدين وتحت شعائره.  وعِبرَ التاريخ كان من السهل على بعض القادة الأجانب المحتلين للبلاد الإسلامية فهم لعبة الدين، فأعلنوا  إسلامهم، فذلك  سَهَـلَ عملية حكمهم  وفرض سيطرتهم، كما حدث مع الغزات المغول والحملة الفرنسية لأحتلال مصر، فهولاكو وتيمورلنك  ونابليون  بونابرت جميعهم أعلنوا إسلامهم ليتسنى  لهم  حكم  دولة المسلمين.

تـفاخرْ العرب غير المشروع
   أراد الإسلام ان يخفف من درجة التفاخر بالذات والنسب والقبيلة، الذي تَمَيـزَ به العرب، فجاءت آيات قرآنية تُماشي عقليتهم بهدف تغييرهم  وتخفيف حدة  تفاخرهم، ولكن لنراقب ماذا حدث:
فبحسب سورة آل عمران: "وكنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...الى أخره" إن العرب لا يكونون خير أمة من دون ان يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، غير ان العرب جعلوا الشطر الأول من الآية أساسياً،  والشطر  الثاني قابلاً للنقاش والتأويل!، فلم يُـطبَقْ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما ينبغي، إذ استثنى من ذلك جميع أمراء المؤمنين وأولادهم في مختلف عهود الحكم، فبأستبدادهم كانوا فوق التعاليم الدينية، وعلى أي حال، فالمعروف والمنكر مفهومان نسبيان، كمفهومي الحق والباطل، يتغيران بحسب تغير الزمان والمكان وبحسب قناعات الناس وتسلطهم، فقد يكون الأمر بالمعروف عند بعض الناس منكراً، والعكس صحيح، فإختلفت طوائف كثيرة حول هذه المفاهيم، لغياب المقاييس والمعايير في تحديد المعنى الدقيق، وفي جميع الحالات إعتقد الناس على أختلاف مواقفهم وأرائهم، أنهم خير الناس وأفضلهم بما نصت عليه الآية في شطرها  الأول،  ما يتوافق مع أعتزازهم  بموروثهم  القبلي وما خـَلـّفـَه تاريخهم  الطويل من تفاخر.
   تركت الفتوحات والغزوات الإسلامية أثراً كبيراً في نفوس العرب، اذ أنها رفعت من كبريائهم، فبعد ان كانوا بدواً رعاة، أصبحوا أسياداَ مالكين تأتمر بأمرهم الدول والأمم الأخرى، فزاد شعورهم بإنهم أفضل الأمم وخيرها، فأحاطوا ماضيهم القديم بهالة من التقديس والتبجيل، جعلهم يعيشون حاضرهم البائس وهم  يحلمون في العودة  الى  ماضيهم المندثر، فنسوا مستقبلهم.
 
   ما زاد  من  التفاخر الفارغ  لكثير من العرب  تاريخهم الإسلامي المـُحـَرَّف الذي قـَدَّم في بعض من حقبه مساهمات حضارية للبشرية، خاصة في زمن الحضارة العباسية،  فـَكـُـتـب التاريخ العربي تجعل زوراً أسماء كثير من الباحثين والعلماء والمُفكرين المسلمين في خانة العرب، متناسين ان كثيراً من علماء وفلاسفة ذلك العصر كانوا من غير العرب!، فأغلبهم من السريان المسيحيين والصابئة المندائيين والفرس والهنود واقوام أخرى من الذين ساهموا مساهمة فعالة في أحياء الثقافات الفكرية القديمة كالهندية والفارسية والفلسفة الأغريقية في ترجماتهم المتنوعة الى اللغة العربية، بما وضع أساساً للحضارة العباسية، التي أعتبرها كثير من الأصوليين المسلمين تخريباً لمعتقداتهم الدينية، فطاردوا وقـَتـَلوا بسيوفهم الكثير من علماء وفلاسفة ذلك العصر، نذكر منهم الأديب والمترجم المصلح الأجتماعي الضليع بالثقافات الفارسية والهندية والعربية عبدالله بن المقفع، وشاعري الحكمة، بشار بن برد، وصالح بن عبد القدوس، والفيلسوف المتصوف حسين بن المنصور الحلاج الذي صُلب ومن ثم قـُطـِعت أطرافه وَحـُرقـت جثته، والفلاسفة يعقوب ابن اسجق الكندي، وحنين بن أسحاق، والبيروني وغيرهم، وفي الأندلس تم حرق كتب الفيلسوف الكبير بن رشد، وَفــُرضـَت عليه إقامة جبرية لحين وفاته، وهو الذي يدين له الغرب، فبحسب أعترافهم ان نهضتهم الحديثة بدأت من دراسة وفهم فلسفة أبن رشد، الذي أستمر تدريسه في معاهدهم وجامعاتهم لقرون عديدة.

