مقتدى الصدر يـُطلق الحياة السياسية... فهل طلقها بالثلاث !

المحرر موضوع: مقتدى الصدر يـُطلق الحياة السياسية... فهل طلقها بالثلاث !  (زيارة 1975 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عماد هرمز

  • اداري منتديات
  • عضو فعال جدا
  • *
  • مشاركة: 278
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مقتدى الصدر يـُطلق الحياة السياسية... فهل طلقها بالثلاث !

عماد هرمز

ملبورن - استرليا


فاجئ مقتدى الصدر في منتصف شهر شباط الماضي العالم بقرار اعتزاله العمل السياسي وغلق مكاتب الفروع التابعة لتياره، تيار الصدر، الممثل برلمانيا بكتلة الأحرار مع الإبقاء على كل المؤسسات الأخرى، الإعلامية والخيرية والتعليمية والصحية التي أسسها أو يرعاها هذا التيار. فهو القائد الأعلى أو الوريث الوحيد لمؤسسة الشهيد الصدر العريقة في العراق وهدد باتخاذ الإجراءات القانونية واللجوء إلى القانون ضد كل من يخالف هذا القرار.

قبل المضي قدما في الحديث عن الأسباب التي كانت وراء اعتزال هذ القائد الذي أكن له جزيل الاحترام خصوصا ً بعد موقفه المساند للمسيحين في الأزمات والهجمات الإرهابية التي تعرضها لها الشعب المسيحي في العراق، وبغض النظر عن الأسباب التي دعته إلى اتخاذ مثل هكذا قرار لابد من الإشادة بموقف الصدر هذا الذي اعتبره موقف شجاع وجريء خصوصا وأنه يأتي من شخص له قاعدة شعبية كبيرة ومتأصلة في البلد. ففي أيامنا هذه والساسة يتقاتلون على منصب لكي يحصلون على ما يدره عليهم من منافع مادية واجتماعية، يأتي قائد مثل الصدر ليعلن بأنه طلق السياسة والعمل السياسي والاعتكاف على العمل الديني وقرر عدم تدخله في السياسة نهائيا وعليه ناشد كل من يعمل باسمه أو حركته التوقف عن ذلك. واتخاذ مثل هكذا موقف يتطلب شجاعة نادرة وتضحية كبيرة ولأتنجم إلا عن شخص يؤمن بمبادئ وقيم سواء كانت دينية أو فلسفية أو اجتماعية وأن هذا الشخص لا يتردد لحظة في التخلي عن كل المناصب والألقاب والامتيازات والمنافع والمراكز التي يجنيها منها في سبيل تلك المبادئ.

ورغم تصريح سماحة مقتدى الصدر بالأسباب التي دعته إلى الاعتزال السياسي إلا أن الأسباب كانت مجرد تصريح عام وكانت غامضة ومبهمة بعض الشيء حيث لم يتطرق إلى التفاصيل ولم يتهم أي جهة معينة، ما عدى حكومة المالكي، فلم يذكر أسماء أيا من السياسيين ولم يحدد هوية الجهة السياسية التي لمح إليها في تصريحه. بالإضافة إلى إنها كانت مشحونة بمشاعر الغضب والإحباط والشعور بالغبن وبأنه ضحية نظام سياسي. مع ذلك حتى وإن كانت صريحة جدا ً فلا يمكن القول بأنها ستكون الأسباب الحقيقية وراء تخلي الصدر فالصراحة لا تعني الحقيقية الكاملة في المجال السياسي. فمن غير المألوف أن يصرح أي سياسي بالأسباب الحقيقية وراء اعتزاله العمل السياسي رغم أنهم يبدون صريحين في طرحهم فنرى بأنه عندما يتخلى سياسي عن منصبه سواء كانت عن طريق تقديم استقالة رسمية من منصب سياسي أو اعتزال سياسي كامل لأسباب قد تكون شخصية أو انسحاب من العمل السياسي لا فساح المجال للغير أو غيرها، لا يصرح السياسي بتفاصيل الأسباب ويتعمد الكثير على أن تكون عامة وغامضة ومبهمة لكي لا يعطي فرصة للأخرين في استنباط أي أفكار منها لكي لا يتعرض للنقد من قبل زملائه ورفاقه في السياسة أو لتجنب الهجوم الإعلامي وعليه مهما صرح السياسي بأسبابه وأعلنها على أنها الأسباب الحقيقة إلا أنها لن تكون الأسباب الرئيسية أو الأساسية. ولأن الشعب لا يعرف ماذا يجري في الدهاليز السياسية ووراء الستار وبين طاولات البرلمان، عليه وفي أحيان كثيرة تنطوي ورقة ذلك السياسي من دون معرفة السبب الحقيقي لاعتزاله للسياسة الذي تكون له نهاية مفتوحة ويبقى الأمر قابلا ً للتأويل والتحليل والتفسير ويجاهد العاملين في مجال السياسة أو المفكرين أو الكتاب القراءة ما بين السطور وتحليل الوقائع لاستنباط الحقائق من تصريحات القادة السياسيين أو السياسي المعتزل أو غيرها من الوسائل.

