لماذا تحولت بعض من الكنائس النسطورية الى الكثلكة ؟
اخيقر يوخنا التصقت واندمجت كنائسنا كليا مع مسيرة شعبنا عبر العصور وبدءا منذ اعتناق شعبنا للمسيحية الى درجة لا يمكن فيها الفصل بينهما فما جرى على شعبنا كانت كنائسنا تتلقى الموجعات والانتهاكات والجرائم والانتقامات والمؤامرات وكل اشكال الاضطهاد والتعسف والذل والمطاردة والاقتصاص من رجالها .من قبل الاعداء المتربصين دوما لها والذين كانوا يجيدون ويتفنون في وسائل انزال العقوبات الموجعة بحق شعبنا بين حين واخر وفي اوقات وظروف يفرضونها عنوة وقسوة على كل مفاصل الحياة العامة لشعبنا المنهوك والمتضايق والقليل العدد والاعزل من اي قوة تتيح له المقاومة فلم يجد غير المناطق الوعرة والجبال العالية ماوئ له .
وكما كان صديقي المرحوم المؤرخ هرمز ابونا يقول بان الاشوريين تخلوا عن المطالبة بالمجد الارضي واصبحوا يبحثون عن المجد السماوي واخذوا ينظرون الى اسمهم القومي كاسم وثني
وبصورة عامة نستطيع ان نقول ان كنائسنا لعبت دورا مشرفا ومسؤولا وكبيرا وقدمت خلال مسيرتها التاريخية الكثير من الدماء والتضحيات وتحملت المشقات والماسئ وبقيت منتصرة في ايمانها وتمسكها بكل طقوسها التي توارثتها منذ القرون الاولى لانتشار المسيحية في بلاد النهرين .
وبهذا الصدد كثيرا ما يتطرق الى اذهاننا سؤال من بين عدة اسئلة تثار بين حين واخر عن تاريخ ونشاة كنائسنا ومن ثم سبب التحول الى الكثلكلة
وبطبيعة الحال نملك اجابات لهذة الاسئلة وفق ما تناقلته اجيالنا ووفق ما نقراه في كتب كنائسنا .
وشخصيا كنت ابحث عن كتاب شامل يضم ويجيب بصورة اكاديمية لكل تلك الاسئلة ومن جهات خارج نطاق شعبنا
وبالصدفة وقع بين يدي كتاب ( المسيحية في العالم العربي ) وهو كتاب مهم جدا يحوي اجوبة اجدها مقنعة ووافية لكل تلك الاسئلة وغيرها
والكتاب مترجم من اللغة الانكليزية وبترجمة رائعة وواضحة وسهلة وبطباعة انيقة وجميلة من قبل المعهد الملكي للدراسات الدينية مكتبة عمان 1995
وسوف انقل للقارئ الكريم نصوصا او فقرات مهمة في الوقت الذي ادعو القراء الى قراء ته
والكتاب يضم عدة فصول ) ( ما هي المسيحية - اصول قانون الايمان النيقاوي - تنظيم الكنيسة - الجدل حول ماهية المسيح - النزاع حول الايقونات - الانشقاق بين روما والقسطنطينية - اتحاد الموارنة مع روما - الفرق الذي احدثة الاسلام - ظهور الكنائس الكاثوليكية الاتحادية - الكنائس العربية البروتستانتية - ظاهرة الاتحاديين والبروتستانت -
المسيحيون في العالم العربي المعاصر ()
وهنا ساكتفي بعض ما جاء في فصل اتحاد الموارنة مع روما ومن ثم فصل ظهور الكنائس الكاثوليكية الاتحادية
-ص89 وما يليها
(شكل القرنان الثاني عشر والثالث عشر عهد الحروب الصليبية في بلاد المشرق 1096-1291م وقدم الفرنجة من اولابا حاملين لواء باباوات روما فانتزعوا الجزء الاكبر من بلاد الشام من ايدي المسلمين واقاموا لانفسهم اربع دول لاتينية اي رومانية كاثوليكية على ارضها وهي امارة انطاكية 1098-1268م وقومسية الرها 1098-1146م
ومملكة اورشليم اي القدس 1099-1291م
وقومسية طرابلس 1109-1289م
في هذة الدول اللاتينية الاربع عانى الملكانيون قدرا كبيرا من الاضطهاد على ايدي الفرنجة لكونهم اتباع الملة المسيحية التابعة للكنيسة البيزنطية في الشام حيث كان انشقاق هذة الكنيسة عن روما عند بدء الحروب الصليبية لا يزال موضوعا حيا اذ لم يكن قد مضى عليه اكثر من نصف قرن
