الخوري اللبناني يوحنا مراد لجريدة (صوت بخديدا): هجرة مسيحيي الشرق هروب أم رسالة؟


المحرر موضوع: الخوري اللبناني يوحنا مراد لجريدة (صوت بخديدا): هجرة مسيحيي الشرق هروب أم رسالة؟  (زيارة 8813 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فراس حيصا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 119
    • مشاهدة الملف الشخصي
الخوري اللبناني يوحنا مراد لجريدة (صوت بخديدا): هجرة مسيحيي الشرق هروب أم رسالة؟

لقاء أجراه: فراس حيصا

نشر اللقاء في جريدة (صوت بخديدا) العدد (121) نيسان 2014
[/center]

مقدّمة
   منذ أن هَجّر آدم نفسه من جنّة عدن (تك3: 23)، فقد السلام والطمأنينة وهناء العيش، وأصبح في الأرض شريداً ينتقل من مكان إلى آخر يبحثُ عن موردِ رِزقه، وعن مكانٍ يوفر له الأمان الأمني والاقتصادي والنفسي والاجتماعي. وكل مرّة كان يفقد أيِّ من هذه المقومات، كان يترك مكان إقامته دون أن يلتفت إلى الوراء، ويهيم يبحث عن مكان استقرار جديد. يظن أن الأرض وخيراتِها بإمكانها أن توفّر له مكان الأمان. لو أجرينا بحثًاً عن سلالات البشر، لكنّا نجد أسراً تعيش في الشرق، وهي من أصل غربي، وإن أسراً تعيش في الجنوب وهي من أصل شمالي. من هنا نفهم أن الهجرة هي حالة فقدان الأمان بمفهومها السوسيولوجي، والأنتروبولوجي. وفي عمقاها الروحي هي مسيرة حجّ يمشي بها الإنسان سعياً عن مخرج جديد يُعيدهُ إلى الجنّة التي سبق وطُرد منها بسبب قساوة قلبه وكبريائه وخطيئته، علّه يستعيد السلام والأمان اللذين فقدهما، ويستريح من أتعاب ترحاله، ويستقر. في حديثي هذا أتحدّث عن هجرة مسيحيي الشرق أعني مسيحيي العراق ولبنان ومصر وفلسطين وسوريا. من خلال نقطتين، الأولى هي: المفهوم الإنساني والاجتماعي للهجرة. والثانية هي: المفهوم اللاهوتي والإيماني للهجرة. أرجو أن لا يُفهم حديثي أنّه ضدّ الذين هاجروا، أو أنّه سلسلة تقيّد الراغبين بالهجرة للبقاء. إن بغيتي من هذا الحديث، هي توجيه رسالة من أخ وصديق وشريك في الإيمان والآلام والمعاناة، إلى أبناء وإخوة وأصدقاء مؤمنين ينتسبون إلى كل الكنائس التي تكوّن مسيحيي الشرق الأوسط. أبيّن فيها لمن يقرأ كلامي المعنى والمفهوم الحقيقي للوطن كمذود للتجسّد، وجبل جلجلة لبذل الذات، ومائدة عطاء يقدّم فيها المؤمن بيسوع المسيح والعضو الفاعل في كنيسته، كل أعماله ومشاريعه وطموحاته وحياته خبز قربان. وأن الهجرة بحثًاً عن الأمان خارج الحبّ والإيمان هي هروب من تحمّل المسؤولية كما هرب بالماضي النبي يونان.

أولاً: المفهوم الإنساني والاجتماعي للهجرة:-

س1: هل من الممكن أن تتحدث عن الهجرة، ما هي أسبابها، هل هي أمنية أم اقتصادية أم علمية؟
سأبدأ الجواب على هذا السؤال بسؤال: لماذا يفكّر الإنسان بالهجرة من وطنه؟ أليس عندما تقيَّد حرّيته! فيصبح في وطنه أسيراً وشبه سجين؟ وعندما يهدد بانتزاع لقمة العيش من فمه؟ وعندما تُستباح مُمتلكاته وإرث أجداده وجنى عرق جبينه؟ وعندما يحرم من تحصيل العلم، أو يُحّد التعليم بلغة تفتقر إلى المصطلحات العلمية المتداولة عالميّاً، وعندما تؤَمِّمُ السلطات المؤسسات الخاصّة؟ وتُقتَل المبادرات الشخصيّة التي تسعى لنمو الإنسان وازدهاره، على صعيد الفرد والأسرة والجماعة؟ وعندما يحرم من أقدس ما لديه وهو عيش إيمانه وممارسة شعائره الإيمانية والدينيّة بحرّية؟ ونصل إلى الذروة عندما تهدّد حياة الفرد والأسرة بالقتل. كل هذه الأسباب تدفع الإنسان إلى حزم أمتعته والهجرة إلى أي مكان يُوفّر له الحدّ الأدنى من العيش بحرّية، لأن الحُريّة الإنسانية هي قدس أقداس الشخص البشري، الله الخالق الذي لا مستحيل عنده، يقف مكتوف الأيدي أمام حريّة الإنسان، ويحترم حريته حتى لو تصرُّفَه سيؤدي إلى هلاكه.

