قصة قصيرة / أنشودة الربّة عشتار

المحرر موضوع: قصة قصيرة / أنشودة الربّة عشتار  (زيارة 1053 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سفيان شنكالي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 60
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

قصة قصيرة / أنشودة الربّة عشتار

سفيان شنكالي

جلستُ على أريكةٍ كعادتي أتأملُ روعة الشمس, وهي تغازلُ الأمواج هادئة, فتشدّها بخصلاتٍ ذهبيةٍ تنسابُ من السماء مخترقة غمامة داكنة, فيرقصان على دفوف النسيم وطنين النورس بدا كأنما أوكيسترا تؤدي معزوفة وداعية للحظات النهار وهي متراصةً تتجهُ نحوى الانتهاء .
على مقربة من المكان يشدني مشهدا بات يتكرر.. امرأة كأنما تحاول إيقاف الزمن, تمشي الهويناء , يهيم بها الشرود, تجلسُ على مقربةٍ مني, تسترق النظر إلي بين حينٍ وآخر. بت أرغب بالمجيء للشاطئ لأجل امرأةً شبيهة بالشمس يكتنفُ هيئتها تناقض ملفت أصبح يستفز خلوتي, ولستُ معتاداً أن اشهد مغيب ثانٍ كل نهار ..! من هذه التي تهدد عزلتي وانفرادي؟
تجاهلتُ النورس الذي كان ينتظرُ نصيبَهُ من كفِّ يديْ . وشّمسا بُرتقالية مُثقلَة بتضرعاتي هجرتها, وبدأتُ أخيراً أشدهُ فيما يثير رغبة الاستكشاف الغريزية لدي.
امرأة ثلاثينية, جمالُها أخّاذ. ذو جسد رجوليٍّ صلب كأنما لم تبرحه الأمومة.. يرتمي فوق كتفيْها حجابٌ أسود بدا كملكٍ مستبدٍ أزيحَ من على كرسيّ العرش عندما أشرقت من تحته خصلة شعر حريريّة حنائية امتزجت بأشعة حمراء حانية ونسيم باتوا جميعا في عزاء يهدئون خدّها المشبع حزنا وصمتا ويأس. قادني فضولي, فحشرني بجانبها,
ألقيْتُ السّلام..تلتفت إلي وهالة داكنة تلتحف أعلى الوجنتين. أبدتْ مرحبة.
بدأتُ محاولاً النأي بالصمت : جمالَ المغيبِ يبعثُ في القلب فسحةً من الطمأنينة.
ـ ربما . وهو نهاية يوم من العمر .
ـ لما تنطفئُ الشمس حين يُسنح لنا النظر إليها , وهي في ذروة الجمال.! وأني أجاريها منذ أيام وهي على وشك الانطفاء , ما لك ؟
ـ مقدر لها أن تنطفئ , وتغرق في بحر ليس له قضاء فهي مشيئة السماء
ـ الشمس هي من يطفئُ الشمس ..!عندما يستضعفها اليأس, وتتجاهل غدٍ آخر بإشراق أمل جديد .
ـ ينمُ عن كلماتك إحساساً مماثلا للشّعور بالكبوة التي اصطنعها شرقك المستبد..
شعرتْ أنها تنفرد بآدم من غير تاريخ أحمر , وايديولوجة سوداء , قريباً مما يمليه عليه كبرياءُ الإنسان المتجرد من غريزة الاستعباد. هكذا قالت بعد سنة , وهي في مستشفى الولادة , والمولود الذكر بين ذراعيها ,! وقد ارتأت بأني سأكون إذنا صاغية لخلجات قلبها عندما تنهدت وأعادت عيناها المكتظتين بالشجن ناح الغروب ,
انتظرتُ لتبدأ بالكلام لأن حدسي أوحى بأنها سوف تنثر همّاً في أجواء تجذب الإنسان للبوح بما يثقل كاهل الروح , ونحن نختلي بشاطئٍ ونورس حين مغيبٍ لوحدنا دون ميعاد مسبق .!

