البعد المكاني وفضاء التأمل الأسطوري قراءة في قصيدة (نشيد سومر الأول) لـ بهنام عطاالله/ إسراء عبد


المحرر موضوع: البعد المكاني وفضاء التأمل الأسطوري قراءة في قصيدة (نشيد سومر الأول) لـ بهنام عطاالله/ إسراء عبد  (زيارة 2456 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني


البعد المكاني وفضاء التأمل الأسطوري
قراءة في قصيدة (نشيد سومر الأول) للشاعر بهنام عطاالله

إسراء عبد المنعم حمودي / الموصل



يعد المكان"مساحة هندسية ذات أبعاد هندسية أو طوبوغرافية تحكمها المقاييس والحجوم، ويتكون من مواد، ولا تحدد المادة بخصائصها الفيزيقية فحسب، بل هو نظام من العلاقات المجردة فيستخرج من الأشياء الملموسة بقدر ما يستمد من التجريد الذهني أو الجهد الذهني" (1).فالمكان وسط يتصف بطبيعة خارجية أجزائه، إذ يتحدد فيه موضوع  أو محل إدراكاتنا، وهو يحتوي على كل الإمدادات المتناهية، وإنه نظام تساوق الأشياء في الوجود ومعيتها الخصوصية في تلاصق وممارسة وتجاور وتقارن. (2)
للمكان  تأثير مباشر على الشخصية بما يحمله من خصائص في النوع  والمعنى - المتشكل الذهني- بمعنى الإرث والتاريخ الشخصي المعبر عن الوعي الأساس سواء في الطفولة أو ضمن مستويات العمر المتقدم فالمكان على الرغم من سكونيته غير أنه يضمر حركة متبادلة مع الشخصية والزمن، بتداخل كمحرك آخر ينبثق من المؤثر الضامر والمعن في المكان ومن ثم في الشخصيات (3)، فهو"وحدة أساسية من وحدات العمل الأدبي والفني في نظرية الأدب، وعدّت إحدى الوحدات التقليدية الثلاث، ولطالما كانت مثار جدل في تحقق العمل الأدبي والفني في المسرح بالدرجة الأولى، ولم يتجاوزها منظرو الأدب في العصر الحديث، بل صارت إلى ركيزة من ركائز الرؤية وجمالياتها في النظرية الأدبية الحديثة". (4)
عُد المكان مساحة ذات أبعاد هندسية مختلفة ومفتوحة يظهرها المبدع بحسب قدرته التكنيكية في الوصف، ومن هذا لنا وقفة مع الشاعر المبدع بهنام عطا الله، فقد عمد الشاعر على تشيّد عالم خاص به وأبرز لنا مكنوناته فظهر المكان أو البيئة التي عاش بها بصورها ومنطوقاتها، فلهذه البيئة تأثير ايجابي على نفسية الشاعر مبينة حافزه  للقيام بالإبداع الشعري، ففي ديوانه الموسوم (هكذا أنتَ وأنا وربما نحن)، الصادر مؤخرا عن دار تموز للطباعة والنشر في دمشق، تكشف النصوص عن خباياها مُظهرة البعد المكاني الذي رسمه الشاعر في لوحته الشعرية، ليمزج بين مكان الحدث ومخيلته، مقترنة بخبرته العلمية في المجال الجغرافي.
فالنصوص تفتح أمام المتلقي الفضاء الواسع للتأمل في وصف يرفد بسلاسة تحيكها المفردات التي إنتقاها الشاعر بذكر أماكن من بلدته، ويرفد الشاعر هذه الأمكنة بمدلولات حزينة أليمة لإبراز صورة الحال الذي يعيشه هذا البلد، فذكر الأمكنة لا يعد شيء حديث، فقد أكثر الشعراء من ذكرها في الشعر العربي منذ العصر الجاهلي (سقط اللوى، حومانة الدراج، ثهمد ، ثبير ....).
 فالمكان هو الموطن ومكان الحبيبة، أو الغاية التي يسعى إليها الشاعر، لكن شاعرنا بإشارته إلى الأمكنة كان له ذائقة أخرى، فتركيزه على الأرض يثير تساؤلات؛ ففي قصيدته (نشيد سومر الأول) يوظف الأمكنة (على الأرضيين، في أرض ما بين نهرين، في أرض بابل، على أرض العراق، أرض الرافدين) (5) فالإلحاح على ذكر الأرض مرة منكرة وأخرى مضافة، فكأنه يشير إلى ما أشار إليه الشعراء عن فلسطين بـ (الأرض المحتلة،الأرض المغتصبة، أرض القدس ...) فكأن الشاعر يريد إقامة علاقة توازي بين المكانين بسبب الظلم الذي يقام عليهما.
ويبرز الشاعر في هذه القصيدة علاقة خيالية بين المكان والأسطورة، فهو يضفي إلى المكان سمة أسطورية مما تجعله مقدساً، فهو يظهر حبه وتعلقه بهذه الأمكنة، فهذا المكان هو إرث حضاري شاهق، فيقول: (منذ ستة آلاف شهقة، نزل الطل على أرض العراق، حلقت الملائكة فوق ذراه، دون "دموزي" علامتنا البيضاء، فوق مشاجب الحكمة والعقول، فانهمرت السدود في ثراه) (6)  فهو لا يذكر السنة أو العام لبعد هذه الفترة وإنما يضفي دلالة إيحائية معبرة عن حزنه العميق، بلفظة (شهقة) فالوقت بعد ذلك الإرث الحضاري يمثل له شهقة أو غصة وحزن فانتقاء الألفاظ المستخدمة أعطت بعداً إيحائياً، (فنزول الطل) دلالة على الديمومة و (تحليق الملائكة) دلالة على الطهارة والنقاء و(العلامة البيضاء، الحكمة، والعقل)، كل هذه الألفاظ وظفت توظيفاً أثرى النص وأعطته بعداً دلالياً في خلق حالة التخيّل وجعلت من المكان الحقيقي مكاناً رمزياً.
ثم يسترسل في المقطع الثاني باللفظة نفسها (منذ) لفظة الزمن، لكي تلتحم مع الألفاظ المكان معطية فضاءً واسعا: (منذ ستة آلاف زهرة، كانت أبوتنا تشرق، في أحداق الطين، تفتح بالقيثارة السومرية، بوابات المدن، وهي ترسل نورها على الأرضيين، طلاسم ..صولجانات..شرائع، من أعماق نطفة يبزغ منها (نمو)، أطرافه، يولد من علقه الكوني (انليل).
