ذكريات طريقطويل

المحرر موضوع: ذكريات طريقطويل  (زيارة 2057 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سعيد شـامـايـا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 194
    • مشاهدة الملف الشخصي
ذكريات طريقطويل
« في: 15:28 30/03/2014 »
                         ذكريات طريق طويل تجاوزت ستة عقود
اقف كل سنة مودعا اذارومستقبلا نيسان ، الشهران الرائعان فيهما تشغلني مناسبات رائعة عزيزة وجميلة يطالبونني ان لا اعبرها مهملا او متراخيا ، فالاصدقاء والرفاق القدامى والمخضرمون يحتفلونها مناسبة ميلاد الحزب الشيوعي العراقي الذي كانت حصته نصف عمري ان تجاوز المئة ، ومناسبة عزيزة علئ عائلتي  هي ذكرى حفر اسس داري في بغداد ، يومها اصر عدد من الرفاق والاصدقاء ان توضع اسس داري في 31 آذار973 ( قالت لهم ام غسان تصرون ان تلا حقنا بلاوي الاشرار طول العمر)ورحنا نحتفل بالمناسبة ، ومناسبة ثالثة قومية تاريخية هي رأس السنة البابلية الاشورية يحمّلني اخوتي في الساحة القومية والثقافية الاعداد والجهود لانجاحها ، فالف تهنئة ومباركة لكل المحتفلين بها ،هي المناسبات الثلاث التي اشعر فيها ان حياتي ما كانت هدرا بل لابسا فخرا وعزة واصالة ،واتمناها مناسبات فخروعزة وحرية جامعة لكل الطيبين المغبوبين فزخم الاحتفال بها مشروع بحرية وممكنات  دلالة على ان الديمقراطية والحرية في بلادنا تحبو عافية ، فلا سرية لاحتفال الشيوعيين بقلق ، ولا خوف على داري التي ظلت محاصرة ومراقبة لسنين طويلة ، واحتفالات اكيتو بنكهتها وعظمتها التاريخية تدلل على ان شعبنا الكلداني السرياني الاشوري يعيش في وطن حر يحقق العدالة وتجاوز مصاعيه وسط شعب عراقي تغمره الالفة والسلام ، هكذا نتمناها اعيادا حقيقية لا مظاهر مفتعلة خادعة.
وسأختم مناسباتنا وتهانينا بعيد القيامة الذي مهما طوتنا الايام وتراكمت الافراح والاحزان والمصاعب لن تمسح تلك المناسبات التي زرعت فينا تقاليد واعراف فيها الحب والامن والتعاون تلك الاخلاق التي يفتخر بها المسيحي تبقى قائمة تحمل قدسيتها ورونقها مهما تناولته المظالم .
في اودية ومغارات جبل القوش1947 كان يبكر اليها عددصغير من الشباب لم يتجاوزوا العشرين من عمرهم يقودهم رجل متعب لكنه نشط ومثابر في تنظيم و حث الشباب ، طيب الذكر ابرم عما لتكتمل جلستهم يصغون الى محدثهم يبشرهم بافكار تنقذ العالم من الظلم والاستغلال ،ينجح في ادخال الايمان الى ادمغتهم بانهم هم صناع ذلك العمل العظيم ان اخلصوا للافكار الشيوعية ، وتكتمل التوصية المقدسة عندهم لينشدوا هبوا ضحايا الاضطهاد ، اما ليلا حين يقرأ لهم في  غرفته المرتبكة باثاثها البسيط من مخطوطة عتيقة بخط رديئ فقرات كانت من النظام الداخلي للحزب  ليضعهم في مسار صعب ذي قيود حديدية تقاوم كل المصاعب والمواقف الخطرة ،،، نغادره وكل منا يحمل هموم المضطهدين ومسؤولية انقاذ المعذبين واندفاع كل الشجعان المغامرين ، واثمرت جهود ذلك العامل الملاحق  فينا بتأسيس مكتبة في دار صديقنا العزيزسالم تولا 1947،وارتفع عددنا في المكتبة الى اكثر من اربعين شابا مداوما نهما للقراءة ، واستمرت الثمار تعطي اكلها فكان لي شرف المساهمة في انتفاضة كانون رغم ضعف جسمي لان اتحادنا الطلابي في دار المعلمين الريفية اختار الاقوياء لمقاومة الشرطة المتوقعة لكنني اقنعتهم بانهم يحتاجونني خطاطا للافتاتهم . وتخرجت لكن بفعل التقاريرالسيئة تم تعييننا1948(انا وزميلي المرحوم بطرس لاسو) في قرية بعيدة في قرداغ السليمانية وكان من المنفيين ايضا الشاعر البارز الشجاع احمد هردي الذي قوي عندنا الايمان بقضيتنا وهناك اقمنا حفلا تأبينيا بمناسبة اعدام الرفاق فهد /حازم/صارم/ ونتيجة للتقارير فصل زميلنا الشاعر بعد ان ترك فراغا وعززفينا الثقة بقضيتنا. والمراحل طويلة اختصرها بنكبة شباط وسجن الحلة والحكم علي غيابيا وبقائي مطلوبا هاربا من964_968 حتى مجيئ البعث (ابقى مع الاختصار) لابد ان اذكر عن رسالةاعطانيها صديق للحزب مرسلة من ابن خالته الذي كان آمر دبابات القصر الجمهوري في كانونالاول967 يطالب الحزب ان يعطيه الامروالدعم في انقلاب يسلم له السلطة مع وعد ان يوفر له موقعا فيها ان هو نجح في تفجير ثورة والاستيلاء على النظام بسهولة لانه باتت مهزوزا ، أما الحزب ابتسم وقال ليس هكذا تصنع الثورات ، لكن البعث صنعها بذات الاسلوب بعد سبعة اشهر. كان الاصدقاء وبعض الرفاق يعاتبون على تردد الحزب وعدم استغلاله الفرص وكثيرا ما اشغلتنا حوارات ولقاءات ، ولم يكن غريبا ان يحصل الانشقاق في تلك الفترة ، والصعوبة كانت حين يمتد الانشقاق الى عائلة واحدة ، فلا حيلة لنا الاان نلجأالى الديمقرطية  التي كانت الدروس الاولى التي تلقيناها ، وان الحياة والممارسات في غياب الديمقراطية واقع مشوه ، وكنا نؤمن ان لا ديمقراطية خارج ساحتنا ، ولا يحققها غيرنا ، هذا كان يفقدنا الكثير من تقييم الاخر او الى الاصغاء اليه ، بل نتصور ان الواقع والافكار الاخرى من خارج ساحتنا غش وخداع لا نفع فيها ، وبرز هذا في تعاملنا مع البعث حين طالبنا الحزب ان نكون متعاونين لخلق اجواء جبهوية بينما الاصدقاء والجماهير تحذرنا مستهينة بكل المعطيات الايجابية آن ذاك ، وحين انحرف البعث ، ما رموه بالتبعية والخيانة لان هذا طبعه لكنهم استغلوها فرصة لادانة موقف الحزب ، وكأنهم يحاسبونه طبقا ومقياسا لما عرف به من تعصب يرتبط بالمنجل والجاكوج وصيانته لافكار الانضباط الحديدي ضمن محور العمال والفلاحين الفقراء ،مقابل هذا علمنا الحزب ان نكون قريبين من الشعب من اعرافه وتقاليه الحسنة نرعى تراثه وإن إبتعد منا الشعب يجب مراجعة اوضاعنا وهذا يتم مناقشته في المؤتمرات الحزبية ، كما حصل في المؤتمر الخامس ، يذكرني هذا بلقاء مع احد المعارف (بعد المؤتمر الخامس) والرجل بعيد عن سربنا قال مشاكسا :هل اصبحتم تؤمنون بديمقراطيتنا اليوم؟قلت ايضا بذات النغمة:هنيئا للحزب في استيعابه للمرحلة ولكن حذار ان تستغلوا ديمقراطيتكم على حساب ثوريتكم ، ان الحزب يرعى الظروف القائمة ويعمل بما ينسجم مع حركة الواقع من اجل تغييره .
يطيب لي ان اعود الى مذكرات اواخر السبعينات والمصاعب التي كانت تزرع في دربنا ونحن نعمل في دار الرواد التي نصلها يوميا  مرورا بالامن العامة وكم من عثرات كانت تخلق من اجل محاربتنا وتراجعنا حتى اشتدت الملاحقات الى ضرورة اختفائي بقرار من الحزب ، لانني كنت من العناصر المكشوفة والمشتركة مع الممثل البعثي جبهويا في الاشراف على النشاطات الديمقراطية في الاندية والجمعيات والاتحادات، علما ان نشاطاتنا كانت غالبة تغطي تلك المنظمات وهذا كان يؤرقهم مما حدا بهم ان يكون للحزب القائد موقع قيادي وتنفيذي في المنظمات الثقافية وفي نشاطاتها ، امتد اختفائي من ايلول979 الى كانون الاول 989 ، كم كنت سعيدا في صومعتي ،فيها كتبت ما لم استطع كتابته في خمسين سنة طبعت منها 14 مؤلفا من قصة ورواية واجتماع وبلدانيات وسياسة وضعف العدد ينتظرالممكنات المادية هذا بالاضافة الى انتاج28 نصا مسرحيا من كتاباتي قدمت في المسرح الوطني ومسرح الرشيد ومسرح بغداد ، وعلى مسارح الاندية والجمعيات وفي اربيل ودهوك وفي بلداتنا منها بالسريانية واخرى بالعربية ، الذي يقلقني ان لا اجد من بعدي وانا اعبر الخامسة والثمانين من سيتعامل مع ما اورثه في مخطوطات بائسة تحتاج الى التنضيد ، من شعر وقصص وروايات ومسرحيات وتراث