فاعلية الخطاب الأسطوري في قصيدة (نشيد سومر الأول) لبهنام عطاالله/ الناقد بشير ابراهيم احمد


المحرر موضوع: فاعلية الخطاب الأسطوري في قصيدة (نشيد سومر الأول) لبهنام عطاالله/ الناقد بشير ابراهيم احمد  (زيارة 2598 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قراءة
فاعلية الخطاب الأسطوري
في قصيدة (نشيد سومر الأول) لبهنام عطاالله




بشير إبراهيم أحمد
كلية التربية الأساسية/ جامعة الموصل

لاشك أن الشعراء المعنيين بالأسطورة وفاعليتها، كعنصر بنائي يتشكل في نصوصهم ضمن خطابهم الشعري من خلال بعض المفردات والتراكيب والأخيلة الأسطورية محاولة في تكريس خطابهم الشعري، الذي ينصهر في بوتقة الأسطورة مشكلاً خطاباً أسطورياً على مستوى اللغة والدلالة(1), إذ أنها إحدى تقنيات الشعر الحديث لإثراء النص الشعري بمعان أكثر عمقاً وترك فسحة كبيرة للقارئ ليتمكن من فك تراكيب القصيدة ذات المنحى الأسطوري.
فالشاعر يحاول أن يبحث عن العالم الذي يعيده إلى شيء من طبيعته الأولى, يلائم فيه تجسيد البدائي لتأمله وطموحه في إعادة خلق عالمه ليجد من الأسطورة عودة متشكلة فيها ليحاكيها ويتنفس سحرها ويستلهمها ليعيد بناء العالم الذي يُنشده(2), فالخطاب الأسطوري في صميمه شعري لأنه موقف صراع دائم بين الإنسان وبين الوجود(3), فمن هنا كان إستلهام الأسطورة وإحتواؤها مضامين؛ يثري النص الشعري ويضفي عليه دماً جديداً, يعكس النظرة الإنسانية للحياة بكل تناقضاتها وصولاً إلى عالم يفجره الإستلهام ويصوره توظيف الخطاب الأسطوري وفاعليته تجاه المتلقي(4), لأن الشاعر يلتجئ إلى الأسطورة وفاعلية خطابها بإعتبارها أعلى مراحل الرمز تمكنه من بعث خطاب إلى المتلقي.
إذ أن الأسطورة هي حكاية مقدسة تتسم بأنها ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الإنسان(5), فيعمد الشاعر من هنا إلى أن يعطي قوة اللمح الشعري عبر الخطاب الأسطوري وتوظيف الأسطورة بأكثر دفقاً في الأفعال(6), والحركة بمزج بعض الأساطير التي يمكن أن تعبر عن حالة معينة, وهذا ما تتوافر في القصيدة إذ نرى أن خطاب الشاعر بهنام عطاالله في قصيدته (نشيد سومر الأول) ضمن مجموعته الموسومة بـ (هكذا أنت وأنا وربما نحن) يبث من خلالها فاعليته إلى المتلقي:
منذ ستة آلاف شهقة ..
نزل الطل على ارض العراق
نهل منه آباؤنا
حلقت الملائكة فوق ذراه
دون (دموزي) علاماتنا البيضاء،
فوق مشاجب الحكمة والعقول
فانهمرت السدوم في ثراه
  *   *   *
منذ ستة آلاف زهرة،(7)
بتوظيف الأسطورة بما فيها (دموزي) الإبن المخلص أي رب الحياة والنمو في النخلة, ليوجه الشاعر هذا الخطاب من دون (دموزي) أحد حارسي بوابة السماء والمسؤول عن دورة الفصول, بنزول الطل على الأرض (أرض العراق) بتحليق الملائكة فوقها وما ينهله الآباء دون الآلهة (دموزي) وإشرافه على المراعي كونه إله الحظائر وتمثله بعنصر الذكورة في الطبيعة, لينفث هذا الهم وفاعليته عبر إدماج الآلهة (دموزي) وفقدانها, لتنهمر السدوم في الثرى ليتكاثف الخطاب إلى المتلقي ليتصوره ويتصور صورة النزول وتفاعله مع الأسطورة التي أعطت لمحة ورمزاً عن فاعلية هذا الخطاب والتحكم في عملية سير الخطاب وبثه في أكبر منطقة تلقي.
كانت أبوتنا تشرق
في أحداق الطين
تفتح بالقيثارة السومرية ..
بوابات المدن
وهي ترسل نورها على الأرضيين ..
طلاسم .. صولجانات .. شرائع
حملت الأرواح ، وهي تلهث
 من أعماق نطفة يبزغ منها (نمو)
أطرافه ...
ليبث الخطاب الأسطوري فاعليته عبر توظيفه للأسطورة (نمو) والتي ترمز للبعث والإنتشار في مصدر الأشياء, إذ ترمز للبحر الذي خرج منه الكون, إذ أنها أصل الأشياء, فالأبوة تشرق في أحداق الطين ترسل نورها على الأرضيين عبر أسطرته لــ (نمو) وبزوغ أطرافه فهو البحر الأول الذي خرج منه الكون.
يولد من علقه الكوني (انليل)
ليهب الماء والهواء ..
ويعصف بظلام الكون
   *    *    *
هنا إنفتحت شهية التاريخ … (8 )
ليولد من علقه الكوني(إنليل) بعدما تحركت في (نمو) إرادة الخلق وتصارعت الحركة مع السكون لينتج عنها تكون الكون (آن- كي) ليولد منه (إنليل) إله الهواء وهو إبن الإله (آن- كي) ليتفاعل الخطاب بعد توظيف أسطورتين مكملتين ليصوران فاعلية الحياة بصورة يتم عرضها أمام المتلقي تهب الماء والهواء بإنكشاف حياة جديدة تفتح شهية التاريخ لأسطرتها من جديد.