فالتصوير الإيجابي الذي يسترسل به الشاعر بوصف الأرض وما يضيفه عليها من الأسطورة (القيثارة السومرية، طلاسم، شرائع) أعطت بعداً دلالياً عميقاً في أزلية هذه الأرض، وعراقتها وكيف كانت الحياة فيها، مصوراً هذا المنظر المحسوس (بالإشراقة، بالفتح، بالإرسال، بالبزوغ، بالولادة)، عبر الأفعال المضارعة المتجددة وكأن الشاعر يريد أن يعيد هذه الفترة الزمنية ليمح الوضع الراهن ويحيله إلى عالم ٍ خيالي، كانت مزدهرة به أرض العراق، ويضفي إلى قدسية هذه الأرض الرمزية التي كانت سائدة به فـ (نمو) هو رمز للبحر الأول الذي خرج منه الكون، وهي أصل كل شيء، فأعطى هذا البحر دلالة التجدد المقترنة مع دلالته المعنوية في العطاء لتفنيد المعنى الذي سعى إليه، و(إنليل) إله الهواء وهو ابن الإله (آن - كي) (7) أعطاه دلالة التجدد عبر الولادة من جديد، فالتوظيف الشعري أبرز المكان الموجود في مخيلة الشاعر، والذي يسعى إلى تحقيقه على أرض الواقع .
ثم يشير : (هنا انفتحت شهية التاريخ) (8 )  بإسم الإشارة القريب بالصيغة المضارعة على طريقة الانزياح والخروج عن المألوف بصفات إيجابية تدل على البراءة والصفو والعفة : (مهود ..أطالس ..مجنحات، تبرق في الوديان والسهوب، تسطر للطالعين نحو المعالي) ( 9) فيبقى الشاعر على الوتيرة نفسها بصيغة المضارع المستمر المتجدد مع إضافة الرفعة والعلو على هذه الأماكن ليضفي عليها صفة الرُقي : (مواضع تختم ياخة التاريخ بالأسرار، بطابع سومري). ( 10) فالتوظيف اللغوي للأمكنة بالطابع الأسطوري العريق يبقى في مخيلة الشاعر ويحسسه بالحزن للوضع الراهن فيظهر الألم (يئن تحت لهثات (نفر)، وظل الأسوار تهدج (اورور) بالخصب والنسل والثمار) (11) فكأن زلزالاً قد حدث فغير الوضع إلى مكان مفتوح محبوب لدى الشاعر وما يعيش على هذه الأمكنة في زمنها، إلى واقع آخر في المكان نفسه لكن الناس مختلفون والحضارة قد ذهبت، فـ (نفر) هي أول مدينة سومرية على الأرض وكانت المركز الروحي والثقافي لبلاد سومر وأكد، فإشارته إليها إنما هي إشارة إلى بداية الحضارة التي جاءت بالخصب والنسل والعطاء، فيصفه أنه زال بدلالة استخدام الفعل الماضي (كان) (فكان عراق الأزل) (12) لكنه يضفي عليه صفة الأزلية الباقية، فالتحول من الدلالة المضارعة المتجددة والمستمرة التي أراد الشاعر بها الحركة ليبرز وجوده، إلى الفعل الماضي الذي يدل على السكون وعدم القدرة على تحويل شيء (أشرقت الأرض، انهمر ايدسالا)، وايدسالا هو نهر مدينة نفر، فانهماره دلالة عطاء في أرض (ما بين نهرين) مفعماً بالنقاء الصافي، ويظهر الشاعر لنا مكاناً اسطورياً آخر وهو (أوروك) مدينة البطل كلكامش ومركز الإله دموزي، فهذا العطاء مرتبطاً بمكان الإله موضحاً الشاعر خروجها : (وهي تخرج من نفحة الرضاعات الأولى) (13) منبع الأصل وهو العراق، دلالة على البراءة التي كانت سائدة في أصل الإرث الحضاري، داعماً هذه الصورة المكانية بألفاظ ذات دلالات موحية بالتراث وهي: (كشتبانات جداتنا، وهن يطرزن نور الوجود، على جسور الترع والسدود)(14)، فسياق لفظة أداة التطريز التي كانت سائدة عند جداتنا قد انقرضت ولا تستخدم الآن لكن الشاعر يوظفها توظيفاً استعارياً بتطريز نور الوجود ويضفيه على الجسور والسدود، التي تعد أماكن الحياة  التي يعيش ويتنقل الناس عليها .
وتجدر الإشارة إلى أن نهر الفرات ذكر باللغة السومرية (اود - كيب - نون) بسيحانه في السهول : (ساح  اود- كيب - نون، في السهول يؤثث أمواجه)، فمخيلة الشاعر للأمكنة وردت باللغة السومرية العريقة مضيفاً إليها لغة الانزياح الشعري والخروج من النطاق المألوف إلى غير المألوف. ويسترسل الشاعر بالصيغة نفسها بـ (قنوات الروح، انهمر الخصب، في أرض بابل، مؤثثاً بالنشيد السومري، وإشراقة الأرض، من خلل النار، نفحة سلالاتنا الأولى، ليمجد اسمك، يا عراق) (15)، بدلالة الحياة والخصوبة على أرض بابل وبالصورة الإستعارية (مؤثثاً بالنشيد السومري) لتقريب الصورة الحسية وتجسيدها، فالملَكة اللغوية لدى الشاعر أضفت على الأمكنة الحقيقية بعداً دلالياً لإيصال المعنى بطريقة سلسة ومفعمة بالأحاسيس، لتمجيد العراق العظيم (لكي يمجد اسمك، يا عراق) فهو يناديه وكأنه بعيد عنه.
ويختم هذه القصيدة بالبقاء لهذه الأرض بالهيبة والمجد والحكمة والنور، لأنه كما يقول:(شعلة للخصب والنقاء، لأنه هكذا قيل منذ البدء:  لا يليق بالملح أن يفسد، ولتبقى أرض الرافدين مهيبة بالعقل، والحكمة والأنوار تتمجد) (16)، مضفياً على هذه الأرض صفة البقاء والتجديد والمجد، عبر الدلالة المضارعة المتجددة وتوظيف المثل إنما مفاده الثقافة الواسعة والمخيلة المتقدة لدى الشاعر.
فتوظيف الإسطورة مقترنة بالدلالة المتجددة، إنها نسيج حاكه الشاعر لرسم صورة المكان عبر مخيلة مليئة بالأحاسيس، استطاع عبرها نقل ذالك المكان البعيد وتقريبه ومقارنته بالواقع المرير، وإصرار الشاعر على أن يعود هذا المجد والنور إلى أرض الرافدين، أرض الحضارة.