س2: وما هي سلبيات الهجرة وايجابياتها على الفرد وعلى المجتمع؟

للهجرة سلبيات أكثر ممّا لها إيجابيات، سأوضح هاذين الوجهين.
أ‌-   سلبيات الهجرة:-
الهجرة كأس مرّ وخيار صعب ومسيرة في صحراء. كم من المهاجرين غرٍقت بهم السّفُن، وتحطمت بهم الطائرات؟ وكم مِنهم ضاعوا في أصقاع المعمورة، وفقدوا كل تواصل بالأهل والوطن الأم؟ وكم منهم وقع فريسة المافيات في بلدان المهجر، فنهبت أرزاقهم ومنهم من قتل؟ وكم من شباب عراقيين في الهجرة الحاليّة غرِقوا بين تركيا واليونان في مياه النهر، ومنهم من فُقدوا وانقطعت أخبارهم؟ هناك روايات سمعتها من شباب وعائلات عن أخطار عانوها تَقشعِرُّ لها الأبدان، من جراء تركهم بلدهم وتوجههم إلى اليونان عبر تركيا. وكم من مواطنين كانوا على عتبة التقاعد، تركوا عشرات السنين من خدمتهم، وحقّهم بمعاش تقاعدي؟ وكم منهم باع ما ورثه من آبائه وأجداده بمبلغ زهيد، لا يؤمِّن له معيشة أشهر؟ أو ترك حقولاً واسعة مسرحاً للذئاب والشوك والعوسج؟ وكم من المهاجرين كمن له المرض في وسط الطريق وأعاده الموت رغماً عنه جثّة إلى أرض وطنه الأصيل؟ والذين تابعوا رحلتهم، في النهاية حصل كل منهم  على لقب مذلّ هو "لاجئ". وكم من المجازين وحملةِ الشهادات اعتُبرت شهاداتهم حُجّة ميتة، فعادوا إلى تحصيل العلم من جديد لسنوات، لتعديل شهادتهم؟ وكم من أشخاص كانوا يملكون مؤسسات في وطنهم، أصبحوا عاطلين عن العمل، أم عمّال مأجورين في بلد المهجر، علهم يؤمّنون قوت يومهم؟ نحن نعيش في مجتمع معقّد متخلّف، ينظر إلى العدد أكثر من ما ينظر إلى القيمة. وعلى الرغم من أن المسيحيين في كل دول الشرق الأوسط أقليّة من حيث العدد بالنسبة إلى شركائهم المسلمين. فتأتي الهُجرة لتزيد على الطين بلِّة، فتصبح البقيّة الباقية جماعة لا يبالى، لا بوجودها ولا بحقوقها ولا بفعاليتها، كل ذلك بسبب غياب حسّ الانتماء وفقدان التضامن، بين الذين بقوا والذين هاجروا.
ب – إيجابيات الهجرة:-
رغم هذا الكمّ من سلبيات الهجرة، تفتح الهجرة أمام المهاجر أفاقاً متعددة منها، التعرّف على ثقافة ولغة وحضارة جديدة، واكتساب جنسيّة البلد الجديد، يمكن أن تعوّض له ما فقده من حقوقه كمواطن في بلده الأصيل. ومن جهته تدعوه الهجرة وتحمّله مسؤولية زرع ثقافته ولغته وتقاليده وقيمه وإيمانه في بلده الجديد. والهجرة تجعله يختبر أنّه في هذه الأرض نزيلٌ وليس أصيلاً كما يقول بولس الرسول: ليس لنا مدينة باقية على هذه الأرض فوطننا الأصيل هو في السماوات.

س3: أبونا، هل تعتقد أن الإنسان الذي يهاجر من بلده إلى بلد آخر، هل يكون مرتاح البال؟ وهل يستطيع أن يمارس حياته كما كان يمارسها في بلده؟
لا يمكن أن نعمّم عبارة "أن يكون مرتاح البال" على الجميع، هناك أشخاص لا يرتاحون فيعودون. هذا ما حصل لكثير من اللبنانيين أثناء الحرب وبعدها، وهناك أشخاص عراقيون هاجروا إلى أوستراليا وأميركا وكندا أتواصل معهم يقولون إنهم منزعجون وغير مرتاحون، ينتظرون لربما الحصول على جنسية لكي يعودوا إلى بلدهم الأم. وهناك أشخاص تأقلموا مع واقعهم الجديد وكانوا من الناجحين. إليكم مثلاً، من بلدتي تنورين هناك مهاجرين كثر، أحدهم كان رئيس جمهورية كولومبيا وقريبه رئيس مجلس النواب، وآخر في المكسيك كان نقيباً للمحامين، وهناك نواب في فرنسا وبلجيكا والكونغرس الأميركي من أصل لبناني، وهناك آخرين برعوا في كل المجالات العلمية، من كل كنائس وبلدان الشرق الأوسط. أما على صعيد طبيعة الحياة، هناك تغيير حتمي في بلد الهجرة، مثلاً ليس من السهل على من أصبح فوق الأربعين من العمر أن يجد عملاً، وعلى من دخل الخمسين والستين من العمر وما فوق أن يتعلّم لغة البلد وتقاليده، لهذا تبقى هذه الفئة متقوقعة على مجتمعها الضيّق الذي رافقها في هجرتها. وهذا ما هو حاصل لكثير من العراقيين الذين في سدني ولربما في غيرها من البلدان والمدن، هناك انغلاق على الذات، وصعوبة في التأقلم والانفتاح على المجتمع المحلي. أما فئة حاملي الشهادات الجامعية والشبيبة والأطفال، هؤلاء من خلال متابعة التحصيل العلمي في الجامعات والمدارس يسهل عليهم الانخراط في حياة البلد المضيف، والخوف هو، أن يساوموا على تقاليدهم ولغتهم على حساب جديد الوطن المضيف، هذا ما حصل للبنانيين الذين ولدوا في أوستراليا وأميركا والأرجنتين والبرازيل وغيرها من البلدان. إن الذي يقيم التوازن بين موروثات البلد الأم، ومستجدات الوطن الجديد هو المدرسة. بعض الأبرشيات والرسالات المسيحية اللبنانية في بلدان الانتشار ما استطاعت المحافظة على المسيحيين اللبنانيين المهاجرين لولا تأسيس المدارس، فيها تعلموا لغة بلدهم الأم وبعض لمحات من تاريخه، ولغة وثقافة البلد المضيف وهكذا تطعمت الثقافات بدون أي مساومة على أي منها. دون ذلك لا يبقى من الهوية الأصيلة سوى بعض أمور لربما لا تكون أساسية.

