إصدار كتاب جديد للأب الفاضل (صميم باليوس )خادم الرعية في كنيسة القلب الأقدس , وهو بعنوان إستيقظي ياروحي من تأليف الأب صميم باليوس
كلمة الأهداء والمقدمة [/b][/color]
الإهداء
أهدي هذا الكتاب لكل :
فقيرٍ غني ؛ يغتني بنعمة الله وفرح الوجود. ويرضى بخبزةِ يومه وفرحِ ابنائه. إنها قناعة أبناء الله.
غني فقير؛ يعيش غناه الحقيقي بحب الفقراء والمحتاجين، مفتقراً للطمع والجشع وحب الظهور.
رجل دين ؛ يصلي من اجل كنيسته، ويسهر على نشر الكلمة الإلهية كي يحقق مشيئة الآب القدوس.
أب أمين ؛ يحب عائلته ويسهر على روحيتها. مبتعداً عن كل موبقات العصر ودسائس الشرير من قمار وإدمان وخيانة.
أم أمينة؛ تضحّي بذاتها من اجل عائلتها، وتتخذ مريم العذراء "أم الله" مثالاً على الأمومة الخلاقة والتأمل والتحنن.
صديق امين؛ يجاهد من اجل أمانته ويُعلي راية الصدق والإلتزام في سبيل أصدقائه، فكم نلاقي أشخاصاً يدّعون الأمانة والصدق وهم في الحقيقة " سكاكين في الظهور".
مؤمن أمين؛ يختبر العلاقة الحميمية مع الله. يدافع عن المظلومين، ويحارب الفساد. يعكس وجه الله بعلاقاته ويناضل من اجل الملكوت.
المقدمة
حدثَ ذات يوم اني كنتُ في إحدى الجلسات التي ضمّتْ بعضاً من الشخصيات المرموقة في مجتمع المهجر من سياسية واجتماعية ودينية، كانت تتحدث فيما بينها كالضفادع وهي تنقنق تحت الماء، فكلامها مليء بالفقاعات التي تتصاعد الى سطح المجتمع ثم تتلاشى. فالكثير منهم كان منتفخاً الى حد الإنفجار. ولكني لم اعلم حقيقة سبب انتفخاهم، هل كان بسبب دولاراتهم ام نفوذهم ام روحانيتهم ؟ كنتُ جالساً في الزاوية اتأملهم وهم يعلكون الحقيقة بأسنان مُسَوسّة، وجوفٍ فارغ، تنطلق منه رائحة نتنة تخبر بماضٍ عانى الفقر والعوزوالقحط، اما حاضرهم فيغطّ بالرفاهية وطيب العيش. لهم أفواه تلتهم ما ترى امامها بلا هوادة، فاذا شبعتْ قالتْ في قرارة نفسها :" واحسرتاه، متى نجوع من جديد!". ولم يعلموا بانهم قد لُعنوا بلعنة " الجوع" حتى جعلتْ أحشاءهم قبوراً وقلوبهم صخوراً.
تأملتُ المنظر ودمع العين يستحي النزول. قلتُ في قرارة نفسي :" أين انتَ يا يسوع ؟ هل تعجبك هذه الجلسة ؟ أنهم يتحدثون عنك ولا يعرفونك أصلاً! إنهم يتكلمون ولا يتحركون! يناقشون مجيئك وكأنهم قد ضمنوا خلاصهم، فلربما يظنون أنهم سيشترون الملكوت بأموالهم؟! انهم ينتظرونك قادماً مع جند السماء بملابس ملوكية، تصاحبك رعود وأعاصير وزلازل كونية مرعبة. تأتي وبيدك "كتاب الحياة" الذي يضّم اسماء "الأغنياء" الذين حفروا اسماءهم في كل مكان وكتاب و اسماء "السياسيين" الذين يسوقون للعبة " الدين والقومية" وأسماء "المتدينين" ممن يصلي لإله من صنعه، يجيز له تشويه السمع والكذب والإزدواجية؟ يا ترى لو باغتّهم وأتيتَ بنفس ملابسك الرثّة ونعالك الذي كنتَ تُصلحه كلما سرتَ الطريق الطويل من الجليل الى اورشليم؟ هل سيتبعونك وأنتَ بهذا الشكل الفقير ؟ بالطبع لا ! وفجأة سمعت صوتاً داخلياً يقول :"إصعد الجبل "! نعم انه جواب يسوع المخلّص، إنه جبل التطويبات الذي نوديَ عليه بالفقراء والمرضى والمكتئبين والحزانى والودعاء وصانعي السلام. إنه الجبل الذي يدفع الإنسان الى تجاوز الأرضيات والتسامي نحو السماء. نعم، انه يسوع الروح الذي يحرر الكيان من موبقات العصر من مال واكتناز وخداع، ويعدّ خارطة الطريق نحو عرش العروش حيث يملك سيد الكون. فليس من سيّدٍ لهذا العالم غيره. وقد زاغ من ادعّى بانه السيد لفرط غناه او مركزه او سطوته.
تأملتْ مجتمع المهجر وكأنه "البرية" بأم عينها، تملأها الوحوش والأرواح الشريرة، ولكن بحُلل حضارية. وما فتيء قديسو الزمن الصعب يحاربونها بكل ما أوتيوا من حب وفقر وامانة لله. تأملتُ الكنيسة وخفتُ عليها من أناسها. إنهم لا يعرفون ما معنى الكنيسة، انها اورشليم السماوية، انها وجه الملكوت المنظور! لا تستيقظ الروح فيها بحفنة دولارات بل بربح النفوس. ثم تأملتُ مجتمعي وشعبه النائم في الحفلات والسهرات والرقص حتى الصباح. وقديسونا في الأمس كانوا يسهرون مصلّين حتى الصباح!
