الخرافة والاسطورة ما بين العقل والقلب

المحرر موضوع: الخرافة والاسطورة ما بين العقل والقلب  (زيارة 866 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل اوراها دنخا سياوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 185
    • مشاهدة الملف الشخصي
الخرافة والاسطورة ما بين العقل والقلب


منذ نشأة البشر على هذه الخليقة دار صراع ما بين عقله وقلبه. صراع يؤكد تفوق القلب ولفترات طويلة على العقل الذي ظل دوره وتطوره بطيئاً ومحصورا بالالتزامات المعيشية. التزامات جعلته ملزم بتطوير حياته المادية عن طريق استخدام عقلة من دون الولوج في الروح او القلب منعاً للتصادم ما بينهما وتجنباً لانهيار شخصه نتيجة العمل العكسي الذي يقومان به في بعض الاحيان، وهذا بالطبع ليس دائما، فمن الممكن جدا ان يعمل العقل والقلب بكل توازن لبناء الانسان وتطوره.
   ومنذ بد الخليقة وبداية نشوء الحضارات راح الانسان يفكر بعقله لمعرفة كيف نشأ الكون ولماذا نحن فيه، وعلى هذه الارض بالذات ؟ وهل نحن فقط الوحيدين فيه ؟ اسئلة حيرت عقله، جرّته وبطريقة عفوية، الى استخدام قلبه ايضاً واقحامه في تساؤلاته... اقحام كانت له نتائج مزدوجة، ايجابية وسلبية، في حياته على هذه البسيطة.
 ومع مرور الزمن وتطور عقله، حاول الانسان فك طلاسم هذا الكون، فأخذت عملية البناء العاطفي والقلبي تنتقل الى راسه، لتمتزج مع العقل، ولتحكي قصصاً واساطيراً من نسج خياله الواسع، في محاولة لشرح او الاجابة على تساؤلاته، واقناع نفسه بنفسه بهذه التخيلات، من دون الرجوع الى اي دلائل مادية عقلانية ملموسة، حيث التف القلب على العقل من خلال استخدام العقل نفسه للترويج لما يمليه عليه قلبه. فكانت الحكايات والقصص والاساطير قد اخذت من الانسان اهتماماته ونقلته نقلة نوعية الى طريق الارتماء بين احضان ابطال الاساطير التي سطرها بيده وبقلبه عن طريق عقله، في سابقة فريدة اراد بها اقناع نفسه بصحة رؤياه. رؤيا تمكنت من شعوب الارض وسيطرت على قلبها لتغالي بها ولتضيف اليها حتى الخرافة وبالتالي تتجذر في الانسان نفسه لتصبح موروثاً من جيل الى جيل.
وحتى لا (نتفلسف!) اكثر من هذا، نطرح اساطيرنا السومرية والاكدية والبابلية والآشورية امثلة على ما ذكرناه، ومدى تأثيرها على حياة شعوب هذه الارض. فالطوفان وملحمتها، والاينوما ايليش واسطورتها، بالإضافة الى العديد من الحكايات والاساطير غيرت مفاهيم الانسان على هذه الارض، وجعلته ينقاد ويؤمن ومن حيث لا يدري، الى جوهر هذه الاساطير، حيث الآلهة التي خلقت هذا الكون والتي يجب الخضوع لها وتمجيدها وحتى فرضها بالقوة على البقية. آلهة جرى اختزالها مع الزمن، فمن انو وانليل وكي وانكي وعشتار وسين وشمش وتموز وآشور ومردوخ و.. و.. و.. الى حيث جرى دَغْمِها في اله واحد دُعي يهوّه... ايلوهيم ... ومن ثم صار الله... الله الاله الواحد الاحد والاكبر، وملك السماء والارض وكلما يرى وما لا يرى... وهو ابونا وحبيبنا الذي لم نراه، والذي صرنا نتقاتل عليه ومن اجله ونحن لا نزال لم نراه وسنستمر في القتل والقتال لأجله كلما ازدادت اوهامنا وتعددت مشاربنا بالرغم اننا لن نراه...وهنا يحضرني سؤال عن كلمة النكرة التي يطلقها بعض الكتاب (المؤمنين بالله الذي لم يروه!) على من ليس من ركبهم من الكتاب، ولمجرد انهم لم يروهم، او يعرفونهم، او لهم صور مرفقة بكتاباتهم. ما هو موقع الله من كلمة (نكرة!) التي تتغنون بها وانتم تؤمنون بكتبه التي لم يرفق الله صوره بها ؟! مجرد سؤال مثير فوق العادة ارجو ان لا اتهم به ككافر وملحد وهرطوقي !!
  لقد ظل الخالق مثار جدل ما بين الانسان نفسه، وظل الخوف من المجهول ما بعد الموت السبب الرئيسي الجاذب والمقود الى الايمان به. المجهول الذي بنيت عليه اسس الرهبة والخوف من خلال خرافات التخويف والترغيب والترهيب. خرافات اختلقها الانسان ليفرض، وبالقوة نظريته وفكره وبالتالي إلهه على اخيه الانسان وليعزز سطوة الخرافة والاسطورة في كيان الانسان وليوصلها للعظم ومن جيل الى جيل.