س4: برأيك كيف يمكن وضع حدّ لنزيف الهجرة المسيحية من بلدان الشرق الأوسط؟
للدولة دور وواجب، وللكنيسة دور وواجب، وللناس المسيحيين دور وواجب. سأحدد واجب كل فئة من منهم:-
أ-واجب الدولة:- أن تصون الحقوق التي تعود لهم ولسائر المواطنين، لكي يعيشوا في جوّ من الديموقراطية واحترام كرامة الإنسان والمشاركة في الشأن العام؛ وينعموا بحياة اقتصادية واجتماعية وثقافية كافية وكريمة؛ ويساهموا في تنمية أوطانهم وتحقيق ذواتهم فيها، وتحفيز قدراتهم وإمكاناتهم على أرضها.
* "أن لا تنظر إلى المسيحيين كأقليّة في بلدانهم، بل يجب النظر إليهم كمواطنين أصيلين وأصليين في بلدهم العربي، وبهذه الصفة هم مثل غيرهم من المواطنين العرب، وهم معهم أغلبية؛ وكروّاد فكر وحضارة في بلدانهم، وليسوا على هامش التاريخ في المنطقة؛ وكلاعبي دور سياسي ووطني، في بلدانهم، وقد نشروا مشاريع التحرّر والاستقلال والوحدة في المحيط العربي. فلم تتغلّب "مسيحيتهم" على عروبتهم ووطنيتهم، بل كانت ثقافة "العيش المشترك" فلسفتهم الجامعة؛ وعلى المستوى المسيحي، كأعضاء في جسد المسيح الذي هو الكنيسة الحاضرة من خلالهم بكل هويتها ورسالتها.
* أن تُجري تعديلاً في التشريعات التي تُميّز بين المسلمين والمسيحيين في حقوق هؤلاء بتشريعات خاصة بأحوالهم الشخصية، ولا سيما ما يختصّ بالزواج ومفاعيله القانونية، والزيجات المختلطة وصلاحيات محاكمهم الروحية، والإرث والتوارث من حيث المساواة بين الزوجين، أياً كان انتماؤهما الديني، وبناء الكنائس وترميمها.
* أن تصون وتحترم الحريات العامة والأساسية، ولاسيما حرية العبادة والمعتقد والتعبير والرأي، وتعزيزها. فالحرية هي أوكسجين المواطن والمؤمن، وهي من صميم الثقافة المسيحية، وتشكّل ثابتة أساسية عندهم على المستوى الاجتماعي والسياسي والديني.
* أن تعترف بالتنوّع وقبول الآخر المختلف في الدين والرأي والانتماء. فالتنوّع ثروة وغنى في المجتمعات، ومُكوِّن لهوية كل بلد وشعب. وبالتالي رفضْ كل أشكال التمييز والتعصّب ونبذ الآخر والخوف والحذر من الآخر والتقوقع على الذات. وأيضاً معرفة الآخر كما يُريد هو أن يُعرف وأن يُعرِّف بنفسه.
* أن تؤمّن جوّ المشاركة السياسية في الحياة العامة على أساس المواطنة، بحيث يتمثَّل المسيحيون في الحكم والإدارة، لكي يساهموا في إنماء مجتمعاتهم بما أوتوا من قدرات ومواهب وإمكانيات.
* أن تَوَفُّر الأمن الاجتماعي والغذائي، لكي يتمكّن الجميع من العيش بطمأنينة ويحققوا ذواتهم. فالأمن حق لكل مواطن، والدولة مسؤولة عن توفيره. توفير الأمن لا يعني حماية الأقلية من قبل الأغلبية، بل يعني الحق الأساسي والمشترك للجميع" .
ب-واجب ودور الكنيسة: على رعاة الكنيسة أن يركزوا في حضورهم وتعاليمهم وشهادة حياتهم على توعية مؤمنيهم على معنى الوطن كمساحة للشهادة لقيم الإنجيل، وعلى تعزيز دورهم في السعي إلى نبذ العنف والعمل والتفاهم والتسوية بالحوار. عليها أن توقظ في المؤمنين روح النضال السلمي، وأولوية الشهادة ليسوع المسيح حتى لو اقتضى الأمر بذل الذات حتى الاستشهاد. وعليها أن تؤسس إيمان المؤمنين على مبادئ التعليم الاجتماعي الذي ينبع من الكتاب المقدس، وتعليم آباء الكنيسة، والباباوات، حتى إذا تأصل كل مؤمن ومؤمنة بالإيمان والتعليم الصحيح، يصبحان قادرين على احتمال كل الصعوبات والتحديات من أجل اسم يسوع المسيح. وخدمة إخوتهم بالوطن والإنسانية. وأن تعمل على إنشاء المدارس التي توفر ظروف تعليم أفضل لمؤمنيها، ويتاح لها أن تؤمن التعليم المسيحي الضروري للطلاب الناشئين والبالغين. وعليها من خلال رعاتها أن تسهر على رعاية الفقراء والمنعزلين والمتألمين الذين يسميهم يسوع إخوته الصغار، كي يشعروا أنهم ليسوا وحدهم وأن هناك من يرعاهم ويهتم بحاجاتهم وشؤونهم. وأخيراً ليس آخراً، على المسؤولين الكبار في الكنيسة أن يمدّوا جسور الحوار مع القيمين على الشأن العام في مؤسّسات الدولة والسلطة السياسية، والحركات والجمعيات الأهليّة، والأحزاب الوطنية، من أجل تأمين مساحة من الأمن النفسي لأبنائها، وخدمتهم بشكل أفضل في حال تعرّض أحدهم لتهديد أو وعيد.
ج-واجب ودور المؤمنين: كل مؤمن هو شعاع من نور يسوع المسيح، فعليه أن يشعّ فكر ومحبّة وسلام وحنان ورحمة وغفران يسوع. وهذا لا يمكن أن يتحقّق بدون التزام في حياة الكنيسة، يعبّر عنه بتأمل كلام الله، والمواظبة على المشاركة في الأسرار المقدسة، والتضامن مع جماعة المؤمنين وعيش الشركة في المحبّة، مع إخوته المواطنين. كل مؤمن هو عضو في جسد المسيح الذي هو الكنيسة، فعليه أن يتناغم ويبقى على تواصل حيوي مع سائر الأعضاء لكي يبقى ويستمر. التلاقي والتضامن، ووضع الذات في التصرّف لخدمة الأكثر حاجة، والأكثر ضعفاً، يكسر حلقة الخوف والعزلة، ويخلق مناخاً ينعش من يمرّ في ضيق من أي نوع كان. كل مسيحي هو غصن في الكرمة الذي هو شخص يسوع المسيح، يمتد هذا الغصن كل ما عمّق ورسّخ انتماءه للكرمة، ويحمل ثماراً ناضجة، كلما سمح لنور يسوع المنبعث من كلامه في الإنجيل، أن يتغلغل في فكره ووعيه ووجدانه. من هنا كل مسيحي ينتمي إلى أيّة كنيسة من الكنائس الموجودة في بلدان الشرق الأوسط، هو غصن ليسوع المسيح يحيا ارتباطه فيه من خلال التزامه بكنيسته المحليّة. عندما يترك ويهاجر يعني أنّه فصل نفسه من كرمة المسيح وترك مكانه فراغاً موحشاً، كان المسيح يريد أن يملؤه من حضوره من خلاله. على كل مسيحي أن يجّدد انتماءه إلى يسوع المسيح، وإلى كنيسته، من خلال حياة توبة تقود إلى الالتزام في عيش حياة روحية في قلب أسرته ورعيّته وأبرشيّته، وأن يعطي وقتاً لتغذية إيمانه، وتعميق جذور المحبّة بينه وبين أبناء الرعيّة الذي ينتمي إليها. كل انكفاء على الذات، يولّد القلق والخوف من الآخر، ويعرّض صاحبه للعزلة والضياع، فيجد نفسه وحيداً ضعيفاً عند أية نكسة اقتصادية أو اجتماعية أو روحيّة أو أمنيّة، فيلجأ إلى الهجرة معتبراً إيّاها الخيار الوحيد. فعلى كل مسيحي أن يعي أنه عضو في حلقة جماعة المؤمنين، لذا عليه أن يفعّل انتمائه لرعيّته، وأنه عضو في مجتمعه الإنساني والوطني فعليه أن يكون النور والملح، وأن يتبنّى كل ما هو خير وحقّ، عندها يرى الناس أعماله الصالحة ويمجّدوا أباه الذي في السماوات.