   الغريب في الأمر، ان كثيراً من أئمة المسلمين أعتبروا حركة النقل والترجمة الواسعة التي قامت في العصر العباسي، خاصة في زمن الخليفة المأمون، والتي أدت الى مساهمات حضارية يفتخر المسلمون بها، أعتبروها مؤامرة خارجية وداخلية لإفساد عقول المسلمين، ينبغي التصدي لأثارها بكل حزم، وتنفيذاً لتلك الرغبات المريضة، أمر بعض خلفاء المسلمين كالمتوكل بالله وبدعم من علماء الدين بقتل وتشريد علماء قديرين، وحرق كتب ومترجمات ٍكثيرة، وأتـُهـِم المأمون بالتواطىء في المؤامرة وبذلك تم وأد تلك الحضارة الوليدة في مهدها، وتم غلق أبواب الفكر والبحث، بإعتبار الفلسفة والمنطق مادة حيرة وضياع، كما فهمها رجال الدين، معتبرين ذلك  أساس الكفر والتشكك بوجود الله، بحسب فتاوي كبار أئمتهم كالغزالي والشهرزوري وإبن تـَيمية،  وغيرهم من الذين حـَرَّموا تداول الفلسفة والمنطق من قبل الناس.

التقديس يحافظ على قـِدَم القيم والممارسات الموروثة
   ان التقديس الذي أضفي على كثير من الحقوق  والواجبات  والممارسات اليومية  التي  فرضها الدين الإسلامي على الفرد  العربي  حافظ على كثير من القيم  القديمة التي كانت  سائدة  قبل أربعة عشر قرنا.
لا ينكر - ولتوخي الدقة والموضوعية- ان بعضاً من تعاليم الدين الإسلامي في مجيئه كانت تغييراً إيجابياً متقدماً في حياة العرب والأمم المجاورة لهم، كما هي الحال في إعطاء المرأة بعض حقوقها، ولكن لا ينبغي الإنبهار بذلك التغيير، فالتقديس الذي أضفي على الحقوق والواجبات وكثير من الممارسات أصبح عائقاً ومانعاً أمام تطور المجتمع في مراحل لاحقة، فلا غرابة ان أغلب الأمم التي كانت اقل حضارة من المسلمين كدول أوربا وأسيا في زمن الحضارة العباسية، سبقت المسلمين في التطور والتقدم والأزدهار في القرون اللاحقة

تـَرَكَ الدين الإسلامي أثراً سياسيا سيئاً عند العرب بميلاده كدين ودولة في آن واحد 
   فمنذ الولادة  كان  الرسول، رجل دين ودولة في آن واحد، لِذا إعتبر القرآن دستوراً للمسلمين لما فيه من تدخل في تفاصيل حياة الناس الشخصية والعامة من زواج وطلاق وتقسيم أرث ودفع زكاة وخمس، ومشاركة في غنائم الحرب وكتابة عقود بيع وشراء بين الناس ونظام حكم وغير ذلك، جعل  خلفاء المسلمين  وأمرائهم  وسلاطينهم، ان يسلكوا سلوكاً  متشابهاً  لسلوك الرسول الذي أصبح قدوتهم، فكانوا خلفاءً له وأولياء الله في الأرض، وبتمثيلهم لمصالح  قبائلهم  تداخل الدين مع السياسة ومصالح القبيلة خاصة عندما أصبح كثير من رجال الدين أداةً بيد الخلفاء والحكام والمتنفذين، فساهموا بتعميق تسييس الدين وزيادة النعرات القبلية واستمرار صراعاتها الى يومنا هذا.