  المشكلة في عالمنا الشرقي هي حتى وبعد اكتشاف الحقيقة، حقيقة كيفية نشوء الدين ومن اي مصدر، لم يصبح الاقرار بها، لتأصل وتجذر المفاهيم السابقة ووصولها للجينات. لقد كان الرازي الذي اضطهد واتهم بالكفر والهرطقة، من الاوائل الذين وقفوا ضد الاديان فقد كان ربوي، اي يؤمن بالرب فقط، ويقول ان الله لا يمكن ان يفاضل بين انسان واخر او شعب واخر وهو العادل الحكيم، كان هذا قبل مئات السنين وقبل ان يُكتَشَفْ ان اساس الديانات الثلاثة هو نابع من الاساطير السومرية. عجبي كيف كان الرازي سيتصرف حينئذٍ وهو يعرف الحقيقة غير المعروفة في حينها؟

 على عكس العالم الغربي الذي بدا ويبدو مستعدا للنهضة الفكرية، والتخلي عن مصادر الخرافة والاسطورة كمصادر عقلانية، بل اتخاذها كموروث شعبي ادبي ساعدها ويساعدها على فهم تاريخهم. فبعد اكتشاف الواح ملحمة الطوفان الطينية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والوقوف على كيفية كتابة التوراة والتعاليم اليهودية الذي استندت اليها المسيحية والاسلام حصل تغيير من حيث تبعية الاوربيين للمسيحية، هذا بالإضافة الى ما عانته أوربا من سلطة الكنيسة، واخذت تنكمش دائرة الايمان وصار الانسان الغربي يؤمن بنفسه اكثر، واصبحت لوائح حقوق الانسان معول عليها اكثر من اللوائح الكنسية، وصارت الكنيسة محطة روحية فقط للراغبين في تهذيب الروح من دون ضغط او اجبار، وبذلك فقدت السلطة الدينية سطوتها التي استمرت لعقود.

 اما في عالمنا الشرقي فيبدو اننا لسنا مستعدين بعد لمثل هكذا نهضة، لكننا مستعدين لنهضة فارغة مثل نهضة (ساندييغو وديتروت!) تنخر في شعبنا وتدق الاسافين بينه. اقول لسنا مستعدين بعد الى نهضة الفكر والعقل والايمان بالعقل، بل مستمرين في الايمان بما آمن به ابي وجدي وجد جدي ايمان القلب المستند على قلب ابي وجدي، حتى ولو كان مملوءً بالخرافات والاساطير التي باتت متأصلة فينا الى درجة اننا اصبحنا نخاف تعليم الحقيقة. فعلى سبيل المثال، من الحقائق التاريخية التي لا يقبل بها قلب المؤمن، هي حقيقة ان قصة حياة الملك سرجون الأكدى تتطابق مع قصة حياة النبي موسى، مما يجعلنا في ان نستخدم العقل في كيفية حصول هذا التطابق؟ علما ان قصة حياة سرجون كتبت قبل كتابة التوراة بكثير. لقد اصبحت مثل هذه الاحداث (الاسطورية!) ثوابت في تربيتنا الروحية والقلبية، مما يجعلنا ننظر الى هكذا مؤمنين الى مؤمنين بسطاء...

في الختام لا يسعنا الا ان نقول ان الايمان بالعقل يقوي القلب ويثبت اسس العقيدة ويرسخها لدى المؤمنين... وبارك الله بكل مؤمن يستخدم العقل لتثبيت الايمان القلبي.

اوراها دنخا سياوش