وما ان تمت السيطرة للفرنجة على انطاكية والقدس ختى قاموا بتعين بطاركة لاتينيين لكل من الكرسي الرسولي في القدس والكرسي الرسولي في انطاكية ونتيجة لذلك هرب القيمون على الطائفة الملكانية في كلا الكرسيين والتجاؤا الى القسطنطينية حيث مكثوا هم وخلفاؤهم من بعدهم الى ان استعاد المسلمون بلاد الشام
وكانت مدينة انطاكية قد دمرت خلال استعادة المماليك لها عام 1268م وتحولت اثر ذلك الى قرية صغيرة مما اضطر بطاركتها الملكانيين العائدين من القسطنطينية الى ان يتخذوا مقرا لهم في مكان اخر وقد وطدوا انفسهم مع الوقت في دمشق كبرى مدن الشام خلال دولة المماليك ومن بعدها الدولة الغثمانية
ويبدو ان دمشق اصبحت المركز الدائم لهؤلاء البطاركة ابتداء من عام 1375م او بعده بقليل
اما مسيحيو الشام من غير الملكانيين فكانت القضية لديهم مختلفة فما ان وطد الفرنجة انفسهم في البلاد حتى بدات الكنيسة اللاتينية بمركزها القوي تطور علاقاتها بهؤلاء المسيحين وقد كان رفض المذهب الارثوذكسي في صفوفهم قد انبثق اصلا من مشاعر عداء موجهة تجاه بيزنطة القريبة لا روما البعيدة مما جعلهم ينصاعون بسهولة الى المفاتحات اللاتينية واعتبر الفرنجة اهم الفرق المسيحية الشرقية وغير الملكانية اليهم هم الارمن ومن بعدهم الموارنة
ووضعت هاتان الفرقتان بدورهما جميع امكاناتهما وبارادتهما المحضة في خدمة الفرنجة
عند وصول الحملة الصليبية الاولى الى الشام كانت جاليات من الارمن قد استوطنت بين اليعاقبة والنساطرة في منطقة الرها وبين الملكانيين واليعاقبة في منطقة قيلقية المحيطة بخليج الاسكندرون
وكان البيزنطيون من القرن العاشر الميلادي قد شجعوا هجرة الارمن الى هذة التخوم ليساعدوا في تحصين مواقعهم الدفاعية تجاه المسلمين
وعندما حاصر الفرنجة مدينة انطااكية عام 1098م بادر الارمن الى مساعدتهم في الاستيلاء عليها كما ساعدوهم في الاستيلاء على الرها في العام ذاته وكان الموارنة عند بداية الحروب الصليبية قد توطدوا في اعالي جبال لبنان الشمالية وكان يوجد بين الموارنة من رفض حكم الفرنجة وثار عليهم بين الحين والاحر الا ان ذلك لم يغير من موقف الفرنجة تجاه الموارنة عموما
ويبدو ان البطريركية اللاتينية في انطاكية كانت اكثر نشاطا من بطريركية اورشليم ولذلك كانت الكنيسة الانطاكية هي التي بلت جهودا بشكل خاص لاجتذاب الطوائف المسيحية الشرقية الى حظيرة روما
وسرعان ما بدات النتائج الايجابية لهذا النشاط بالظهور في شمال الشام وبلاد ما بين النهرين حيث ابدى بعض اليعاقبة والنساطرة من المسيحين المتكلمين بالسريانية استعدادا لاعتناق المذهب الروماني الارثوذكسي واعلان ولاءهم لباباوات روما
وكان من بين هؤلاء اليعاقبة والنساطرة رجال من قادة الكنيستين ولكن النجاح الاكبر الذي حظيت به الكنيسة اللاتينية كان بين الارمن في شمال الشام وقليقية
وما ان جاء العقد الرابع من القرن الثاني عشر الميلادي حتى دخلت الكنيسة الارمنية جملة وبقيادة جاثليقيها في شراكة دينية رسمية مع روما
كما ان الموارنة لم يوافقوا على التخلى عن بدعة المشيئة الواحدة الا نحو عام 1180م
استمر الاتحاد بين الكنيسة الارمنية ولاوما حتى خلروج الفرنجة من بلاد الشام ثم فترت العلاقة بين الكنيستين حتى انقطعت تماما عام 1345م
في الوقت ذاته توقف اليعاقبة والنساطرة عن مفاتحاتهم لروما