ثانياً: المفهوم اللاهوتي والإيماني للهجرة:-

س1: الهجرة هروب وضياع؟ أم رسالة ولقاء؟
إن الانتماء للوطن مسؤولية كبيرة طالما وعاها المسيحيون وتحملوها بجدارة منذ بداية الكنيسة، كانوا أول من يحترم القوانين والأنظمة، وكانت حياتهم تتفوّق على متطلباتها. وعلى الرغم من اضطهاد الأباطرة الرومان لهم كانوا يرفعون الصلوات من أجلهم عندما يحتفلون بالافخارستيا. وفي بلدان الشرق الأوسط، حيث المسيحيون أصليّون وأصيلون، وقد طبعوا بثقافتِهم المسيحية الثقافاتِ المحلية، وأصبحتْ ثقافتُهم جزءاً جوهرياً من حضارات شعوبِ هذه البلدان. فلا يجوز ولا يحق لهم عند أية هزّة الانسحاب والهجرة إلى البعيد. أن يحمي الإنسان نفسه من الموت من جراء الاضطهاد حقّ وواجب، لكنه أن يهرب يائسًا هذا ليس علامة عافية لا في تجذره في وطنه، ولا في تجذره وتعميق انتمائه إلى المسيح وكنيسته. لهذا أصلّي لكي يعي كل مهاجر من بلداننا أن عليه واجب ورسالة، حيث حط من ترحاله، الواجب هو أن يحوّل مكان وجوده إلى محطّة لقاء مع الرب يسوع المسيح، وموضع تجسّد له، وأن يكون للمحيطين به رسالة محبّة وسلام وإيمان وأخلاق وقيم. وأن يبقى محافظاً على إرث وطنه الأم، وأن لا يصبح هذا الوطن أغنية أو فكرة بالبال، بل محطة يعود إليها ليلتقي بأهل وأحباب، ويتذكر أنه قد جبل من ذاك التراب.