مهود .. أطالس.. مجنحات ..
تبرق في الوديان والسهوب
أيقونات ...
من محارق شمع
وصلصال وذهب
تسطر للطالعين نحو المعالي،
مواضع تختم ياخة
التاريخ بالأسرار
بطابع سومري
يئن تحت لهثات (نفر)
وظل الأسوار
تهدج (اورور)
بالخصب والنسل والثمار
فكان عراق الأزل ..(9)
كما هي الحياة الجديدة في مدينة (نفر) فهي تتوافق مع هذه الحياة الجديدة إذ أنها ترمز لأول مدينة سومرية على الأرض ليبث الخطاب فاعليته عبر أسطرته برسم أصل تكون الأشياء والعودة إلى الماضي وأصل تكونه (أورور) إله النسل والإخصاب, أي واهبة النسل لتتشكل عبرها صورة تكون المجتمع الأول في مملكة سومر والذي يشبهه الشاعر بالعراق الأزل.
من أحداقه أشرقت الأرض
بالمقل
هالة كونية تحيطها
العيون
وتحميها قلوب أهله
الطيبين
فانهمر (ايدسالا)
منفياً ...
في أرض (ما بين نهرين) ..
نقياً صافياً لـ (أوروك)
وهي تخرج من نفحة
الرضاعاتِ الأولى
ومن كشتبانات جداتنا ،
وهن يطرزن نور الوجود(10)
الذي أمد الحياة منه بنهر هذه المدينة (إيدسالا) منفياً في أرض ما بين النهرين نفياً صافياً لـــ(اوروك) مدينة البطل كلكامش ومركز الإله دموزي, لتستعاد تشكيل هذه الحياة إلى الأصل الأول أي رب الحياة والنمو من كشتبانات جداتنا وهن يطرزن نور الوجود.
على الجسور والترع والسدود
فانطلقت السواعد
من كهوف الانبثاق
 وسلالات الخلق ..
ساح (أود – كيب   – نون)
في السهول
يؤثث أمواجه ..
ويخط فوق  ُرقيم عراقي
عفره نبوخذ نصر
بزهو الولادات ..
مسلات سورت قلوبنا
بقنوات الروح
انهمر الخصب
في ارض بابل(11)
ليتكاثف هذا الخطاب  عبر إجتراره لكثير من الأسطرة منحته من أجل جعل المتلقي أكثر تصوراً وتفكراً في تصوير عملية الخلق وإنبعاث الحياة وأصل خليقتها حسب معتقد ما وإمتداد هذه الحياة فيها على الأرض مع (أود- كيب- نون) نهر الفرات على سفوح هذه الأرض وإعمارها بالحياة لينهمر الخصب في أرض بابل.
مؤثثاً بالنشيد السومري
وإشراقة الأرض
من خلل النار
نفحة سلالاتنا الأولى
لكي يمجد اسمك
يا عراق ..
  *   *   *
فرشنا عقولنا وقلوبنا
مسلات وألواح ومقلْ
أرسلت نورها على الأرضيين
دونت أولى الأبجديات
بالعلم واليقينْ
فإنسابت الخيول ..
تدك بسنابكها(12)
الطغاة والفلول
سطرت موائد،
شع نورها .....
لمعت تقاويمها
بيقظة الأزمنة
وغبطة الريح والأفلاك
نهضت (أور)
 ثانية
وثالثة
ورابعة
و...و...و...
وهي تحمل الحكمة
شعلة للخصب والنقاء
لأنه هكذا قيل منذ البدء(13)
لتنهض (أور) مركز إله القمر (نانا) أي النور, ثانية وثالثة ورابعة وهي تحمل الحكمة تمثلاً بشعلة الخصب والنقاء، لتدل على إستمرارية التجدد في الخليقة وما تحمله من طقوس دينية على هذه الأرض لتبقى مهيبة بالعقل والحكمة والأنوار.
(لا يليق بالملح أن يفسد)
ولتبقى ارض الرافدين
 مهيبة بالعقل
والحكمة والأنوار تتمجد(14)


المصادر
(1) شعرية التشكيل الأسطوري في الشعر العراقي الحديث, هالة فتحي كاظم السعد, رسالة ماجستير, كلية الآداب جامعة البصرة, 2002: 206.
(2) الأسطورة في شعر السياب, عبد الرضا علي, منشورات وزارة الثقافة والفنون الجمهورية العراقية, 1978: 19-20.
(3) الأسطورة في الشعر العربي الحديث, أنس داوود, مكتبة عين شمس, القاهرة, 1975: 41.
(4) الأسطورة في شعر السياب: 22.
(5) الأسطورة والمعنى, فراس السواح, دار علاء الدين للنشر والتوزيع, ط2, 2001: 14.
(6) الأسطورة في شعر السياب: 134.
(7) هكذا أنت وأنا وربما نحن, نصوص, د. بهنام عطاالله, تموز للطباعة والنشر والتوزيع, ط1, 2012: 66.
(8 ) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 67.
(9) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 68.
(10) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 69.
(11) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 70.
(12) هكذا أنت وأنا وربما نحن:71.
(13) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 72.
(14) هكذا أنت وأنا وربما نحن: 72.


* نشر المقال في جريدة (الطريق الثقافي) العدد 87 اذار 2014.