وفي عام 1439م دعا البابا اوجانيوس الرابع بطريرك القسطنطينية وسائر رؤساء الكنائس المسيحية في الشرق لحضور مجمع خاص في مدينة فلورنسة بشمال ايطاليا للنظر في امكانية ردم هوة الانشقاق بين الكنائس الشرقية وخصوصا الكنيسة البيزنطية وروما
اما الطائفة المارونية فبقى الباباوات الى وقت يعتبرونها طاءفة خرجت عن المذهب الارثوذكسي في بداية امرها وبقيت على ضلالتها مدة خمسة قرون الى ان عادت الى الارثوذكسية من خلال التحاقها بروما
فصار من ثم بطاركتها يستمدون شرعيتهم الرسولية ليس من اسلافهم الخارجين عن الارثوذكسية بل من الباباوات الرومان وذلك من خلال ما يسمى التثبيت ولا يزالون يتسلمونه من روما بعد ان ينتخبون الى السدة البطريركية من قبل اساقفة طائفتهم
وقامت حركة الاصلاح الديني في الغرب بقيادة مارتين لوثر 1517م وحرج اتباع هذة الحركة عن الكنيسة الرومانية لينتظموا في كنائس محتجة
وفي عام 1534 م ذهرت رهبنة جديدة اسسها القديس اغناطيوس ويعرفون بالاباء اليسوغيين لكونهم رهبانا وكهنة مرسومين في الوقت ذاته
وفي عام 1529 جاءت حماعة الرهبان الكبوشيين وسرعان ما حل اليسوعيون والكبوشيون محل الفرنسيسكان كاهم المبشرين الكاثوليكين في بلاد الشام فصاروا اهم الوسطاء الرئسيين بين روما والكنيسة المارونية وذلك ابتداء من القرن الاول للحكم الغثماني 1516-1918
وفي عام 1736 عقد مجمع ماروني ثاني في دير اللويزة ونتيجة لذلك برزت الكنيسة المارونية بعد ذلك العام ككنيسة متحدة اتحادا كاملا مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ومحافظة في الوقت نفسه على طقسها السرياني الانطاكي وعلى تقاليد وانظمة خاصة بها
ظهور الكنائس الكاثوليكية الاتحادية :
استمرت الكنيسة المارونية متحدة مع روما دون انقطاع منذ القرن الثاني عشر الميلادي فشكلت مثالا احتذى به اخرون من مسيحي بلاد المشرق في وقت لاحق
وذلك لاسباب تختصر بما يلي :
في زمن حكم المماليك لمصر والشام 1250-1517م ضمنت دولتهم حرية الغبادة لغير المسلمين من رعاياها فاعترفت بالمذاهب المختلفة المنتشرة بين المسيحين واليهود الخاضعين لحكمها
وعندما حل الحكم الغثماني 1517-1918م تغير هذا الوضع
اذ ان الدولة العثمانية في الاستانة حصرت اعترافها حتى اواسط القرن التاسع عشر الميلادي بثلاث ملل فقط من غيرالمسلمين
فاتبعت الطائفة السامرية الصغيرة في فلسطين بملة اليهود موكلة الادارة الدينية والامور القضائية الخاصة بهذة الملة الى الحاخام الاكبر في الاستانة
ولم تعترف الا بملتين بين المسيحين : ملة الروم الشاملة لاتباع المذهب الارثوذكسي البيزنطي في جميع البلاد وعلى راسها بطريرك الكرسي القسطنطيني وملة الارمن
والملة الثانية هذة لم تضم الارمن من الطائفة الغريغورية فحسب بل ضمت كذلك جميع الطوائف ذات الطقس السرياني من يعاقبة ونساطرة وموارنة والسلطة الادارية على الجميع كانت الجاثليق الارمن
هذا النظام العثماني للملل غير الاسلامية ولد مشاعر عميقة من السخط وعدم الرضى في صفوف الطوائف المسيحية غير المعترف بها او باستقلالها الكنسي في العراق والشام عدا الموارنة
اذ ان الموارنة بسبب اتحادهم مع روما كانوا يتمتعون بدعم من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وبحماية من الدول الاوربية الكاثوليكية مما
جعلهم لا يابهون بتصنيف الدولة العثمانية لهم في جملة ملة الارمن
بيد ان النساطرة واليعاقبة استاؤا من هذا التصنيف اشد الاستياء لكون الجماعتين مختلفتين عن الارمن في العرق واللغة