س2: هل للإيمان دور بالهجرة؟
الإيمان هو صمّام أمان للبقاء، ومسؤولية نتحملّها تتطلب منّا البذل والتضحية والعطاء. لهذا خدمة الإيمان المسيحي لها وجهين، التجذر والثبات والبقاء، والسفر لخدمة مشروع الإيمان.
أ-الإيمان يحدّ من الهجرة. وحده الإيمان يوفّر لنا الطمأنينة والأمان، هذا ما اختبره إبراهيم، عندما كان يحتمي بأهله وعشيرته وآلهة أجداده لم يكن يتمتّع بالأمان، لكنّّه عندما فتح قلبه للإيمان بالله الذي أوحى له بذاته، على الرغم من تركه لأهله وأرضه وكل ضماناته، كان الأمان يرافقه نتيجة إيمانه. هجرته من أرضه ما كانت هرباً من اضطهاد، بل فتحاً لنشر رسالة الإيمان الجديد، فكان في ترحاله يعبّر عن إيمانه ببناء مذبحٍ للرب (تك12: 7و 18)، إلى أن توصّل إلى تقديم ابنه وحيده الذي يحبّه ذبيحة للربّ إله الحياة الذي يرخُصُ أمامه كل غالٍ وكل ثمين (تك22: 1-18). هذا الإيمان وصل إلى أوجه مع يسوع المسيح، الذي آمن بالإنسان حتى تجسّد وصار إنساناً، ارتبط بالإنسانيّة كلّها من خلال ارتباطه بمكان وزمان. من هنا التجسّد هو من أعطى قيمة للوجود في كلّ مكان وزمان. لهذا المسيحي لا يتمسك بالأرض من حيث هي مساحة وعقار، وصمّام أمان. بل من حيث هي مكان تجسدّ، وميدان رسالة ومسرح للحب والعطاء. ولا يوجد وطن مهما كان حكامه طغاة، ومهما كان البعض من أهله جهّالاً، يضيق على رسالة يسوع المسيح. لهذا يحمّلنا المسيح قضيّة نشر سلامه وقيم إنجيله في أرض مهدنا أولاً، هذه أمانة حمّلنا إياها في أعناقنا، علينا أن نفاخر بها حتى ولو فرض علينا البعض دفع فريضة الأعناق، فهؤلاء بالذات هم في صميم هذه الأمانة وخلاصهم في أعناقنا دون أن يدروا. الإيمان المتجسّد بالمحبّة، والموجّه بنور الرجاء، لا يخيّب صاحبه، الإيمان يقوينا في هذا الشرق لنشهد لهويتنا دون خوف، حتى لو هُدِّدنا بأمننا وأمن مصالحنا اليومية، فعلينا أن نكون ونعيش بحسب ما يقال عنّا: " إن الأخلاق والثقافة المسيحيتان ترتكزان على منظومة قيمية تناهض الظلم وتتبرم من الفساد وتنفتح على المفاهيم التحررية. ورسالة السيد المسيح عليه السلام، إلى الناس هي رفض التسلط ونشر الفضيلة وإعلاء السلام، وإشاعة الخير المشترك، واعتماد الأسلوب الحواري التسامحي ونبذ كل أشكال الكراهية والقسرية والعنف"2. هذه هي أمانة يسوع الذي بذل دمه ليوصلها إلينا نحن المسيحيين. فعيب علينا أن نستقيل من حملها، رغم كل الظروف، ونهاجر لابسين ورق التين بدل الثوب الأبيض الذي ألبسنا إيّاه بعد أن غسله وبيّضه لنا بدمه! فإني أصلّي: زدنا يا ربّ إيماناً حتى نقبل الآخر وندخل معه في حوار المحبّة، ثبتنا يا رب بك، لنثبت في أرضنا، ولنبني لك مذبحاً من خلال كل ما نعمله، نقدم عليه ذواتنا قرابين روحيّة.
ب-الهجرة أو السفر في خدمة الإيمان. ينسى المسيحي أنه أصبح ملكاً وكاهناً ونبيّاً من خلال معموديته، يعتبر أن هذه مجرّد ألقاب لا أكثر. ويعيش حياته على هواه، يكتفي الكثيرين بإظهار إيمانهم في مناسبات قليلة كالأعياد ومناسبات الدفن وغيرها. كما يسوع المسيح مرتبط بالآب ارتباطاً جوهريّاً، وكما أنّه في وحدة معه، كذلك كل مسيحي يجب أن يحيا ارتباطه ووحدته مع الكنيسة والرعية التي ينتمي إليها، وإلا لا معنى ولا قيمة لمعموديته. من هنا المسيحي الحقيقي هو الذي يترك روح المسيح يوجّه حياته، بتناغم مع الكنيسة الذي هو عضو فيها ورسول من رسلها وحجر حيّ من مداميكها. المسيحي الحقيقي هو جندي في خدمة الإيمان بيسوع المسيح، في بيته ورعيته وعمله ووطنه، وعليه أن يبقى في حالة جهوزية ليتوجه برعاية الكنيسة إلى أي مكان في الدخل أو الخارج حاملاً رسالة الإيمان بيسوع المسيح. وهنا على كل مهاجر أن يسأل نفسه، هل كان لإيماني بيسوع دوراً ما في هجرتي أو سفري من كنيستي المحليّة وبلدي؟