ـ أنا جميلة أليس كذلك ؟ وهذا ما دفعكَ لتبقى معي في هذا الخلاء .؟
أشاحت كلماتها ببسمة خرافية تحرق قعر الفؤاد
ـ مم , أو قد يكون سبات الربيع البادي في مبسمك , أو اختلاسات النظر إليَّ بين الفينة والأخرى .!
ـ أنا معلمة أطفال وأحبهم كما لو كانوا أولادي.
ـ هكذا توقعتُ
ـ ماذا
ـ أنكِ لازلتِ زهرة لم تلمسها الأيادي , ولم تقطفها الرجولة , ولم تشمها أنفاساً فتحدُّ من بأسها ..!
مبتسمة: أهكذا ترى ؟
ـ قد أكون مخطئاً , ولكن إن أستنشقَ نسيمٌ مغبرٌّ ولا أشعرُ بشهقةٍ قاسية, فذلك مستحيل ..!
ـ سأرويكَ قصةً شبيهةً بحُزنِ النورسِ وهو يودّعُ شمسَ النهار التي تُخمد شيئاً فشيئاً :
ذاتَ زمن شرقيٍّ مقيتٍ , كان هنالك امرأة جميلة لها من الأولاد بنتان , حدث أن حمَلتْ للمرة الثالثة , فهددها زوجها إن أنجبتْ بنتاً سوفَ يتخلصُ منها بأي شكلٍ كان حتى لو أبتاعها. فعلاً جاءَ المولود البريء ( بنتاً ) فقد أخذها والدُها إلى أحد حراس مستشفى المدينةِ وأوكلهُ بأن يجدَ لها شارياً ممّن تموت مواليدهم لأسبابٍ صحيةٍ , وهكذا كل يوم كان ينتظر شارٍ لطفلتهِ حتى يئس , ربما شاءت الأقدار أن تعود المولودة إلى والدتها. مضى الزمن, في وقت نالت العائلة نصيبها من سيل ربيعيٍّ جارفٍ أغرقَ ( البنتين ,) وترك الأخرى التي أراد والدها أن تكون بضاعة يجني ثمنها .
بما أن وجود الفتاة الثالثة لم يحمل الرجل لحب طفلته الوحيدة , وأنه لازال بإمكان زوجته أن تنجب , فحصل أن رزق بمولودين ( ذكرين ) , لتكون الفتاة الثالثة التي نجت من الموت والمتاجرة بكينونتها على هامش الحب الأبوي.
بدون سابق إنذار أجهشت بالبكاء.. وأنا أيضا سال دمعي, ولم أكن اعرف أن فضولي وغبائي سوف يقوداني لمشاطرها الحزن, بل لم أكن أعرف أنني في حضرة الإلهة ( انانا عشتار ) ربة السماء والحياة , وهي منفية ومزاحة عن سلطتها السماوية, أحسست أن وثبات اللظى تتطاير مع أنفاسها فأصابت آدميتي المستبدة . مسحتْ دمعِها بطرف الحجاب التي ألقته جانبا ثم انتصبتْ لتكمل :
تلاحقت السنين لتفجَع الفتاة الصبية بموت والدتها , وإصابة والدها بجلطة دماغية أردته مابين السّماءِ والأرض يعاني سكرات الموت ,والموت واقفا أمامه يبتسم ساخرا .. وأصبحت الفتاة ممرضة تهتم بمآله لأعوام طوال وأخويها تزوجا ويأتيان إليه في زيارات متباعدة لا تكون سوى لإلقاء السلام .
نظرتْ إليَّ , وأنا أريد أن تضعَ حداً لنبش حزنها الذي يكادُ أن يكون لتلك الفتاة ..
ـ هل علمتَ من تكون تلك الممرضة ؟
ـ أنت ؟
ـ نعم
ـ ماذا عليَّ أن أقول ,؟ لقد صعقتني مشاعر وأفكار جعلتني أعيد نظرتي في من صيّر آله الكون ذكرا .. وليس غيبيا سماويا يساوي ما بين جنسين أرضويين . قلت لها وأنا منفعل : أ هذا هو سرّ شغفك بهذا المغيب وانك تودعين هذا اليوم بحزن , ذلك بقولك : أن النورس سيرحل حزينا ,؟ والشمس ما لها لتغيب دون رجعة .؟ كأنك لا تشعرين بمن يحترق في شكواك أيتها البلهاء وعيناك حاكمة منذ أيام.؟ ألا ترين أن القمر سطع باسماً .؟ .
ـ لأني لا أريد أن أورث العبودية لبناتي , لذلك أكبد لذة الحياة في هذه الجسد.
ـ لكن من قال ذلك .؟ كأنما لا يوجد رجلاً نصف إنسان .. بغير استبداد ليكمل الحياة بنصفه الآخر .؟ الشمس سوف تشرق غدا صباحا لما يأسك ؟
أمسكتُ يدها بجنون كانَ ينتظرني.. ,جررتها كطفل يجر طرف ثوب أمه : انظري كم هي رائعة خصلات القمر وهي تراقص الموج برفق ,؟
تبتسم , وتتشبث بكف يدي ؟ رمت حجابها الأسود , وبدوري رميت توحّدي وانفعالاتي . فز من نومهِ النورس على ضحكاتنا , وعزف القمر والموج أنغاما تراقصت لها أجزاءنا التي لمْلِمت فوق سرير من الرمل.