رؤى سوسيولوجية وسايكولوجية حول وحدة الشعب

المحرر موضوع: رؤى سوسيولوجية وسايكولوجية حول وحدة الشعب  (زيارة 576 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شوقي يوسف بهنام

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 40
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                                      رؤى سوسيولوجية وسيكولوجية  حول وحدة الشعب
                                                                   
                                                               
انشغل الفكر الأوربي ، خصوصا ، في نهاية القرن الثامن عشر بموضوع القومية أو الهوية الذاتية للمكون الاجتماعي ؛ أقليات أم أكثريات ، إن صحت المفردة ، من التجمعات الإنسانية . وراح هذا الفكر ينشغل بعناصر تلك الهوية identity  فحاول حصرها بالأرض أو اللغة  أو العرق أو التاريخ  وظهر ما يسمى بعصر القوميات . ونحن نعرف من خلال فروع الانثروبولوجيا المختلفة ؛ الثقافية أو البيولوجية أو الا ثنوغرافية وغيرها من تلك الفروع ، انه ليس هناك من بدايات محددة لظهور النوع الإنساني على هيئته المعاصرة ولازالت هذه العلوم تعتمد على الحفريات الإنسانية التي تكتشف من حين الى آخر . وراح الفكر الأوربي يخلق فكرة الشعب الاول أو العرق الأفضل على الأعراق الأخرى مثل فكرة أفضلية الانسان الابيض  على غيره  واعتباره الانسان الأرقى !! . والواقع ان فكرة الشعب المختار لم تك جديدة على الفكر الإنساني ولكن الفكر الأوربي بلورها على نحو موضوعي أكثر من الأفكار السابقة لهذه الفكرة . وفكرة الشعب المختار أو العرق الأفضل تهاوت أمام ظهور تيارات فكرية تنطلق من الشمولية الإنسانية .. اعني وحدة النوع البشري باختلافاته العرقية معتبرا ان الانسان أثمن رأسمال  كما قال ماركس مثلا .. ولكن الشعور السايكولوجي  حتى عند فرويد المعلم الاول للتحليل النفسي لم يتمكن من التخلص من نزعة الشعب الأفضل أو الاول أو المختار بشكل من الإشكال . وليس هنا مجال لأن نخوض في موضوعية فرويد في هذا المجال . فكان الرعيل الاول من جيل التحليل النفسي كلهم من اليهود الاوربين الذين وظفوا معطيات التحليل النفسي لخدمة  سايكولوجية الشعب المختار . والواقع انه لا يمكن ان يتنصل الانسان من جذوره الانتمائية ، أيا كانت ومن اي أساس تنطلق . لأنه من خلال هذا  التنصل تموت وتندثر مشاعر الهوية وتتلاشى أمام الهويات الأخرى . وهذا ما نلاحظه في موضوع صراع الأقليات والاكثريات في اي مجتمع تكثر فيه ظاهرة التنوع الاثنوغرافي . ولا يزال هذا الموضوع يشغل الفكر السوسيولوجي والسايكولوجي والانثروبولجي بشكله الأكاديمي قبل ان يكون شماعة يتكأ عليها هذا أو ذاك من الدعاة  من أنصار الهوية الثقافية . ولم تنته الأبحاث في هذا المجال و التي يعج بها ميدان البحث الأكاديمي بدورياته ومجلاته العلمية المتخصصة . نحن لن نهتم ، هنا ، بما يدور في خلد الساسة في هذا المجال بل نحن نتناول ظاهرة إنسانية صرفة هي موضوع  أكاديمي من الموضوعات المهمة في اهتمام العلوم الإنسانية  قبل ان تكون راية يحملها هذا السياسي أو ذاك في هذا الظرف أو ذاك . موضوع الهوية ليس موضوع الشارع بمفرداته اليومية وليس موضوع الإعلام