العلم عملية تصحيح لغوية


المحرر موضوع: العلم عملية تصحيح لغوية  (زيارة 7715 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حسن عجمي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 13
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
العلم عملية تصحيح لغوية
« في: 14:57 16/04/2014 »
                             العلم عملية تصحيح لغوية

حسن عجمي

     نميِّز عادة ً بين حقل العلوم و حقل اللغات. لكن الحقيقة هي أنهما يشكّلان حقلا ً معرفياً واحداً بما أن العلم ليس سوى عملية تصحيح لغوية.

     الوظيفة الأساسية للغة هي الحفاظ  على بقاء الجنس البشري. فمن خلال التواصل اللغوي تنتقل المعلومات بسرعة هائلة ما يضمن بقاءنا أحياء. فبمجرد أن نقول " هذا حيوان مفترس " تنتقل معلومات قيّمة في إفادتها إلى المُستمِع أو المتلقي فينتبه من الخطر المتمثل في حضور الحيوان المفترس فيتجنب الإنسان الخطر و ينجو. و لأن هذه الوظيفة المحورية للغة كانت ناجحة جداً في إبقائنا أحياء تكاثرت الكلمات و المفاهيم في لغاتنا لتشير إلى كائنات عدة واقعية و ممكنة قد تساعدنا الإشارة إليها في الحفاظ  على حياتنا. من هنا , تحتوي لغاتنا الإنسانية على العديد من المفاهيم و المصطلحات التي قد تفيدنا في البقاء أحياء من دون أن تشير في الحقيقة إلى أية حقائق واقعية. و هذه المفاهيم التي لا تدل على حقائق قد تكاثرت في لغاتنا لأن إكثار المفاهيم آلية مفيدة في ضمان البقاء. فمثلا ً , مصطلح " الجن " لا يشير إلى كائن حقيقي في الواقع لكنه ينبهنا من كائن ممكن قد يظهر في أمكنة لا نعرفها. و بذلك ساعد هذا المصطلح أجدادنا في الاستمرار على قيد الحياة من خلال جعلهم حذرين في الأمكنة التي يجهلونها. هكذا تكاثرت المفاهيم و الكلمات في اللغات الإنسانية بسبب إمكانية مساهمتها في إبقائنا أحياء. لكن بما أن لغاتنا تتضمن العديد من الكلمات و المصطلحات التي لا تشير إلى حقائق واقعية , إذن لا بد من نشوء آليات عقلية تساعدنا في تطهير لغتنا و تصحيحها. و العلم آلية أساسية من تلك الآليات التي تصحّح لغاتنا البشرية.

     العلم عملية تصحيح لغوية. فمثلا ً , تميّز لغتنا بين الزمان و المكان و المادة و الجاذبية. بالنسبة إلى اللغات البشرية , الزمان مختلف عن المكان , و كلاهما يختلفان عن المادة , و الجاذبية مجرد قوة قائمة بين المواد. لكن أثبت أينشتاين في نظريته العلمية أنه لا يوجد فرق حق بين تلك المفاهيم و مدلولاتها. و بذلك العلم آلية تصحيح لغوية فمن خلال العلم تمكنا من تصحيح لغتنا التي تميّز بين مفاهيم و مصطلحات لا تمييز حقيقي بينها. بالنسبة إلى نظرية أينشتاين العلمية , الزمان و المكان يشكّلان كائناً واحداً هو الزمكان. و من منظور نموذجه العلمي , الجاذبية مجرد إنحناء الزمكان بينما المادة اضطراب الزمكان. و بذلك توحِّد نظرية أينشتاين بين الجاذبية و المادة و الزمان و المكان. هكذا النظرية العلمية لأينشتاين تصحّح لغتنا فتنفي تكاثر المفاهيم و المصطلحات و تلغي التمييز بين العديد منها فيغدو العلم بذلك آلية تصحيح لغوية. من المنطلق نفسه , تميّز لغاتنا الإنسانية بين الجسيم و الموجة ؛ فالشيء إما جسيم مادي و إما موجة متكوِّنة من طاقة. لكن نظرية ميكانيكا الكم العلمية تصحّح لغتنا البشرية فتؤكد على أن الجسيم كالإلكترون هو جسيم و موجة في آن. و بذلك تنفي ميكانيكا الكم التمييز اللغوي بين الجسيم و الموجة فتصحّح لغتنا. من هنا , العلم عملية تصحيح لغوية بامتياز.