س3: برأيك هل إرادة الرب أن يهاجر مسيحيو الشرق؟
* إن هجرة أو سفر المسيحيين من وطنهم الأصيل ليست وليدة عصرنا، بل إنها منذ تجسّد الله الكلمة في شخص يسوع المسيح، الذي منذ طفولته هرب به يوسف وأمّه مريم من الناصرة إلى مصر، لكن إلى حين. وعندما بدأ يسوع رسالته كان من المفترض أن تبدأ في أورشليم انطلاقاً من الهيكل، لكنّه بدأها في الناصرة دون أن يتخلّى عن الرسالة في أورشليم بسبب وقوف الزعامات الدينية سدّاً أمام رسالته. ولا ننسى أن يسوع صعد إلى أورشليم في المرّة الأخيرة وهو يعلم أنه سيموت على الصليب. والكنيسة منذ انطلاق رسالتها واجهت الاضطهاد من قبل اليهود، فكان الشماس اسطفانوس أول شهيد ولحقه يعقوب الرسول، فاضطر الرسل إلى ترك أورشليم. لكن لم يكن هدف تركهم البحث عن الرفاهيّة ورغد العيش، بل عن مجال لإعلان بشارة يسوع المسيح. هل هذا الموضوع هو هم وهاجس الذين هاجروا من كنائسنا الشرقية منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم؟ بكل صدق أقول لا. لا أحد يترك فلساً من أجل الإنجيل، إلا إذا كان إكليريكياً أو راهباً أو راهبة، والباقي يبحث عن شغل ومال وأمن وراحة بال. إن إرادة الرب لكل مسيحي أينما كان في الغرب أم في الشرق، هي إعطاء الأولوية لطلب ملكوت الله. والعمل على تجسيده وتقريبه إلى الواقع الحياتي للناس، خصوصاً غير المؤمنين. وهل هناك من مساحة وجودية عطشى لهذا الملكوت أكثر من بلداننا الشرق أوسطيّة؟ إذا كان الرب أرسلنا للشهادة ولبناء ملكوته في أرضنا، ونحن ننكفئ، فمن يرسل؟ إن كل مسيحي مشرقي لا يأخذ على عاتقه قضيّة يسوع المسيح الإله من خلال التزامه في كنيسته، وعيشه حياة روحية خصبة، ولا يأخذ على عاتقه يسوع المسيح الإنسان الحاضر والمتجسّد في إخوت له إن بالإيمان، وإن بالوطن، إن وجوده يشكل عبئاً على المسيح والكنيسة معاً ويكون بوعي أو بلا وعي يقوم من جديد بما قام به يهوذا الذي باع الربّ بثلاثين من الفضّة.

س4: ماذا تقول لمسيحيي العراق ولبنان وسوريا ومصر وفلسطين ... الخ الذين يهاجرون؟
أطلب من كل مسيحي يفكّر بالهجرة، أن يَزينْ إيمانه وانتماءه إلى يسوع المسيح وكنيسته بمعيار الإنجيل. ويطرح على نفسه بعد ذلك السؤال التالي:  لماذا خلقني الرب في بلدي؟ هل وُجِدت فيه بالصدفة، أم بالغلط، أم من أجل رسالة؟ عندما يجد بنفسه الجواب الذي يريح ضميره كمؤمن بيسوع المسيح وكملتزم بكنيسته، ويكون الجواب الهجرة، فعلى الكنيسة واجب تسهيل سفره لأنه بذلك سيؤمِّن خدمةً لمجد الرب، ونموّاً للكنيسة، وقداسةً لنفسه. بكوني مؤمنٌ بيسوع المسيح، وتلميذٌ وخادم له في إحدى الكنائس الشرقيّة، إني متضامن إلى أقصى حدود التضامن مع كل الكنائس، وكل المنتمين إليها إكليروساً وعلمانيين، إني أصاب بقلبي لأي ألم ومصاب لأي كان، وأفرح وأبتهج لأي نجاح وازدهار لأي كان. بدل أن تفرقنا الهجرة، فالنتضامن في بلداننا، ونتعاون مع بعضنا بروح الأخوّة والمحبّة. ونتساعد ونتعاضد كي لا يبقى بيننا معزول ومتروك ومحتاج، التضامن الأخوي المحبّ المنفتح على الآخر المختلف، هو ضمانة روحية ومعنوية ومادية، فإذا أخذناه على عاتقنا وتبنينا بناء مداميكه سنكوّن في بلدنا مساحة سلام، وسنشكل سداً بوجه الهجرة، ويكون تضامننا نداءاً لعودة كثيرين.