وبالرغم من كون اليعاقبة مشتركين مع الارمن في مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح
وما ان لاحظ المبشرون الكاثوليكيون في العراق والشام مشاعر الاستياء لدى هاتين الطائفتين من وضعهما في الدولة العثمانية حتى سارعوا الى عرض المخرج لهما
وهو الاقتداء بالموارنة والدخول في اتحاد مع روما يغنيهما عن الاعتراف الغثماني بهما ويعطيهما اكثر من ذلك
وكان من الطبيعي ان يستاء المسيحيون الملكانيون ايضا في الشام كما في مصر من النظام العثماني للملل
ولكن النجاح الاكبر للمبشرين الكاثوليكين كان في اقناع الناقمين على النظام الملي من النساطرة واليعاقبة والغاضبين من السيطرة اليونانية على الكرسي الانطاكي والكرسيين الاسكندراني والاورشليمي من الملكانيين بالدخول في طاعة الكرسي الباباوي في روما دون التخلي عن انظمتهم الكنسية التقليدية او عن طقوسهم الخاصة سريانية كانت او يونانية
وهكا انقسم اتباع كل من هذة الطوائف الشرقية الثلاث الى فرعين : فرع اتحادي قبل بطاعة روما وفرع لم يقبل فبقى على حاله
وانقسمت الكنيسة الملكانية الانطاكية الى كنيستين لكل منها بطريركها الخاص :
كنيسة ملكانية غير اتحادية معترف بها من الدولة العثمانية عرف اتباعها باسم الروم الارثوذكس وكنيسة ملكانية اتحادية تنعم بدعم من روما ومن الدول الاوربية الكاثوليكية علاف اتباعها باسم الروم الكاثوليك
والحكومة الغثمانية لم تعترف باي كنيسة اتحادية اخرى حتى عام 1839
الانشقاق بين السريان الكاثوليك والارثوذكس :
اما التحول الحقيقي الذي سبب الانشقاق بين السريان الكاثوليك والسريان الارثوذكس في صفوف الطائفة اليعقوبية فقد حدث عام 1606 م عندما انتخب كاهن يعقوبي معتنق للمذهب الكاثوليكي اسمه اندراوس اخيجان اسقفا للطائفة اليعقوبية في حلب وتبع ذلك مرحلة تعرض فيها اتباع الاسقف اخيجان من السريان الكاثوليك للاظطهاد على يد السريان الارثوذكس وهم اليعاقبة الذين رفضوا الاتحاد مع روما ففقدت جماعة الروم الكاثوليك تماسكها الكنسي مدة قرن تقريبا
وبعد ذلك اعيد تنظيم الكنيسة السريانية الكاثوليكية عام 1782 بقيادة ميخائيل جروه الذي انتخب بطريركا لها في ذلك الوقت وجعل البطريرك جروة مقر رئاسته في دير الزعفران قرب بلدة ماردين ببلاد الفرات
:حركة التحول الى الاتحاد في العراق :
اما في العراق فكانت حركة التحول الى الاتحاد مع روما بين النساطرة من مسيحي البلاد اقدم مما كانت عليه بين المسيحين الشاميين والمصريين
كان للكنيسة النسطورية العراقية فرع ناشط في جزيرة قبرص منذ زمن فارسل نساطرة هذة الجزيرة ممثلون عنهم لحضور مجمع فلورنسة عام 1439م
كما فعل بطريرك اليعاقبة بهنام الهدلي وفعل ممثلو نساطرة قبرص ما فعله ممثل البطريرك الهدلي في ذلك المجمع فاعتنقوا المذهب الروماني الكاثوليكي واعلنوا خضوعهم للكرسي الباباوي وصاروا بعد ذلك يسمون بالكلدان
ليتميزوا عن النساطرة الذين رفضوا الالتحاق بروما مطلقين على انفسهم اسم الاشوريين وعلى كنيستهم اسم الكنيسة الارثوذكسية الاشورية
وفي العام 1551 قام البابا يوليوس الثالث بتعيين اول بطريرك للكنيسة الكلدانية واصبح لقب رؤساء هذة الكنيسة فيما بعد بطريرك جاثليق بابل والكلدانيين
والجدير بالملاحظة ان الكنيسة الكلدانية هي الكنيسة الاتحادية الوحيدة التي اصبح عدد اتباعها مع الوقت يفوق بل ويفوق بكثير عدد اتباع الطائفة من الفئة غير الاتحادية التي انفصلوا عنها في الاصل .
CHRISTIANITY IN THE ARAB WORLD