وبالطبع وطالما كان لسماحة مقتدى الصدر تيار سياسي فقد ينطبق عليه موضوع الصراحة والحقيقة وعليه يمكن القول بأن الأسباب المعلنة لاعتزال مقتدى الصدر عن السياسة تختلف عن تلك التي يراها البعض وخصوصا ً المقربين منه. وبحسب المقربين فإن  الصدر يود التركيز على الجانب الديني ويحاول تثقيف نفسه دينيا وبالطبع اختار الصدر المدرسة الإيرانية التي لها باع طويل في موضوع التشيع والمدرسة الشيعية والأهم وجود خامنئي كقائد روحي ومرجعية شيعية كبيرة في هذا المجال.  ويقول المقربين بأن الصدر يرغب في أن يصبح يوما ما هو أيضا ً مرجعا ً دينيا كبيرا، كما كان جده ووالده، يُلجأ إليه الشيعة للحصول على مشورته ونصائحه وتفسيراته الدينية وبالطبع إتباع فتاواه التي يكون وقتها مؤهل للإفتاء في أمور الدين والحياة وعليه كان لابد من الصدر التفرغ لهذا الأمر وباعتقادي قام الصدر باستغلال الخلافات السياسية التي بينه وبين القيادة السياسية في العراق وخصوصا ً رئيس الوزراء السيد نوري المالكي لتكون المخرج والمنفذ له من العمل السياسي. بالطبع أن يصبح الشخص مرجعا ً دينيا فهذا منصب رفيع جدا ًيحلم به الجميع لأنه ارفع منصب اجتماعي وديني وسياسي لما له من سلطة دنيوية واسعة وتأثير قوي على القرار السياسي والاجتماعي في أي بلد لأنه وقتها لن يخضع له فقط رجال الدين أو اتباع تعاليمه أو مدرسته الدينية بل ستمتد سلطته وسطوته وتأثيره خارج الحدود الدينية لتشمل الأمور السياسية و وقتها يجب على الساسة الذين يريدون الوصول إلى السطلة أو البقاء فيها أن يظهروا له الطاعة والاحترام وإلا بفتوة أو تصريح واحد منه ممكن أن تقلب الأمور على أعقابها وينتهي مستقبل ذلك السياسي.

دعونا نتفحص الأن أسباب اعتزال سيد مقتدى الصدر عن السياسة. وليس الهدف من القيام بذلك هو لاكتشاف الأسباب الحقيقة وراء اعتزاله العمل السياسي بل ما أود معرفته هو الوضع السياسي الراهن في العراق حيث باعتقادي بأن تصريحه له مدلولاته السياسية والاجتماعية ويكشف عن بعض خفايا الوضع السياسي والاجتماعي في العراق. يقول سماحته في بيانه الذي نشر على موقعه الإلكتروني، موقع المكتب الخاص لسماحته، "... ومن منطلق انهاء كل المفاسد التي وقعت أو التي من المحتمل ان تقع تحت عنوانها وعنوان مكتب السيد الشهيد في داخل العراق وخارجه". في رأي هذا الجزء من التصريح يعكس حجم الفساد الإداري والمالي الذي ينتشر ليس في أرجاء وأروقة مكاتب السياسيين وبنيات أحزابهم الفخمة بل استفحل الوضع وانتشر الوباء ليشمل أيضا ً المؤسسات الدينية ومنها مؤسسة الصدر المشهود لها بنضالها السياسي وبكونها احدى مرجعيات الشيعة المهمة في العراق. وإذا تمادينا أكثر في تحليلنا فيما ذكره الصدر في جزئية بيانه هذه فأننا سنكتشف بأنه لا يدل إلا على فقدان سماحته لسيطرته على الأفرع السياسية لتياره المسمى بأسمة والتي امتدت إلى الخارج لتصل دول اخرى. فقدان السيطرة هنا لا يعني بأن الصدر فقد حكمه وسلطته على تلك المكاتب أو الفروع فهو لازال المدبر الأعلى لها وهو قائد العمليات في تلك الفروع ولكن الذي حصل هو أن الصدر وفي ظل تصاعد نسبة الفساد التي استفحلت في البلد بأكمله، لم يعد قادرا ً على السيطرة على نشاطات وفعاليات الأفراد الموالين له. فلم يعد قادرا على معرفة ما الذي يجري بالفعل في تلك الفروع والمكاتب من وراء ظهره. ويبدوا بأن الصدر قد اكتشف وجود تجاوزات عديدة سواء كانت على الصعيد المالي أو الاجتماعي أو الإداري واحتمال تحسسه بأن الفساد قد وصل أروقة مكاتب تياره وحركته السياسية.

