موضوعية القيم الاخلاقية في التاريخ


المحرر موضوع: موضوعية القيم الاخلاقية في التاريخ  (زيارة 5874 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

موضوعية القيم الاخلاقية في التاريخ

ملاحظة المقال منشور في العدد الثاني من مجلة مدنحا التي تصدرها ابرشية الكنيسة الكلدانية لاستراليا ونيوزلندا>

بقلم يوحنا بيداويد
الاربعاء 25 /9/2013
ملبورن / استراليا

 لقد اصبح معلوماً لدى الكثير من علماء الاجتماع والمصلحين ورجال الدين واتباع  المدارس الفلسفية القديمة والحديث، هناك ازمة اخلاقية تمر بها البشرية  في هذا الزمن، زمن العولمة وما بعد العولمة، حيث  كثرت الاجتهادات والمذاهبن وظهرت كثير من التأويلات وفرق دينية حديثة. احدى هذه الاجتهادات المهمة الذي يدور الحديث عنه في الجامعات ومراكز المهتمة بالدراسات  الفلسفية هو "  موضوعية القيم الاخلاقية" .

حينما نتحدث عن تاريخ فلسفة الاخلاق، لا بد ان نرجع الى اقدم نص قانوني وضعه الانسان لان للقانون علاقة بالاخلاق، وان اقدم نص قانون مشهور عالميا هي شريعة حمورابي في بلاد الرافدين . حيث يوصف المؤرخين والباحثين  مشرعها  (حمورابي)، بالملك العادل والقائد العظيم، والانسان الحكيم، او ملحمة كلكامش .

 لكن الاخلاق كمذهب فلسفي، المؤرخين يضعون الفيلسوف الاغريقي سقراط اباً ومؤسساً له، حيث  كان الحديث في مجالسه وبين طلابه يدور حول  مفهوم الاخلاق ، وان الاغريق يعدون هم اول من وضع اللبناة الاولى لموضوع الفلسفة ومذاهبه المتعددة، في حين كانت امجاد وانجازات حضارة  وادي الرافدين لا زالت مطمورة تحت تراب، لا احد يعرف قراءة لغتها المسمارية .
 
 حاول سقراط  في مجلسه تعليم  شباب اثينا (منهم الفيلسوف افلاطون) الحفاظ على استقرارية المجتمع الاثيني خلقيا، وتعليمهم بالسير نحو القيم الانسانية الشمولية العادلة، النابعة من مفهوم الخير وعدم الانحراف نحو الذاتية والفردية، اوالاخذ بمباديء الفلسفة السفسطائية المنافسة له.  فهو جعل من بحث المعرفة الطريق الامثل  للحياة، بل طريق الكمال و القداسة، مؤمناً بالقاعدة التي  فحواها: "  ان الانسان الذي يدرك الحق من خلال بحثه  لن يحيد عنه، بل ان الانسان المتعلم يكون دائما معتدل في قراره ومستقر في افعاله وثابت على مبادئه الى درجة يقبل الشهادة من اجلها، كما فعلها بنفسه(1)" . فالقيم الاخلاقية بحسب سقراط يجب ان تكون غير متغيرة، وان الخير والشر لا يخضع للزمان او المكان، ولا لطبيعة الانسان.

كانت فلسفة سقراط رداً على الفيلسوف السفسطائية  ومعلميها واتباعها، الذين كانون يعلمون الناس الجدال والمناقشة والمنطق وصقل الخطابة والمزيد من المعرفة  من دون الالتزام بأي اساس فكري او مبدأ اخلاقي الذي يصون كيان المجتمع من الانحلال ، بل كان هدف بعضهم الاسترزاق والحصول على الاجور من ابناء الطبقة البرجوازية من المجتمع الاثيني، يمكن الاستدلال على هذه النتيجة من مقولة اشهر فلاسفتهم او معلمهم  "بروتاغوراس" الذي كان يقول : " ان الانسان مقياس الاشياء جميعها".  ان الخير والشر يخضعان لارادة الانسان وعواطفه وبالتالي هو نسبي كلياُ.

لما صعد صيت  الفيلسوف افلاطون  بعد ان اسس اكادميته، حاول الحفاظ على مباديء فلسفة استاذه (سقراط )، عن طريق جعلها احدى نتائج  نظريته الشهيرة "نظرية المُثل"، التي  فيها يقسم الوجود الى طبيعتين او عالمين، عالم متغير، غير مستقر، ناقص، زائل، وعالم اخر  طوباوي، مستقر،  ثابت لا يتزعزع، كل شيء فيه خالد. عالم كمال خير، وعالم ناقص فيه شرور.

