محطات موصلية من حياة البطريرك الراحل مار اغناطيوس زكا الأول عيواص
الموصل –عنكاوا كوم –سامر الياس سعيدبينما ستحتضن الأرض السورية جثمان قداسة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عيواص ستبقى ارض نينوى ترنو في شوق لابنها البار الذي انطلق منها ليكون خليفة الرسول بطرس المئة والواحد والعشرين ..فالبطريرك زكا ارتبط صميميا بمدينته التي أنجبته ولم تفارق تلك المدينة خاطره حيث خصها بزيارتين رسوليتين كانت الأولى في عام 1982 والثانية في عام 1998 وامتدت من 4 نيسان ولغاية 2 ايار من العام المذكور فضلا عن محطات أخرى مهمة كانت فيها مدينة الموصل حاضرة في سيرة حياة البطريرك الراحل ويشير اليها المطران مار غريغوريوس صليبا شمعون في سياق كتابه (تاريخ
أبرشية الموصل السريانية) الصادر عام 1984 بان البطريرك زكا يعد من مفاخر الأحبار الانطاكيين وصفوة رجال الكنيسة العاملين وولد في أسرة عيواص الموصلية الكريمة في 21 نيسان عام 1933وتكنى بـ(سنحاريب )بن بشير عيواص الحاذق في صناعة النجارة ونما في النعمة والقامة ورضع لبان التقى والفضيلة في رحاب الأسرة المؤمنة وتعلم في مدرسة التهذيب الأولية واكمل دروسه الابتدائية في مدرسة مار توما وصبت نفسه الى الحياة الروحية فانضوى تحت لواء اكليريكية مار افرام في الموصل سنة 1946 واتخذ اسم زكا وعن مجايلته لزميله زكا في الاكليريكية الافرامية في
الموصل يشير المطران صليبا بأنه كان يلاحظ مع زملائه بحث الطالب زكا خلال الدراسة في الكتب والأوراق دون ان يكتفي بما يلقن من علوم وكأن النعمة الإلهية كانت تعده للرسالة العظمى وتدرج في الرتب الكنسية فرسم شماسا قارئا في عام 1948 ورسائليا في عام 1953 وبعد تخرجه من الاكليريكية اختار طريق الرهبانية مسلكا له في حياته فاتشح بالاسكيم في 6 حزيران 1954 مع زميله (المطران صليبا ) على يد أستاذهما المطران بولس بهنام ..
وقام الراهب زكا بالتدريس في الاكليريكية لكن لم يستمر في مهمته لاستدعائه من قبل البطريركية التي كان مقرها في حمص ليقوم بأعمال مساعد لامين سرها وفي هذه السنوات التي فارق فيها مدينته الموصل حظي بالكثير من علامات التميز من بينها التحاقه بكلية اللاهوت العامة الأسقفية في نيويورك عام 1960 وقبلها بثلاثة أعوام تمت ترقيته لدرجة الكهنوت على يد البطريرك يعقوب الثالث وبعد انتقال مطران الموصل بولس بهنام الى بغداد انتخب أبناء أبرشية الموصل ابن الأبرشية زكا ليكون مطرانا للأبرشية حيث تم رسامته الأسقفية في 17 تشرين الثاني عام 1963 ..