بصيغه وأساليبه  البراقة وليس موضوع الساعة ينتهي بانتهائها . نحن أمام ظاهرة من الظواهر التي وجدت منذ ان وجد الانسان ومن منذ ان تكاثر وانتشر . نأخذ مثلا صورة لهذه الظاهرة تناولتها التوراة بعد حادثة الطوفان وانقسام شعوب الارض الجديدة من أبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث . ولا شأن لنا بموضوع تبلبل الألسنة كما ترويها لنا رواية برج بابل عندما كان العالم شعب واحد او امة واحدة . فظهرت الأعراق والشعوب والاقوام والتسميات ووو . وبقعتنا الجغرافية ليست استثناءا من ذلك فنحن ورثة ذلك الانقسام العرقي ، إذا صحت العبارة ، واعتمادا على الرواية التوراتية . وما من شك ، ايضا بحسب تلك الرواية ،  ان الأقوام التي سكنت المشرق كانت من سلالة سام . بينما الأقوام الأوربية هم أبناء يافث والأفارقة من أبناء حام . نحن إذن ساميون بالمحصلة . والتقارب اللغوي هو مؤشر لذلك . ولكن ثمة حدث تاريخي ظهر على مسرح الأحداث الا وهو ظهور المسيحية كحركة دينية في المجتمع العبري  وكمؤسسة  في ما بعد . ظهور الكنسية هو بحد ذاته الغى فكرة القوميات ؛ انطلاقا من عبارة القديس بولس " لا عبد ولا حر .. لا يهودي ولا يوناني .. لا ذكر ولا أنثى .. الكل واحد في المسيح " . هذه الدعوة بحد ذاتها هي الخروج من صورة انتماء الى صورة انتماء أخرى . هنا أصبحت الكنيسة هي الخيمة التي تحتوي العرق . على الأقل على المستوى العقائدي بشخص المسيح . صحيح ان المسيحية لم تلغي العرق بشكله النهائي ذلك بقيت كل جماعة عرقية قد تشكلت على هيئة كنيسة ؛ فكانت كنيسة أورشليم ثم إنطاكية ثم روما ثم الإسكندرية لدى الأقباط وباقي الكنائس الأخرى كالكنيسة الارمنية والحبشية مثلا . ثم كان الحدث التاريخي الخطير في حياة الكنيسة . هذا الحدث كان منطلقا من إشكال لاهوتي لقراءة النص . مهما كانت الحركات اللاهوتية التي ظهرت في القرون السابقة على مجمع نيقيه عام 325  فلم تكن ذات تأثير مثل هذا المجمع . لقد كان هذا المجمع بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال في المثل الدارج . ولكن القشات الكبرى التالية كانت  مجامع افسس وقسطنطينية وخليقيدونيه  وغيرها وبعدها انقسام كنائس المشرق عن الكنيسة الغربية . لسنا معنين هنا بتاريخ الكنسية اللاهوتي (1)  بل ما يهمنا هو هموم وجودنا واشكالياته في المشرق ولاسيما في العراق وما يدور على الساحة الإعلامية ، على وجه الخصوص ، من مشادات وحوارات كثيرة بل وصيحات  من إطراف مختلفة وأشخاص كثيرين قد يكونوا على دراية بالموضوع أو يكونوا غير ذلك . قلنا ان موضوع الهوية الثقافية ليست موضوعا للكلام اليومي بل هي موضوع كبير ينتمي الى موضوعات العلوم الإنسانية . ومن ليس له باع أو تخصص في هذا المجال فعليه ان لا يقحم نفسه فيه لهذا السبب أو ذاك . ومن هموم هذه الأقلية ؛ شعبنا ، هي الوحدة والتسمية . فلا زال الشعب يرزح تحت تأثير القراءة اللاهوتية للنص بخضوعه لفكر هذه الكنسية وايدولوجيتها أو تلك . وتقام المؤتمرات واللقاءات والحوارات ولكن النتيجة هي الخروج بالسؤال الأزلي والأبدي معا .. من الأفضل  .. من الاول ... من الأجدر .. من الأقوى .. من الأكثر .. من الأكفأ .. من  الأصح . .. من الأنقى عرقيا .. ؟؟؟؟... وهكذا يخرجون لكي يدخلوا في حلقة مفرغة لا تنتهي . ثمة حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها . الا وهي ان العراق كان على طول التاريخ ضحية من ضحايا الحروب والغزوات والاحتلال والصراعات منذ بدايات ظهور الانسان فيه حتى أيامنا الراهنة !! . هل السبب يعود الى موقعه ؟ خيراته .. أرضه .. أم قدره اللعين . البلد محصلة كل هذه المتغيرات . فمن هو الأنقى ومن هو الاول فيه ؟؟؟ . لكننا في كل الأحوال نحن منتمون إليه شئنا ذلك أم أبينا . وما يجمعنا  هو حملنا لجنسيته ولاسمه . ولن نستطيع الإجابة على هذا السؤال . لسنا شعبا يعيش في حضارات ما قبل التاريخ ولا في قارة لا يصلها احد حتى نكون انقياء العرق والنسب . المهم ان نحافظ على ما تبقى لدينا من عناصر وحدة الهوية ؛ اللغة ، الموروث الحضاري بمختلف مستوياته ومن الإنتاج الفكري الراقي ووصولا الى مورثنا الشعبي الجمعي الذي ينبغى ان يعالج معالجة علمية أكاديمية رصينة وعدم الاكتفاء بالمحاولات الفردية والبسيطة ، الجانب المهم بل والاهم ، من الناحية الانثروبولجية والسوسيولجية والسيكولوجية هو المصاهرة والزواج دون الأخذ بنظر الاعتبار التسمية أو الانتماء الكنسي للحد من ظاهرة التفاخر بها .. اعني التسمية لخلق جيل يؤمن بهوية واحدة الشعب دون الاتكاء على هذه التسمية أو تلك من التسميات . وعلى الرغم من وجود تسامح جزئي إزاء ظاهرة المصاهرة الا اننا ندعو الى ترسيخها وتشجيعها بين عناصر (شعبنا) لكي ندعم ونعزز من وحدته .. فبهذه العملية وبها وحدها نحقق ذلك ..  سكان الجبل .. سكان السهل .. هذا نسطوري .. هذا يعقوب .. هذا كلداني .. هذا سرياني .. آشوري .. كلداني أو غير من ذلك من اتكاءات أو عكازات صارت شماعات ..  كيف نوحد الشعب وهذه العوائق والموانع لا زالت تفرز تأثيراتها على واقعنا الاجتماعي . نحن أقلية ما من شك في ذلك . وموضوع الأقليات موضوع ليس سياسيا بل هو من صميم  مجال علم الاجتماع الأقليات وسايكولوجيتها .. اما موضوع الهجرة فهو موضوع يحتاج الى بحث أكاديمي وموضوعي وليس الى وجهات نظر أنية  وانفعالية . في ختام هذه نقترح تسمية لهذا المكون الاجتماعي  هي مسيحيوا العراق لا غير .       
الهوامش :-
1-  انظر على سبيل المثال لا الحصر سلسلة الكتيبات التي أصدرها الأب جورج رحمة بعنوان " الكنيسة الكاثوليكية والبدع " وقد ظهر منها ثمانية  حلقات يتابع فيها الأب الوقور تاريخ الكنسية اللاهوتي ، 2009 ، مركز الدراسات والأبحاث المشرقية ، انطلياس ، لبنان وكتب كثيرة تناولت بقلم باحثين من الشرق والغرب  هذا الجانب الذي لم يحسم بعد .           
                                                                     شوقي يوسف بهنام
                                                                      مدرس علم النفس   
                                                                  كلية التربية – الحمدانية       
                                                                         جامعة الموصل 
                                                               shawqiyusif@hotmail.com     
                                                                        07701745658