   وحين النظر لكثير من دول العالم التي لم تتدخل نصوص أديانها في تفاصيل حياة الناس الشخصية، نجدها تمكنت من أن تكون أكثر تقدما وأزدهاراً من سواها. فالنهضة الأوربية الحديثة بدأت في دول أوربا المسيحية، ومن ثم أنتقلت بيسر الى دول آسيوية كاليابان وكوريا والصين والهند، التي تدين بالديانات البوذية والهندوسية أو الكونفشية، فنصوص الديانة المسيحية، روحية تهذيبية لا تتدخل في تفاصيل حياة الناس وبعيدة عن السياسة. كذلك نصوص الديانات التي إنتشرت في دول أسيا هي الأخرى تهذيبية وأخلاقية تتضمن أحكاماً ومواعظ َ عامة لا تتدخل في مجريات حياة الناس اليومية، ولم نسمع عن نص من نصوص هذه الأديان وتعاليمها  حكم بالقتل على مُرتد عن دينه  كما  هو الحال في الدين الإسلامي.
    أود ان أبين ان مآساة القرون الوسطى في أوربا،  ما  تعرف  بالعصور المظلمة،  وما  تركته محاكم التفتيش  من  أثار سيئة  في نفوس الناس  ما كانت لتقع، لولا زج وتدخل الكنيسة في شؤون الناس السياسية، ولم يقع التغيير  والتقدم  في أوربا،  الا بعد  فصل الدين عن السياسة.
 
البداوة أكثر عنفا ً من التعاليم الدينية في حكم الزنا
   يـُعـَرَّف الزِنا على انه ممارسة للعملية الجنسية بالكامل بين رجل وإمرأة خارج الأحكام الشرعية، وإعتبره الإسلام من المحرمات الكبيرة، وجعل الحدَّ عليه، الجلد، كما نصت سورة النور : الزانية وَالزانِي فَاجلِدوا كُل وَاحِد مِنهُمَا مائة جَلدة وَلا تَأخذْكم بهِمَا رأْفة فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كنتم تُؤمِنُونَ بِاللَّه وَاليَومِ الْآخِر وَليَشهَد عَذابَهُما طَائِفَة مِن الْمؤمِنِينَ تـُنـفـذ العقوبة  بحكم الآية اذا كان الزاني او الزانية بـِكراً، وتكون العقوبة بالرجم بالحجارة اذا كان الزاني أو الزانية متزوجاً،  وفي  إثبات فعله  يقتضي توفر أربعة أشخاص ممن يـَشهدون بوقع الفعل. ورغم ان الإسلام طبق تعاليمه في ذلك الخصوص في بعض من أوقاته، الا ان العادات القبلية والبدوية كانت أكثر صلابة، فقد شهد التاريخ الإسلامي، والى يومنا هذا، عقوبة النساء، ليس الرجم  بالحجارة او الجـَلد، بل بـِعقوبة القتل والذبح، بسبب ما يسمى “غسل العار”، الذي ينفذه عادة أخ الفتاة، بمشهد وحضور عامة الناس، وبمجرد وقوع الشك بإن الفتاة مارست الزنا، من دون تدقيق وتحقيق عادل، تماشياً مع قيم وتقاليد المجتمع الذكوري وأرضاءً للناس، وخطورة الإجراء هو قبول الحكومات العربية والإسلامية به، وأكتسابه الشرعية الإجتماعية والدينية. وفي المقابل يمارس الرجل العربي كثير من الممارسات الجنسية المشروعة وغير المشروعة، الدائمة والمؤقتة من دون حساب


