نسمع هذا المثل الشعبيّ منذ أن كنّا صغارًا ، وهو يعبّر عن خبرة
وحكمة شعبنا البسيط . لا يمكن لأحد أن يدرك ما هي الأبعاد التي
يمكن أن يأخذها هذا " الخير" مهما بدا بسيطًا ، وكم من الأشخاص
يمكن أن يساعد .
تؤكّد القصّة التالية التي سنرويها .. حقيقة هذه الحكمة الشعبيّة :
كان في أحد الأيّام فلاّح فقير يعمل في حقله عندما تناهى إلى
أسماعه صوت طفل يبكي ويصرخ طالبًا المساعدة .
ترك أدواته وعمله على الفور وهرع بأقصى سرعة باتّجاه الصوت .
فإذا به يرى طفلاً صغيرًا يرتجف من الخوف والرعب ، غارقًا حتّى
وسطه في حفرة عميقة موحلة ، يتخبّط داخلها
محاولاً الخروج منها دون جدوى .
لم يتردّد الفلاّح لحظة عن مساعدة الطفل ، وبعد جهد كبير،
تمكّن من إخراجه من الحفرة وإنقاذه من موت محتّم كان
سيصيبه ، على الأقل نتيجة ذعره الشديد .
وفي اليوم التالي ، توقّفت عربة فخمة يقودها حصانان أمام
حقل المزارع الفقير، وإذا برجل من طبقة النبلاء يقترب إليه
مقدّمًا نفسه على أنّه والد الطفل الذي
أنقذ الفلاّح حياته بالأمس .
- أريد أن أكافئك على عملك وإنقاذك لطفلي ،
فاطلب ما شئت من المال وسأقدّمه لك .
- لا .. أبدًا لن أقبل منـكَ أيّ مال ! ...
في تلك اللحظة بالذات خرج طفل صغير بثياب رثّة من الكوخ
الفقير الذي كان في الحقل ... كان آبن الفلاّح .
- هل هذا هو ابنك ؟
- نعم . أجاب الفلاّح بابتسامة فخورة .
- حسنًا إذًا ، سنعقد اتّفاقيّة فيما بيننا . اسمح لي أن أساعد
طفلك في تعليمه ، كما ساعدت أنتَ طفلي .
سأتكفّل بتعليمه وسأقدّم له المستوى التعليميّ نفسه الذي
أقدّمه لولدي .. وإذا كانت أخلاقة حميدة مثل أبيه ، فمن
المؤكّد أنّه عندما سيكبر سيحقّق شيئًا عظيمًا يجعلنا نحن
الاثنين فخورين به .
وهذا ما حدث بالفعـل ! . تلقّى ابن المزارع دروسه في
أحسن المدارس ، حتّى تخرّج من كلّيّة الطب المشهورة في
مشفى القدّيسة ماري في لندن .. إنّه مَن أصبح في ما بعد
معروفًا في العالم بأسره باسم ألكسندر فلمنج ، أبو البنسلين .
بعد مضيّ العديد من السنوات ، أصيب ابن الرجل الغنيّ
بمرض شديد في الرئتين . فمن أنقذ حياته هذه المرّة أيضًا ؟
إنّه البنسلين ... كان ذلك الرجل الغنيّ هو اللورد راندولف
تشرشل ، أمّا ابنه ، فكان السير ونستون تشرشل رئيس وزراء
انكلترا خلال الحرب العالميّة الثانية .
أحبّاءنا ، لا يذهب شيء عند الله سدىً . اذكروا فلس
الأرملة كم كان له قيمة كبيرة في عينيّ الله .
كلمة " يا ربّ ارحم " التي نردّدها ، أو شمعة صغيرة قد
نشعلها لأجل شخص ما ، أو دمعة نذرفها ،
كلّ منها له قيمته . لا شيء يضيع عند الله، بل يراه
ويقدّره .. كلّ منّا مسؤول بشكلّ خاصّ عن كلّ ما يحدث
في العالم ، حتّى في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو
غير هامّة .. نحن مسؤولون ليس ، فقط ، عن الشرّ الذي
نصنعه ، إنّما ، أيضًا ، عن الخير الذي لم نصنعه .
فالخير الذي قد نفعله أو لا ، له نتائج لا يمكن تخيّلها .
منقــــــولة ~