س5: هل نجد في العهد الجديد ما يدعونا للثبات في أوطاننا كمؤمنين في يسوع المسيح وكأبناء كنيسة؟
ليس هناك كلام مباشر يدعو إلى الثبات في وطن ما، كما أنه لا يوجد كلام مباشر يدعو إلى الهجرة كما يحصل اليوم وقد سبق وحصل في أزمنة غابرة. إن يسوع قبل أن يرسل تلاميذه، أبلغهم أنه سيرسلهم كالحملان بين الذئاب، فدعاهم إلى التحلي بالحكمة والوداعة (مت10: 16). وفي وصاياه العشر التي أعطت الكمال لوصايا موسى العشر، طوّب الذين يضطهدون من أجل البرّ، ووعدهم بأجر ثمين هو ملكوت السّماوات (مت5: 10). إنه لم يعطِ الرسل ضمانات عندما أرسلهم، بل على العكس دعاهم إلى عدم الاتكال على أي ضمانة من هذا العالم المعبّر عنها بالفضّة والذهب والنحاس وكل أنواع الأمتعة (مت10: 9-10). عليهم أن يطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه (مت6: 33) فحضوره بينهم وفي حياتهم وحده الضمانة (مت28: 20). لم يعدهم بالرفاهية وحياة الترف، ولا بالأمان الاقتصادي والأمني، بل بالاضطهاد، يبغضكم جميع الناس من أجل اسمي، فمن يصبر إلى المنتهى يخلص (مت10: 22). ولكي يحمي تلاميذه قال لهم: إذا اضطهدوكم بهذه المدينة، انسحبوا إلى غيرها (مت10: 23)، كما هو انسحب إلى مصر (مت3: 13-15)، لم يقل لهم اتركوا بيروت أو القاهرة أو بغداد أو دمشق واهربوا إلى أبعد حدود العالم مثل أميركا وأوستراليا وكندا... يقول المثل من ساواك بنفسه ما ظلمك. يسوع يدعونا لنكون مثله، حسب التلميذ أن يصير مثل معلّمه، والعبد مثل سيّده (مت10: 25). ودعا تلاميذه ويدعونا اليوم إلى عدم الخوف مِمَّن يقتلون الجسد، ولا يقدرون أن يقتلوا النفس، الخوف الحقيقي هو من الذي له سلطان على إهلاك النفس والجسد معاً (مت10: 28). وقال أيضاً من ينكرني أمام الناس أنكره أنا أيضاً أمام أبي الّذي في السّماوات (مت10: 33). أليست الهجرة نوع من خوف التعرض لتبعات إعلان أسم يسوع بكل الطرق المتاحة؟ أوليس هذا تنكر للرسالة التي حمّلني إياها يسوع كمسيحي مشرقي؟. لم يدعو يسوع تلاميذه إلى حمل السيكار والنركيلة. بل إلى حمل الصليب، أي إلى بذل الذّات على مثاله ليبقى حبّه متدفّق من أجل خلاصنا وحياة العالم، إن من لا يحمل صليبه ويتبعني فلا يستحقني (مت10: 38). التهرّب من الحب الكبير، وحمل الصليب يبرهن أن ليس كل من نال سرّ العماد قد لبس المسيح وحافظ على هذه النعمة. قال يسوع لتلاميذه وللذين آمنوا به لغاية يومنا: سيكون لكم في العالم ضيق. ولكن ثقوا قد غلبت العالم (يو16: 33). لا تضطرب قلوبكم! آمنوا بالله، وآمنوا بي أيضاً (يو14: 1). الإيمان الحيّ بيسوع المسيح هو وحده صمّام أماننا نحن المؤمنين به، أينما كنّا خصوصاً نحن الذين خلقنا ودعانا لنكون تلاميذاً ورسلاً له في هذا الشرق. لنتأمل حياة التلاميذ والجماعة المسيحيّة الأولى، قبض عليهم مجلس اليهود، وجلدوهم جلداً مبرّحاً، ثم أخلوا سبيلهم، فذهبوا من هناك فرحين، لأنهم وُجِدوا أهلاً لأن يُهانوا من أجل إسم يسوع. فما أخافهم تهديد ولا وعيد، فتابعوا التبشير وإعلان اسم يسوع المسيح (أع5: 40- 42). بولس الرسول يعلن أنه لا شيء يجب أن يفصل المؤمن عن يسوع المسيح، لا ضيق، ولا شدّة، ولا اضطهاد، ولا جوع، ولا خطر، ولا سيف. فمن أجل يسوع علينا أن نمات النهار كلّه، حتى لو حسبنا مثل غنم للذبح! في كل ذلك نغلِبُ بالّذي أحبّنا (روم8: 35- 37). ويقول أيضاً: يضيّق علينا من كلِّ جهة ولكننا لا نُسحق، نحتار في أمرنا ولكننا لا نيأس، نُضطهد ولكننا لا نُهمَل، نُنبذ ولكننا لا نهلك، فإننا نحن الأحياء نُسلم دوماً إلى الموت، من أجل اسم يسوع، لكي تظهر حياة يسوع أيضاً في جسدنا المائت (2كور4: 8-11). وفي نهاية رحلته الثالثة قرّر العودة إلى أورشليم، رغم كل ما يتهدّده من أخطار، فقال للذين تمنّوا عليه عدم الذهاب إلى هناك: إني لا أبالي بحياتي، ولا قيمة لها عندي، سوى أن أتِمّ شوطي، والخدمة التي وكلها إليّ الرب يسوع، وهي أن أشهد لإنجيل نعمة الله (أع20: 24)! هذا هو الإيمان الحيّ بيسوع المسيح والانتماء الفاعل في كنيسته، هذا ما عاشته الكنيسة في كل مراحل تاريخها، وهذا ما يجب أن يتنشأ عليه المؤمنون اليوم وما يجب أن نورّثه لأجيال الغد. هناك نصّ جميل يتحدث عن المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع عنوانه الرسالة إلى ديوجنيس. إليكم بعض منه: "إن المسيحيين لا يختلفون عن سواهم من أبناء البشر في الوطن أو اللغة والعادات. والواقع هو أنهم لا يقطنون مدناً خاصة بهم وحدهم، ولا يتكلمون لغة خاصة بهم، ولا يعيشون عيشة غريبة شاذة. تراهم يسكنون البلدان ولكنهم غرباء. يفرشون طعامهم للجميع، ولكنهم لا يفرشون فراشهم. هم موجودون في الجسد ولكنهم لا يعيشون للجسد. هم يشتركون في كل شيء كمواطنين ولكنهم يحتملون كل ما يحتمله الغرباء. هم موجودون في الجسد ولكنهم لا يعيشون للجسد. يقضون أيامهم على الأرض ولكنهم مرتبطون بوطن سماوي. يطيعون القوانين المرعية لكنهم يتقيدون بأكثر منها في حياتهم الخصوصية. يحبّون جميع الناس ولكن الجميع يضطهدونهم. تراهم مجهولين ولكنهم مُدانون. يُماتون ولكنهم يُعادون إلى الحياة. فقراء ولكنهم يغنون كثيرين. معتازين لكل شيء ولكنهم ينعمون بكل شيء. يُفترى عليهم ولكنهم يُبررون. يُشتمون ولكنهم يباركون. يُهانون ولكنهم يكرّمون الآخرين. يعملون الخير فيُجازون كأشرار، حينما يُعاقبون (بالموت) يفرحون كأنهم يُقامون إلى الحياة. يحاربهم اليهود كأنهم أجانب، ويضطهدهم اليونانيون. ومع ذلك فالذين يكرهونهم يعجزون عن ذكر سبب كراهيتهم لهم" .