وبسبب كبر واتساع قاعدة تياره كان من الصعب تحديد أو عزل مكتب أو فرع معين بسبب فساد القائمين عليه ويبدوا بأن الوباء قد أصاب العديد من المكاتب. وقرار مقتدى الصدر اعتزاله العمل السياسي لا يعكس إلا حجم المشكلة الكبيرة. فيبدوا بأن الفساد في تلك المكاتب قد كان كبيرا لدرجة أن رائحته النتنة قد فاحت ووصلت انفاس الصدر وكان لابد من إزالة مسبباتها والقضاء على مصدرها. والأهم والأخطر في ذلك هو أن رائحة الفساد النتنة هذه يبدوا بأنها وصلت مناخير أعداء الصدر من السياسيين ويبدوا بأن الساسة كان قد باشروا في استخدامها للطعن في مصداقية الصدر ونزاهة عمله السياسي وهذا ما أشار إليه الصدر في تصريحه عندما قال سماحته "ومن باب انهاء معاناة الشعب كافة والخروج من افكاك السياسة والسياسيين" بالإضافة إلى احتمالية حصول اختراقات قد تكون أخلاقية زيادة على الفساد المالي والإداري والسياسي وهذا معناه وجود حملة لتشويه سمعة مؤسسة دينية شيعية عريقة مثل بيت ’ آلـ صدر ‘وكان لابد من الصدر وعلى حد قوله " كونه الوريث للشهيد الثاني" أن يضع حدا ً لهذه المهزلة ليحافظ على سمعة ومكانة ونزاهة بيت آلـ صدر وهذا ما جاء في التصريح عندما قال " من المنطلق الشرعي وحفاظا على سمعة آل الصدر الكرام ولا سيما الشهيدين الصدرين (قدس الله سرهما)"  فما كان من الصدر إلا يغلق جميع الأبواب التي تأتي منها نتانة الفساد وهذا ما صرح به عندما قال " اعلن اغلاق جميع المكاتب وملحقاتها وعلى كافة الأصعدة الدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها" للحفاظ على نظافة أهل بيت آلـ صدر.  

وأيضا ً عزى مقتدى الصدر اعتزاله عن السياسة إلى سلوك وتصرف حكومة المالكي تجاه اتباعه أو غيرهم من الذين ينادون بحرية الرأي، حيث قال "جاءت حكومة تكتم وتكمم الأفواه وتقتل المعارض وتهجر أصحاب الألسن المعارضة لتملأ اسجون بهم وبكل مقاوم حاول تحرير بلده من دبابة الاحتلال أو طيارته. حكومة استأثرت لنفسها كل شيء ولم تعد تسمع لأي أحد على الإطلاق حتى صوت المرجع وفتواه وصوت الشريك وشكواه مدعومة من الشرق والغرب بما يستغرب له كل حكيم وعاقل".  لا يمكن تفسير هذا إلا على أن الصدر وكتلته النيابية "كتلة الأحرار" التي تضمن 40 نائبا ً من ضمنهم سبعة وزراء في حكومة المالكي، لم تعد لها صوتا مؤثرا في القرار السياسي العراقي لأن حكومة المالكي مدعومة من الشرق (إيران) والغرب (أمريكا) وهي قوية لدرجة أنها لم تعد تسمع حتى صوت المرجع وفتواه. ونستطيع القول بأن الصدر يحاول إيصال فكرة مفادها، إذا كانت كتلة سياسية مثل كتلة الأحرار المدعومة بقاعدة شعبية كبيرة ومرجعية دينية عريقة مثل بيت الشهيد الصدر غير قادرة على المشاركة في القرار السياسي للبلد فما فائدتها من البقاء وخصوصا ً بأن أولئك النواب قد يكونوا قد تعرضوا إلى ابتزاز أو ملاحقة أو سجنوا بسبب موقفهم المعارض للحكومة أو تعرضوا إلى إغراءات من قبل حكومة المالكي فاشتراهم ولم يعودوا بالقادرين على التعبير عن صوتهم.

 على كل حال مهما كانت الأسباب وراء اعتزال السيد مقتدى الصدر للسياسة فأنا احيه على موقفه وأرجوا أن يتبعه الأخرين بهدف تنظيف الساحة السياسية العراقية من الفساد المالي والإداري والاجتماعي والأخلاقي. ولا نعرف ما إذا كان طلاق سماحة السيد مقتدى الصدر للسياسة هذه المرة هو طلاق بالثلاثة لكيلا يعود مرة أخرى على مزاولة السياسية أم هو طلاق بالواحدة وسيعود مرة أخرى ليتنازل عن قراره ويعاود اللعب في السياسة كما فعلها في شهر أب / أغسطس من عام 2013 عندما أعلن وقتها الاعتزال عن السياسة وبعدها عدل عن قراره وعاد إلى الساحة السياسية.