شعبنا للاطفال وللشباب ومئات المقالات والدراسات والمحاضرات، منها نشرت في الجرائد والمجلات وفي المواقع الاعلامية ، علما ان كلكامش تسعى لانقاذ وتنفيذ المستطاع منها ان توفرت الامكانيات المادية ، عذرا تشتط بي الذكريات الى الجوانب ، وهمي سرد حصيلة المسيرة باختصار، لما فيها من مفاجأت ومواقف خطرة ومحرجة  من مفارقات الحياة ، في فترة اختفائي لجأت الى بيت اختي القريب جدا من الامن العامة ، في احد الايام خابروا اختي ان الامن سيفتش الدار لان تفجيرا حصل في ناديهم وزوجها متعهده ، ما كان مني الاان استعد للمغادرة وسط ارتباك ومخاوف اختي لانه كان علي ان اترجل ماشيا في ازقة الامن العامة وصولا الى الشارع العام ، فجأة دخل الدار شقيق زوجها وهو نقيب في مخابرات صدام ورآني الشاب واختي تعالج فزعها الذي تجسم ، قبلني الفتى قائلا كم انا مشتاق وسعيد لرؤيتك وانا دوما مستعد لخدمتك في المواقف الصعبة ولتنقلك لانني اتذكرك استاذي المفضل ، هنا شرحت اختي الموقف فقال هلم انقلك الى حيثما تريد والافضل الى داري ،لكنني رفضت باصرار قائلا ان في ذلك موت كلينا، لكنه اصر ونقلني الى دار اخرى وأنا اقول له احذر يا ولدي دوما لان مهماتكم خطرة، بالفعل بعد مهمة خطيرة انجزها لهم اغتالوه . اكثر من عشرة مواقف مشابهة هدفي ان اجمعها في كتابة مسلية . 
اختصر،، لان حوادث سنين الاختفاء العشر كثيرة ومثيرة ، لانتقل الى حياتي الخاصة التي للحزب فضل في تكوين شخصيتي وقابلياتي وحياتي ، فانا المعلم الذي لايملك اكثر  من شهادة الثانوية ودار المعلمين استطعت ان اخوض المجال السياسي والثقافي والاجتماعي ولازال بعض الاخوة الذين شاركوني وانا ابادر من اجل تأسيس نادي بابل الكلداني احياء 1970 بعد وعد اعطيته لطلاب الجامعة من ابنائنا ليكون لهم موقع ونشاط فيه وحصل، ودوري في الجمعية الثقافية للناطقين بالسريانية 1974وكنت سكرتيرا لها لسنوات ، ومؤسسا لفرقة مسرح شيرا1993 بالتعاون مع نخبة من الفنانين وبقيت رئيسا لها الى ان هاجر معظم اعضائها ولا زلنا نعتز بذكراها اليوم متعاونة مع كلكامش المركز الثقافي الذي قمنا بتأسيسه في بغداد 2010واوجدنا له مركزا في اربيل ونشاطاته قائمة في بلداتنا ، كيف لا احتفل بهذه الذكريات متمنيا من شبابنا ان يقتدوا وتكون لهم افكار تزرعها فلسفة انسانية ترشدهم وفي ادمغتهم وعيا ان للحياة قيمة انسانية وطعم اجتماعي ومزية اخلاقية حين تعطي ثمارها يكون المرء قد ارتوى من الحياة الذ مشاعرها مهما كانت المصاعب والازمات التي اعترضته ، كيف لا امجد ذكرى تأسيس حزب قدم الكثيرون من اصدقائي ورفاقي حياتهم من اجل بسط افكاره والدفاع عن المظلومين دون امل قريب في مستحقات يستحقها و صيانة لاسراره  .         فإلى المحتفلين بمناسبات اذار ونيسان اقدم اسمى التهاني وكم هو نيسان رائع لنحتفل بعيد القيامة المبارك لتحملني الذكرى الى قريتي الحبيبة ونحن اطفال نلبس الافراح والملابس الجميلة مناسبة تجمع اهلنا وتشدهم الالفة ومسح المشاكل والخلافات التي تعلمها القيامة ، الى التهاني الملحنة حبا وتعاونا وتسامحا تزرع  الأمن والسلام في كل زقاق من قرانا ومدننا رغم العوز ومصاعب الحياة ، واتذكر، كيف كنا نحمل البيض الملون والمعجنات(الكليجة)نأكل منها بعد الاحتفال الكنائسي الذي له طعم خاص ننتظره خمسين يوما صائمين ،نغادر الكنيسة لنتبارى في العاب لازالت نكهتها ترطب متاعب اليوم ، فأملي ان يتغلب ابناء شعبي على مآسيهم لتعزز مناسبة القيامة املاو اصرارا على وجودهم في وطنهم فتهنئة وتبريك بالمناسبة المباركة ولتشد القيامة شعبنا الصابر .
                                                                       سعيد شـامـايـا