حينما اعتلى نجم ارسطو بين تلاميذ افلاطون، فاجأ الجميع بمزاحمة استاذه  ومناقضة اقواله ومبادئ واسس  فلسفته ( المثالية)  من ضمنها  قضية الاخلاق. فالمعروف عن ارسطو مؤسس  الفلسفة التجريبية، فهو لم يتبنى فكرة الخير  (الافلاطونية) التي كانت وليدة لافكار الميتافيريقية واساطير والديانات الوثنية القديمة وانما اعتمد على طبيعة الانسان وتأثير غرائزه. ارسطو امن بأن الاخلاق يجب ان تكون جزءً من السياسة والممارسة في الحياة اليومية.

بعد ان توارت انوار عمداء الفلسفة الاغريقية الثلاثة، ظهرت الفلسفة الرواقية التي انتهب بنتيجة  : " ان اللذة هي مقياس الخير والشر،  او معيار الصواب والخطأ ".(2)
من بعد الفلسفة الاغريقية، مر مفهوم الاخلاق بكثير مراحل تطورية، وقفز فعلا من المفهوم النظري الجامد الى التطبيق العملي في الحياة اليومية عن طريق تعاليم الاديان والفلسفات، حتى منتصف الالف الثاني الاول  الميلادي، حينما كان للكنيسة سلطة ونفوذ على االحياة العامة في المجتمع الاوربي. كانت القيم ثابتة بل شبه مطلقة، والقواعد تعاليم الكنيسة ملزمة، والمخالف لها مدين  بل محرم واحيانا مجرم لانه كان يشكل خطر على المجتمع.

  بعد ان ظهرت حركة التنويرفي القرن الخامس عشر الميلادي ونبتت بذور مذهب الفلسفة  الفردانية الذي دعمت مطاليب الفرد ضد النظام الشمولي سواء كان الملوكي او الكنسي في احقيته (الفرد)  في امتلاك حرية التفكير والتعبير والتدين  بعيدا عن سلطة الكنيسة اي التحرر من القيم والقيود الاخلاقية الثابتة والتي اصبحت قديمة نوعا ما  .
في القرنين الاخرين ظهرت الكثير من الاراء الداعمة لخط الفلسفة الفدرانية و حرية التعبير والتدين والتفكير، حيث  وصلت المرحلةـ الى كل من يريد  يشتهر، عليه ان يقاوم ،او يخالف موقف الكنيسة الشمولي الذي كان ضروريا، وإن قاسيا في بعض الاحيان ايضا.
من الفلاسفة الذين تركوا اثرا كبيرا في قضية الاخلاق هو الفيلسوف الالماني الكبير عمانوئيل كانط ، الذي حاول التوفيق بين كلا المذهبين الشمولي - الموضوعي و الفرداني- الذاتي على غرار ما قام به افلاطو من قبله  بحوالي الفين سنة من هذا التاريخ. حيث اكد على وجوب الايمان بضرورة بوجود عالمين متداخلين في الواقع الملموس الذي نعيشه، عالم نظري مثالي، لا نستطيع التحقيق منه ، لكن يجب الاقرار به، وعالم الواقع الذي نعيشه ونعرف جزءً منه و ولكن لا نملك المعرفة الكاملة عنه نتيجة لقصور امكانياتنا او مقدرة حواسنا.

 ان المبدأ  الاساسي في  قضية الاخلاق حسب فكرة الفيلسوف كانط هو : " ان الارادة هي الشيء الوحيد الذي يمكننا القول انها خير بصورة مطلقة، لانها تمتلك قيمة كامنة غير مشروطة، لهذا هي الخير الاسمى." (3).
ومن الفلاسفة الاخرين اهتموا بهذه القضية الفيلسوف المادي ديفيد هيوم وعالم الاقتصاد الكبير ادم سمث، الفيلسوف اوغست كونت مؤسس علم الاجتماع، و الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر.

من الفلاسفة المعاصرين الذين نقاش موضوعية او نسبية الاخلاق بجدية، والذي جاء بنتيجة مخالفة تماما لما جاء في تاريخ الفلسفة الاخلاقية، هو الفيلسوف الاسترالي جون مكايي ( 1917- 1981م)،
عارض مكايي، بل جادل في نقاش مرير مع رواد المذاهب الفلسفية جميعها حول فكرة ( موضوعية القيم الاخلاقية)، حيث انتهى بنتيجة، مفادها ان نظرية الصواب والخطأ في مسيرة اكتشاف المعرفة ليست صحيحة لاعتمادها كأساس او معيار في تقيم الاخلاق، ولا توجد اي موضوعية للقيم الاخلاقية التي نعرفها الان، لانها بعيدة كل البعد من سلوك الطبيعة، في نفس الوقت لا  توجد اي طريقة علمية او تحليلة يمكن الاستنتاج او اشتقاق المباديء الاخلاقية الصحيحة بصورة مطلقة. لان معرفتنا الانسانية هي معرفة  نسبية وللاخلاق علاقة كبيرة  بمشاعر واحساس الفرد نفسه، وبما ان المشاعر تختلف من شخص الى اخر، نتيجة التركيبة الداخلية لكيانه، إذن هناك شك في مصدقية موقولات الاخلاق كما هي الحال لمفهوم الخير.