الإستنتاج والخاتمة
   لا عجب ان  تتـَجـَذر كثير من الممارسات البدوية الإسلامية في أعماق الإنسان العربي بمرور قرون طويلة، فبدءاً من العصر الجاهلي، حيث التفاخر بالذات والحسب والنسب وطلب الثأر، والتغني بالقتل والسلب والنهب وإهانة المرأة وأعتبارها متاعاً ووصولاً الى فترة التشريع الإسلامي للكثير من تلك الموروثات والممارسات التي توثقت بقدسية الدين، برمجت العقل الباطن للفرد العربي ليصبح أحياناً نـَّهـَاباً سلاباً يفتخر بسرقة الآخرين، بل لا يهمه سرقة أهله وبلده، أو محتلاً يحتل بلداً آخر يعبث بمصير أهلها ويصادر أملاكهم وأموالهم، أو إنتحارياً، مجاهدا ً في سبيل الله، يـُفـّجرُ نفسه، ويقتل أناساً أبرياء، لا ذنب لهم، وان يهينَ النساء ويعتبرهن متاعا لحاجته الجنسية.

    وما  كان من الإنسان العربي ان يبقى محافظا على  وضعه المتخلف  لولا أنغلاقه  وتقوقعه  وإستمراره في ممارساته الموروثة،  ولولا مساهمة رجال الدين في عزله عن التطور والتحضر بحجة الحصانة والمحافظة على الدين،  ففتاويهم كانت تمنع المسلمين من تبني أفكار جديدة قادمة من خارج العالم الإسلامي، كدول أوربا، التي كانت تعرف ببلاد الكفر، فكل جديد  قادم   منها  كان يعتبر بدعة وكل بدعة ظلالة  وكل ظلالةٍ في النار،  وزاد الطين بلة إعتقاد المسلمين ان سبب تخلفهم هو إبتعادهم عن  دينهم ونصوص  قرآنهم  وتقصيرهم في فهم وتفسير تلك النصوص، غير انهم في واقع الحال نسوا أنهم غارقين في قدسيات دينهم، وتخلفهم يمتد الى مئات السنين   بالرغم من  قـِدمْ الدين ونصوصه وبرغم  وجود مفكرين في كل عصر  يحاولون   فهم تلك النصوص بشكل صحيح ولكن من دون جدوى.

   بعد كل هذا، لا غرابة في ان يكون الفرد العربي المسلم عصياً في الأخذ والإقتباس للأشياء الجيدة من الآخرين، فهو برأي نفسه خير الناس، ومن خير الأمم، ودينه خاتم الأديان وافضلها، وصالح لكل زمان ومكان، فلماذا وكيف يقتبس ويتفاعل مع الآخرين، ما  دام  الإسلام قد أحتوى على كل نافع مفيد.

   وأخيراً ستبقى المجتمعات العربية الإسلامية غير قابلة للتغيير والتطور ما لم تحدث ثورة ثقافية وأجتماعية وتطوير  جاد في مناهج التربية والتعليم في مختلف المستويات، في إتجاه يفصل الدين عن الدولة، وهذه أمور صعبة التحقيق في الزمن الحاضر ونحن نرى صعود تيارات إسلامية سلفية على منصات الحكم في دول عربية كثيرة تنادي بالعودة الى السلف الصالح وأحياء الماضي، وتعتبر كل مبادرات التقدم والأرتقاء كفراً يجب  إستئصالها ووأدها في المهد، الأمر الذي يزيد من تأخرنا عن ركب الحضارة والتقدم.



غير متصل نـور

  • مبدع قسم الهجرة
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 39378
  • الجنس: ذكر
  • عــــرااااقــــي غـــيـــــوووررررر
    • مشاهدة الملف الشخصي
شكـرا على النقلــ ...