س6: في ختام هذا اللقاء ماذا تقول للذين يفكرون أو يخططون للهجرة؟
أقول لهم كونوا مسيحيين حقيقيين، لتكونوا مواطنين حقيقيين. حبّوا يسوع المسيح ببعضكم، وبإخوتكم البشر. كونوا ملحاً للأرض التي أنتم فيها ولا تخافوا من شيء، إلا من فقدانكم طعم يسوع، عندها تصبحون ملحاً فاسداً فيدوسكم الناس أينما رحتم وفي أي بلد سكنتم. استشيروا يسوع المسيح في كل شيء بصلواتكم، واستشيروا رعاة الكنيسة، إذا توافقا الرأي على هجرتكم فهاجروا، وإلا إقفلوا ملف هجرتكم. كونوا مع كهنتكم وأساقفتكم وبطريرككم مرتبطين في المسير والمصير. اتحدوا مع بعضكم كمؤمنين لا في الصلوات فقط بل في كل ميادين الحياة، التضامن يجعل منكم صخرة منيعة، مدّوا يد الخير والسلام إلى جميع الناس في وطنكم، ازرعوا ثقافة الرحمة والحوار والحبّ والتسامح، تحلوا بالشجاعة في إعلان الحقيقة التي تبني وتحرّر. إثبتوا في أرضكم ووطنكم، كونوا معاً مناضلين في صلواتكم وأصوامكم، وخدمتكم للفقراء والضعفاء، وخدمتكم لكل محتاج وغريب ومُهان. إن أرض الوطن هي المذود الذي يولد فيه يسوع المسيح المخلص من خلالكم، وجبل الجلجلة التي تُصلبون عليها من خلال آلامكم ومعاناتكم وتضحياتكم، ليفتديكم ويفتدي شركائكم، وإنه سيقوم في اليوم الثالث فيكم لتكونوا رائدي نهضة نمو وازدهار لكنيستكم وإنسانكم ووطنكم.

 (1)من كلمة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، في المؤتمر 86 للمكتب الكاثوليكي الدولي للتعليم في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، الفاتيكان، الاثنين 16 أبريل 2012.

(2) من( حديث لسعادة سفير دولة العراق لدى الفاتيكان حبيب محمّد هادي الصدر، يوم الأربعاء 21 أيلول 2011، رداً على الانتقادات التي وجهت إلى موقف المسيحيين العرب تجاه موجة ما يسمّى بالربيع العربي، نقلاً عن موقع زنت.


سن الفيل- بيروت في 23 كانون الثاني 2014
الخوري يوحنا مراد من أسرة كهنة برادو الشرق

http://omarrrrrr123.eb2a.com/kleeja/do.php?img=931
http://omarrrrrr123.eb2a.com/kleeja/do.php?img=932
http://omarrrrrr123.eb2a.com/kleeja/do.php?img=933