الخلاصة التي نستنتجها من هذا الاستراض القصير لتاريخ فلسفة الاخلاق، بما ان الاخلاق وقيم الانسانية تشكل العامل المشترك الوحيد الذي تتفق عليه معظم الشعوب والامم ان البشرية في تعاملها اليومي ، وكانت الاخلاق  في الماضي، هي الدرع الاقوى للمحافظة على كيان المجتمعات بصورة عامة ، إذن يستوجب على جميع هذه الهيئات، سواء كانت اجتماعية، او دينية، فلسفية او سياسية  الى اعادة النظر في موضوعية مقولات الاخلاق ، لاننا فعلا في هذا العصر،  بحاجة الى اعادة صياغتها على اسس ومنطلقات الضرورية والصحيحة للانسان، بحيث تحافظ على كيان المجتمعات وتقربها من بعضها، بل تزيد من قوتها واستقراريتها، لان نواقيس الاخطار، بدأت تدق في الشرق والغرب، معلنة بقدوم غيوم قاتمة من  جراء الانحلال الخلقي ( مثل زواج مثلي الجنس، والفساد الاداري للسياسيا، وقتل المتعمد لدى الارهابيين، والجريمة المنظمة من اجل المال، وبيع المخدرات وبيع اعضاء جسد الانسان بعد خطفهم  وقتل اصحابها ، او بيع الاطفال، او استأجار رحم النساء من البلدان الفقيرة لامتلاك طفل من نفس زوجها،  او التلاعب بالجينات الوراثية في المختبرات )  الذي بدأ يسير في المجتمعات المدنية لاسيما في المدن الكبيرة.
.
..........
1-   حينما حكمت محكمة اثينا عليه بالموت عن طريق تناول السم ، رفض سقراط عرض تلاميذه ان يساعدوه على الهرب من اثينا  وخضع لقرار الظالم  من المحكمة الذي جاء بأسم الشعب ، لان راى هذا العمل مناقض لما كان يعلمه لتلاميذه.قصة الفلسفة، وِل ديورانت، مكتبة المعارف، بيروت- لبنان، الطبعة الرابعة 1979م. ص15
2-    جون ماكاي الفلسفة الاخلاقية، مها علي يحيى،  دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ، 2011، ص 40
3-   نفس المصدر، ص 45






غير متصل ادمون يوسف

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 71
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الاخ يوحنا.. بالحقيقة موضع رائع.. كنت اتمنى ان اقرأ المزيد عن موضوع الاخلاق. الاخلاق هي جزء من حياة الانسان اليومية كما قلت. الناس في عالمنا اليوم, يفكرون في النجاح في المجال المهني فقط, و ينسون بأن الاخلاق هي الجزء الاساسي للمرء لكي يكون ناجحا حقيقيا في كل مجالات الحياة..
اشكرك.. موضوع جميل جدا



غير متصل ادمون يوسف

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 71
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
One more thing that I forgot to mention is one of Plato's most interesting quotes that I really admire is
"Be kind, for everone you meet is figthing a hard battle"



غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اخي العزيز ادمون
شكرا  لمرورك وكلماتك الطيبة المشجعة.
الفلسفة هي علم العلوم، بل هي  ام العلوم، قديما  كانت كل العلوم مثل المنطق والرياضيات والطبيعيات والخطاية والبلاغة والشعر والتمثيل والتاريخ والجغرافية  وعلم النفس والحيوان والتصنيف  . كلها فروع من الفلسفة.  حتى كل الاديان، بدون استثناء، لها علاقة مباشرة وكبيرة بالفلسفة، ولحد الان الفلسفة هي مقياس الاقرب الى الحقيقة، لانها طريقة عملها عميقة وشمولية . بمرور الزمن زاد ت عملية الاختصاص وزادت المختبرات العلمية والورش التجريبية فانفصلت كل هذه العلوم من الفلسفة شيئا فشيئا . وان كان لا يزال للفلسفة اثرا في فكر كل رجل علمي او غير علمي. مثلا هناك بذور واستنتاجات من النظرية النسبية التي وضعها اينشتاين هي موجود او هي نتيجة لفلسفة عمانوئيل كانت. والامثلة كثيرة.
على اية حال شكرا لمرورك مرة اخرى.