(نشر البحث في جريدة الزمان الدولية – طبعة لندن – العدد 4779 الاثنين 7 نيسان 2014)



المصادر والمراجع
(1)جماليات المكان، اعتدال عثمان، مجلة الأقلام، ع 1لسنة1986، 76. وينظر:المكان في قصص علي الفهادي،  د.نبهان حسون السعدون، مجلة دراسات موصلية،ع 29 لسنة 2010 :2.
(2) ينظر :تيارات فلسفية معاصرة، د.علي عبد المعطي محمد:29.
 (3) ينظر:رواية  من هم في الظل، جاسم عاصي، مجلة الأقلام،ع6 لسنة1999 :102.
(4) جماليات المكان في النقد الأدبي العربي المعاصر، د. عبد الله أبو هيف، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث، مج 27،ع 1 لسنة 2005.
(5) هكذا أنت وأنا وربما نحن، بهنام عطا الله، تموز للطباعة والنشر، سوريا، دمشق،2012: 67،69،70،73.
(6) م.ن:66.
(7) الديوان :73.
(8 ) م.ن :67.
(9) م.ن :68.
(10) م.ن : 68.
(11) م.ن: 68.
(12) م.ن :68.
(13) الديوان :69.
(14) م.ن :70.
(15) م.ن:71.
(16) م .ن :73.