وعن هذه المحطة يشير الأب الخوري الدكتور يوسف البناء عن ما حفلت به ذاكرته عن قدوم الراهب زكا لمدينة الموصل في سنوات عدت قاسية على الموصليين خصوصا بالتزامن مع اندلاع ثورة الشواف في نهاية خمسينيات القرن المنصرم وما عكسته هذه الثورة على واقع مأساوي لمسيحيي مدينة الموصل استهدف الكثير منهم ودفع بالاخرين لترك المدينة واختيار ملاذات آمنة بعيدا عما كانت تعيشه الموصل آنذاك بينما يشير المطران صليبا الى الاعمال المهمة التي قام بها المطران مار سويريوس زكا (البطريرك ) اثناء توليه أبرشية الموصل حينما شمر عن ساعد العمل الجدي ونهض
بأبرشية الموصل روحيا وعمرانيا ومن تلك المنجزات العمرانية التي تحققت في عهده ترميم كنائس مار توما ومار كوركيس المجاورة لكنيسة الطاهرة الخارجية وبعض أوقاف الطاهرة وتسوير كنائس في قرقوش وإجراء ترميمات عليهما وخلال العمل بترميم كنيسة مار توما تم اكتشاف ذخائر مار توما الرسول الذي تعتز أبرشية الموصل باحتوائها على تلك الذخائر المباركة وتشير (المجلة البطريركية )بعددها 22 للسنة الثالثة والصادر في تشرين الأول 1964حول هذا الحدث المهم بالقول ( بينما كانت أعمال الترميم في كنيسة مار توما بالموصل قائمة على قدم وساق انفتحت فجأة امام
العمال ثغرة في أعلى العمود الأول الواقع على يسار الشخص المواجه لمذبح الكنيسة القديمة فظهر فيها جرن حجري ملفوف بقماش ابيض بلي لقدمه فاخبروا نيافة الحبر الجليل مار سويريوس زكا مطران أبرشية الموصل الذي خف الى الكنيسة لمشاهدة الاكتشاف الخطير وفي صباح الثلاثاء 1 ايلول 1964 وبعد الانتهاء من الصلاة فتح الجرن للمرة الأولى امام كهنة الأبرشية فوجد داخله قطعا صغيرة من عظام وبخور ملفوفة بقماش قد اصفر لونه وبلي هو الأخر لقدمه فتناثرت أجزاؤه عند لمسه) وتضيف المجلةبالاشارة حول حادث اكتشاف ذخائر مار توما الرسول ( انه بعد تأكد
نيافة المطران من الكتابة التي احتواها الجرن وبان ما يحتويه هو بعض رفات القديس مار توما أقام المطران والكهنة زياحا لائقا بكرامة هذه الذخيرة المقدسة ومن ثم تم إعادتها الى مكانها في الجرن الذي ختمه بالشمع الأحمر وفي الأحد الواقع في 6 ايلول تم الاحتفال بالقداس الإلهي وتم زياح الذخيرة الشريفة بحضور جمهور غفير من جميع الملل والنحل) ..
وفي عام 1969 انتقل المطران زكا لاستلام أبرشية بغداد بعد شغورها اثر انتقال المطران مار بولس بهنام للاخدار السماوية وقبل ثلاثة أعوام من هذا التاريخ تولى المطران زكا أبرشية دير مار متى أي في عام 1966 اثر وفاة المطران مار طيمثاوس يعقوب وانفك من رئاسة أبرشية الدير بعد انتقاله الى بغداد في العام 69 وفي عام 1980 وبالتحديد في 11 تموز تم انتخابه بالإجماع بطريركا لأنطاكية وتم تنصيبه في 14 ايلول حيث توالت بعدها بصماته في قيادة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية حيث حولها الى كنيسة مجمعية بعد ان كانت الفردية تتحكم بها وعرف عن البطريرك زكا
اهتمامه بتطوير سلك الرهبانية للنساء وعرف عنه فضيلة التواضع حيث قال عنه احد ائمة المسلمين في سوريا بـ(أنك ان أردت ان تعرف معنى التواضع فعاشر البطريرك زكا الأول عيواص) كما كان البطريرك زكا من أكثر بطاركة أنطاكية الساعين الى التقارب والوحدة المسيحية لذلك منحه مؤسس جمعية( برو اورينتي) المهتمة بالوحدة المسيحية لقب (حامي البرو اورينتي ) وكان من ابرز الداعمين لتوحيد عيد الفصح مبديا استعداده لقبول أي يوم احد من شهر نيسان باتفاق جميع الطوائف وكان يقول (بان السريان لايشعرون بانهم غرباء عن أخوتهم الكاثوليك ولاهم غرباء عنا ولئن
سموا كاثوليكا وسمينا أرثوذكسا فهم كاثوليك أرثوذكس ونحن أرثوذكس كاثوليك)..
واستلم البطريرك زكا مقاليد بطريركية السريان الأرثوذكس وهي تضم 18 أبرشية بينما تبلغ عدد الأبرشيات السريانية اليوم في العالم أكثر من خمسين أبرشية مع الهند وقام البطريرك بزيارة معظم هذه الأبرشيات ومن أهم تلك الزيارات زيارته الرسولية للأبرشيات السريانية الأرثوذكسية في العراق خصوصا تلك التي جرت في نيسان من العام 1998 والتي خصصت لها( المجلة البطريركية) بعددها المزدوج 178 و179 والصادر في تشرين الأول من العام المذكور عددا خاصا حمل الكثير من التفاصيل المتعلقة بتلك الزيارة التاريخية التي شملت محافظات نينوى وبغداد وكركوك وتركز جانب
رئيسي فيها في أقضية ونواحي محافظة نينوى بالإضافة لمركز مدينة الموصل ..