     كما تميّز لغتنا بين الوعي الإنساني و الكون المادي. لكن الفيزيائي جون ويلر يؤكد في تفسيره لنظرية ميكانيكا الكم على أنه لا يوجد فرق حقيقي بين الوعي و الكون. فبالنسبة إلى نظرية ويلر العلمية و على ضوء تفسيره لنظرية ميكانيكا الكم , الكون غير مُحدَّد لكنه يصبح مُحدَّداً متى أدركه الوعي. بكلام آخر , من غير المُحدَّد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة , و فقط  حين يدركها الوعي تمسي إما حية و إما ميتة. من هنا , الوعي الإنساني شريك أساسي في تحديد الكون و صياغته. و بذلك لا فرق حق بين الوعي الإنساني و الكون المادي على نقيض مما تشير إليه لغاتنا البشرية. على هذا الأساس , العلوم عمليات تصحيح لغوية. و تميّز لغتنا أيضاً بين الواقعي و الممكن. لكن , بالنسبة إلى ميكانيكا الكم , يعبر الجسيم من نقطة مكانية إلى أخرى من خلال عبور كل الممرات الممكنة فيتخذ عبوراً مستقيماً و آخر ملتوياً و آخر شبه ملتو ٍ إلخ. و بذلك يتحقق كل عبور ممكن في الممرات الممكنة كافة رغم اختلاف الممرات و تعارضها. من هنا , الواقعي يتكوّن من كل الممكنات. و بذلك يصحّح العلم تصوّر لغتنا و تمييزها بين الواقعي و الممكن. فاللغة عقل كامن , و العقل لغة تتكلم.

      بالإضافة إلى ذلك , تميّز لغاتنا الإنسانية بين العدم و الوجود. لكن العلم المعاصر ينفي هذا التمييز الجذري. فمثلا ً , يقول الفيزيائي آلن غوث إن الكون أي الوجود قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب العدم نفسه. فالعدم يتكوّن من طاقات مختلفة و متعارضة لكنها متساوية في قيمتها ما يؤدي بتلك الطاقات المتناقضة إلى أن تختزل بعضها البعض فيتشكّل العدم. لكن بما أن العدم متكوِّن من طاقات متنوعة , إذن من الممكن أن تنجو طاقة ما من العدم و لا يحدث اختزالها و بذلك يتشكّل الكون منها. هكذا , بالنسبة إلى الفيزيائي آلن غوث , ينشأ الوجود من العدم بما أن العدم نفسه ليس سوى طاقات مختزلة لبعضها البعض. و بذلك لا فرق حقيقي بين الوجود و العدم على نقيض مما تدعي لغاتنا البشرية. من هنا يصحّح العلم لغاتنا فينفي التمييزات الكاذبة التي أوقعتنا فيها لغتنا البشرية بهدف إبقائنا أحياء. و بالنسبة إلى الفيزيائي غوث , الوجود موجود لأنه عدم ؛ فإذا جمعنا طاقات الكون سنجد أنها تساوي صفراً لأن طاقة الكون الايجابية تُعادِل طاقة الكون السلبية. من هنا العلوم المعاصرة تعتبر أنه لا يوجد فرق حق بين الوجود و العدم فتصحّح لغاتنا المُسبَقة و المُحدَّدة سلفاً.

     لقد أوقعتنا لغتنا البشرية في مشاكل فكرية و فلسفية و علمية من خلال تمييزها بين مفاهيم و مصطلحات لا يجب التمييز بينها. فلغاتنا خلقت ثنائيات كاذبة لا تعبِّر عن الحقائق في الكون و الواقع. و فعلت لغاتنا ذلك لكي تزيد من أرجحية إبقائنا أحياء. فكثرة المفاهيم و المصطلحات و إن كانت كاذبة قد تساعدنا في البقاء أحياء كأن يساعدنا مفهوم " الجن " في تجنب الأمكنة المجهولة ما قد يساهم في إبقائنا على قيد الحياة. على هذا الأساس , الوظيفة الأساسية للغة ألا و هي أن تبقينا أحياء أدت إلى تضليلنا فكرياً رغم نجاحها في الحفاظ  على بقاء الجنس البشري. فتلك الوظيفة اللغوية أدت إلى ولادة ثنائيات خاطئة فمشاكل فلسفية و علمية كاذبة تزول بزوال تلك الثنائيات كثنائية العدم و الوجود و ثنائية الزمان و المكان. و بما أن لغتنا ضللتنا فكرياً كان لا بد من نشوء آليات معينة لتصحيح الخلل اللغوي منها الآلية الأساسية في تصحيح لغاتنا ألا و هي العلوم. فالعلم تصحيح للغة البشرية. و لذا لا تتطور اللغة سوى بتطور العلم و لا يتطور العلم سوى بتطور اللغة. و لذلك تجد الشعوب المتطورة في العلوم متطورة أيضاً في اللغة و العكس صحيح. و لا يكتفي العلم في نفي الثنائيات الكاذبة بل يبني أيضاً مفاهيم و مصطلحات جديدة لم نعهدها من قبل كبناء مصطلح " الزمكان " لأينشتاين الذي يوحِّد بين الزمان و المكان. من هنا , العلم أيضاً آلية صياغة لغات جديدة.