جلستُ وحدي متأملاً متسائلاً عن واقع الحال! إنهم يداهنون المجتمع ويبتسمون له، ظناً منهم انهم متطورون، مثقفون، مسيطرون! ولا يعلمون أن المجتمع وحش كاسر؛ بل كالأسد إذا كشّر عن انيابه، توهم الناس انه يبتسم. ولهذا يذكر الشاعر ابو الطيب المتنبي هذا التوهم في أحدى قصائده قائلاً:
إذا رأيتَ نيوب الليث بارزةً فلا تظننَّ أن الليثَ يبتسمُ
في غمرة هذه التساؤلات والتصادمات الفكرية والروحية، ارتأيتُ ان أعارض " النجاسة " في مجتمعي بكل ما أوتيتُ من قوة، فما ننشأتُ عليه لم يجعلني اسكتْ أو يدفعني الى السير بمحاذاة الحائط كي لا ازعج احداً. أنه " الجُبن" بعينه! اتخذتُ "يسوع " مثالاً لي في الإزعاج، لانه ازعج الفريسيين والصدوقيين والكتبة والأحبار وكبار مجتمعه وكل المنافقين من حوله، وكشف لهم ان الطريق الذي يسلكونه هو عكس اتجاه الملكوت. فعارضوه وقاموا بقتله، وعليّ اليوم ان اعيش خبرة معلمي ومخلصي وسيد حياتي. حاربوني ومازالوا كأقزام يعيشون في الأنفاق، لا يُظهرون وجوههم ؛ فهي ساقطة تخاف الظهور. ومن يسكت على الفساد والظلم، فهو ظالم فاسد!
ولكني وجدتُ في الكثير من الناس قوة للتغيير وعيش الإيمان ولكن بضعف في القرار والتجسيد. إنهم يخافون المجتمع وكِباره !! لذلك وجدتُ نفسي مُقادا الى كتابة بعض السطور التي تُشجعهم على التحرك واستنهاض الهمم كي يخرجوا رؤوسهم من الحفر كالنعامات ويبدأوا بإعلان الحقيقة. وهكذا جاءتْ فكرة هذا الكتاب، الذي يضّم مواضيع روحية بسيطة وقصصاً فيها من العِبَر والمواقف ما يدفع العقل الى التفكير والتساؤل عن معنى " الخلاص" وأسلوب تحقيقه في المجتمع. يتضمن أربعة فصول. وفي كل فصل هناك دعوة للتفسير والتحليل. ووجدتُ ان اسلوب القصص والأقوال هو ديدن قاريء اليوم. فهو يريد التبسيط وتفعيل الخيال بأسهل السبل الممكنة.
يتناول الفصل الأول " فضلة القلب " تأملات روحية يومية تدعمها قصص تفسر فحواها، ويختمها كلام الله الذي فيه دعوة للقاريء أن يكمل هو الموضوع باسلوبه ويضع اللمسات الروحية الأخيرة.. يظهر هذا الفصل في حُلة الزاد اليومي. أي ان موضوعاً واحداً في اليوم يكفي. ولا يبدو نافعاً للقاريء أن يقرأ اكثر من تأمل في يوم واحد. ياتي الفصل الثاني " أقوال من ذهب" كي يتعلم القاريء فيه اسلوباً جديداً في استنباط المغزى والتبحر به. فقد يدفعنا قول واحد الى التأمل في رحلة حياتنا، من الماضي والى المستقبل. وقد اخترتها بشكل يفيده وحاجته الروحية. أما الفصل الثالث فهو " أَلَقُ الحياة الروحية " هو تعليق تأويني على بعض القصص التي انتقيتها بتأنٍ لأنها تخبر بواقعنا اليوم وما نحتاجه كي نتسلح روحياً. ختمتها بصلاة كي يتعلّم القاريء ان يصلّي بعد كل حدث او مشهد او موقف أو قراءة نص من الكتاب. وبهذا يزيد من قابليته على سبك صلاته الشخصية. إذ ترتكز الصلاة على الحوار الشخصي مع الله وليس على ترديد الصلوات المحفوظة عن ظهر قلب فقط. ثم أختم بالفصل الرابع " ينابيع الحياة"، الذي هو بمثابة الإسلوب العملي لعيش الروحية الحقة. ووجدتُ عدّة ينابيع مهمة نحتاج الإرتواء منها يومياً كي نفهم موقعنا في خطة الله الخلاصية.
أعددتُ هذا الكتاب بشكل يدفع القاريء الى تكملة مواضيعه وفق خبرته الشخصية. كالرسام الذي حين يرسم، لا يكمل لوحته أبداً، فهو يترك اللمسات الأخيرة للمشاهد كي يسبكها وفق خبرته وإسلوب حياته. وهذا ما دعا الأديب جبران خليل جبران الى القول :" إن الشاعر الحقيقي، هو من يثير في داخلك شعوراً، بعد أن تقرأ شعره، بأن أفضل أشعاره لم يسطّرها بعد". ولا يسعني في النهاية سوى ان أقدم شكري الخالص الى الإستاذ يلدا قللا لمراجعته النحوية للكتاب، وشكري العميق لكل الذين ساندوني في إعلان مبادئي منذ بدء عملي ككاهن وحتى الآن.
الأب. صميم باليوس